إبراهيم محمود
أكان الكردي لاجئاً؟
ما أكثر ما قيل عن وضع الكرد في سوريا، أي في نطاق الحدود السورية، بمفهومها السياسي الحديث، وذلك من خلال ربطهم بـ” الخارج “، أي من تركيا. أكان الكرد القادمون من هناك ” من سرخت إلى بنخت ” حسب التسمية الكردية قبل قرن من الزمان، وليس من تركيا إلى سوريا، حسب التسمية السياسية لكلا البلدين، لديهم الشعور الذي يشعرهم بغربتهم، أم أنهم كانوا يمارسون حياتهم بقدْر أقل من التوتر، رفضاً للانقسام ؟
ليس في كتاب الشيخ محمد عيسى مثل هذا التنويه، كأي امرىء ينتقل من بلده إلى بلد آخر، ليكون أجنبياً، بالعكس من ذلك، كان الشعور بفقْد شيء ما، يقطع علاقة قسرية، بواقعة تقسيمية، يضاعف الوعي المكاني، كما هو الممكن تبيّنه في أنشطة العاملين في المجال الثقافي والسياسي الكردي ، ليس في ” بنخت ” فحسب، وبامتداد عشرات الكيلومترات، إنما حتى في أبعد نقطة ” في دمشق ” التي كانت تُعتبَر تجمعاً لأكبر حضور ديموغرافي كردي نشط، وفاعل مكاني، على أكثر من مستوى، على الأقل بامتداد النصف الأول، من القرن العشرين، حتى مطلع ستينياته، وفق المرويات التاريخية الموثقة،وهي باسمها الجغرافي ” سوريا ” عموماً!
لعله الشعور بالانتماء المكاني الذي يبقي هذه الرابطة فاعلة في استمرارية الذاكرة الجماعية تلك التي تتواصل في متنها مع الأمة، بمفهومها التخيلي المستقبلي، وترقب التاريخ الذي يحيل الصوت الجماعي إلى كتابة، أي ما يجعل من العائلة بخاصيها النسبية العضوية، إلى العائلة الجغرافية التي تقاوم شتاتها المكان.
متحولات التسمية الجغرافية: سوريا
جرّاء هذا التمسك المكاني، هذا الدَّين الذاتي للمكان، تتقدم الكرديَّ ذاكرتُه الجماعية، وتمضي به إلى الأمام، ليعيش هذا التفاعل والتواصل بين ما هو تاريخي” وفعل الأعداء به تمزيقاً ” وما هو جغرافي” وفعله المضاد للأول”، وهو في حنين دائم إلى وحدة عائلته الجغرافية، بغضّ النظر عن الخلافات التي تفتت في قوى الكرد، وله في الذي يُسمَع ويقرَأ حتى من قبل غير المعنيين به مباشرة، ما يزيد في مضاء بصيرته.
كما في تحرّي بنْية الاسم وحقيقته ” سوريا ” هنا، ومثال ذلك:
( الاسم يوناني شكلاً، ويظهر بشكل شرين في آداب أوغاريت وسيريون في العبرية، حيث يطلَق على لبنان الشرقي، واستخدم اسم الجزء فيما بعد ليشمل البلاد كلها. ص 62 –واسم سيروس ” سوري بالنسبة للرومان، وهو يعني كل شخص يتكلم السريانية “، غير أن ولاية سورية الرومانية كانت تمتد من الغرب إلى مصر، وكانت هذه حدود سوريا كما وصفها الجغرافيون العرب، حتى نهاية الدور العثماني.) “16”
وفي مثال ثان( أطلق اليونان اسم سورية على المنطقة المحيطة بمدينة صور، ثم توسعوا في استعماله، فأطلقوه على المنطقة الواقعة بين جبال طوروس في الشمال وسيناء في الجنوب ، والبحر المتوسط في الغرب، والبادية في الشرق.ص19 ” إذاً سورية تسمية سياسية لسلطة متحكمة فيها من الخارج، يونانية جرّاء السيطرة عليها “- اتباع نظام الأجناد في تقسيم بلاد الشام..ص21- وأُدخِلت الجزيرة في أجناد الشام لأنها من فتوح أهل الشام، إلا الموصل والهيت.ص23..) ” 17 ”
ذلك ينير الطريق أمامنا لضبط المعنى التاريخي، من خلال المبنى الجغرافي، لحظة تبيّن رهان الكردي على جغرافيته، بوصفها كياناً مادياً واحداً، لهذا، فإن ” برّية ماردين ” التي تحتل مساحة واسعة من ” بنخت ” إحالة إلى هذه الوحدة، وأن ” بنخت -سرخت ” ليسا أكثر من نار مشتعلة واحدة تبقي الذاكرة المكانية ساخنة.
ثمة ما يلفت النظر في واقعة مسجلة كهذه وهي أنه في ( عام 1946، ظل النواب الكرد في البرلمان السوري، يتأملون بإمكانية العودة إلى تركيا شرط تغيير حكومة سياستها إزاء الكرد. ومن أجل ذلك اتصلوا بممثلي بريطانيا للطلب منهم التدخل مع الحكومة التركية كي تعطي بعض الحقوق للكرد. وقد تم إبلاغ مصطفى شاهين بأن حكومة أنقرة لا تستطيع أخذ هذا الطلب بالاعتبار.) ” 18 “.
وما يوسّع دائرة العلاقات في الجهات الجغرافية الأخرى، للاستنارة بها، كما في مثال ” العراق ” كاسم:
( وكان العرب قد ” أطلقوا اسم العراق على الأقسام الوسطى والجنوبية مما يسمى العراق الآن . فهو لم يتجاوز في مدلوله الجغرافي بلاد بابل إلى ما وراء سلسلة جبل حمرين، ولم يشمل منطقة ” الجزيرة ” التي تقع فيها مدينة الموصل والتي تمتد من حدود تكريت حتى مدينة ديار بكر” آمد ” ولم تكن كردستان الجنوبية جزءاً من العراق تاريخياً وجغرافياً في يوم من الأيام .) ” 19 ”
وفي مقدوري أن أورد مثالاً آخر، حول الحضور الكردي في ” سوريا ” في حاضنته الجغرافية، وما يضفي عليه اعتباراً تاريخياً، من خلال الوارد بلسان محمد كرد علي” الكردي الأصل “، حين كان وزيراً للمعارف، وقبل قرابة قرن من الآن، في رسالة له إلى الجهة الرسمية في الدولة، بعد جولته التفقدية” الجزراوية”:
( كنت منذ سنين أطيل التفكير في أنواع الحكومات في العالم فعلمني الزمن أن أكثرها غير صالح عملياً، وخصوصاً في ديار كديارنا، عرفت بتأخرها في بعض أوضاعها، بالقياس إلى الأمم العريقة في حكم نفسها بنفسها.ص429- في رسالة إلى رئيس دولة سورية المعظم، عن سلبيات العاملين في التربية.ص436-437-439- والأخطر: وإني لمغتبط جد الاغتباط بما رأيت من قيام أعمال مهمة في بعض أنحاء لواء الجزيرة الذي لم تضع فيه الدولة البائدة حجراً على حجر فإن بضعة من الجسور والطرق والمدارس ودور الحكومة مثال من العناية بذاك اللواء الجديد والحكمة تقضي بمضاعفة هذه العناية وأن ينشأ فيه في السنة القادمة عشر مدارس ابتدائية لا تكلف أكثر من عشرة آلاف ليرة سورية وينشأ جامع فخم في عين دوار . أما عمل الأهلين في أرض الجزيرة فهو أعظم أثراً ذلك لأن الحسجة التي لم تكن قبل ست سنين سوى قرية صغيرة أصبح سكانها اليوم نحو خمسة آلاف وكذلك يقال في القامشلي التي لم تكن تضم قبل ست سنين سوى بيت والحد وطاحون فأصبحت اليوم تحوي اثني عشر ألفاً من السكان مخططة على صورة هندسية جديدة منارة بالكهرباء مغروسة بالأشجار، وغداً تلحق بها عين دوار وغيرها. وتعلمون أيدكم أن معظم من هاجروا إلى تلك الأرجاء هم من العناصر الكردية والسريانية والأرمنية والعربية واليهودية. وجمهرة المهاجرين في الحقيقة هم من الأكراد نزلوا في الحدود. وإني أرى أن يسكنوا بعد الآن في أماكن بعيدة عن حدود كردستان لئلا تحدث من وجودهم في المستقبل القريب أو البعيد مشاكل سياسية تؤدي إلى اقتطاع الجزيرة أو معظمها من جسم الدولة السورية لأن الأكراد إذا عجزوا اليوم عن تأليف دولتهم فالأيام كفيلة بأن تنيلهم مطالبهم إذا ظلوا على التناغي بحقهم والإشادة بقوميتهم، ومثل هذا يقال في أتراك لواء الاسكندرونة فإن حشد جمهرتهم فيها قد يؤدي إلى مشاكل في الآجل لا يرتاح إليها السوريون فالأولى إعطاء من يريد من الترك والأكراك أرضاً من أملاك الدولة في أرجاء حمص وحلب….ومهاجرة الكرد والأرمن يجب في كل حال أن يمزجوا بالعرب في القرى الواقعة في أواسط البلاد لا على حدودها اتقاء لكل عادية نظراً ونحن الآن في أول السلم نستطيع التفكير والتقدير. بقيت مسألة مالية يظهر أثرها هذه السنة والعقل يقضي بحلها وأعني بها مسألة تعداد الأغنام. ومعلوم أن المواشي هي أهم مورد في لواء الجزيرة، وإذا سقطت أسعار الصوف والسمن والماشية في كل مكان كان أكثر الأصقاع تأذياً بذلك من لا مورد لهم غير شياههم وجمالهم فالشاة التي نتقاضى منها خمسة وأربعين قرشاً سورياً يؤخذ عن مثلها في العراق نحو عشرين قرشاً سورياً وفي تركيا أربعون قرشاً تركياً أو نحوخمسة وعشرين قرشاً سورياً فإذا أنزلنا هذه الضريبة إلى النصف توشك أن تدخل أرضنا قبائل كثيرة من العراق وتركيا على ما جرى من قبل ويتخذون ديارنا موطناً لهم وننجو من التهريب الذي كان على مقياس عظيم في السنين الفائتة. ولا بد من الملاحظة أيضاً أن الخروف الذي كان حال عليه الحول يساوي في قضاء القامشلي نحو 150 قرشاً سورياً ولا يساوي غير مئة قرش في قضاء عين دوار وذلك لصعوبة نقل الماشية في ربوع تعد مسافاتها بمئات الكيلومترات إلى منافذ يمكن أن تقام لها سوق رائجة..) “20 ”
وشهادته في الكرد، وموقفه مما ينشدونه قومياً:
( الأكراد شعب آري أقرب إلى المدنية منه إلى البداوة، فُطر على ذكاء ومضاء وشجاعة وإقدام، وله شعر وموسيقى وأدب، وكان منه في الإسلام عظماء في العلم والسياسة والجندية، ومنهم من اندمج في العرب، ومنهم من ظلوا على الهامش عند الفرس والترك. وهم منتشرون اليوم من شمال بحيرة أورمية إلى جوار خليج الإسكندرونة، ومن صحارى بلاد العرب إلى خرابات نينوى، وفي الشرق من [ ولايتي ] أستان” كردستان، في الأصل ” وهمدان في إيران إلى ولايتي سيواس وأنقرة في تركيا. [ ولا يؤلف ] الأكراد أكثرية في ولاية من الولايات العربية والتركية والفارسية.
وتعلم بعض أبناء الأكراد فقويت فيهم [ نزعات ] القومية، وأخذوا يتناغون بالاستقلال، وما خلوا من غريب يحسن لهم [ قيام دولتهم ]، ويعيدهم ويمنيهم بتحقيقها، فكان من ذلك أن ضُرِبوا في تركيا والعراق ضربة قاسية هلك فيها ألوف من رجالهم، وخرّب الترك ديارهم وأتوا على ثروتهم، فاضطر الأكراد إلى إرجاء حل مسألتهم إلى أن تسالمهم الأيام.
إن مطالبة الأكراد باستقلالهم وتوفرهم على إحياء لغتهم والمناداة بقوميتهم حق من حقوقهم الطبيعية، ولكن [ من ] النظريات [ ما ] يصعب تحقيقها عند العمليات، وليس في إيران وتركيا والعراق فيما نحسب وزارة مستعدة للنزول عن جزء من بلادها للأكراد حتى ينشئوا دولتهم، فتفرق الأكراد إذاً أكبر عائق يحول [ دون ] تحقيق آمالهم القومية على ما يشتهي المشتهون من بنيهم، وأكثر ما يرمضهم أن يذوبوا، وهم في عصر القوميات، في عنصر غير عنصرهم. وقديماً هاجر إلى الشام ومصر ألوف من الأكراد، واتخذوها موطناً لهم وتعربوا وما شق عليهم ما صاروا إليه، ونسوا مع الزمن أصولهم [ ولغتهم ] واندمجوا في العنصر العربي، كما دانوا بالإسلام منذ رفرفة أعلام الفاتحين العرب على أرضهم في [ العصور] الأولى من الهجرة. ) ” 21 “.
إنها مكاشفة لبنية الذاكرة الكردية، وللشعور الجمعي المترافق مع أي نشاط مبذول في العلاقة المكانية.
إنما هي -أيضاً- إرادة التحرّي في مفاصل جغرافية مضغوطة، بقدر ما تكون متداخلة في بعضها بعضاً.
من المؤكد أن محمد كرد علي، كان يتحدث بلسانه ” السوري ” السياسي، عما هو كردي يستحيل تجاهله، لكنه في محتوى التسمية المكانية، ينبّه إلى العام الجغرافي” الكردي ” في وحدة الاسم ” كردستان ” بجلاء.
الهجرة في المكان الواحد
مما تقدم، يظهر كل تقسيم، رغم وطأته عارضاً، وأنه يعاش، ويؤلم، ويميت كذلك، ولكن ديمومة الفكرة بالوحدة المكانية تستميت في الدفاع عن مجالها الحيوي: مكاناً وزماناً. والحدوديون أدرى من غيرهم بهول الجاري، وتنامي حدة الشعور بالطارىء، والاستعداد لمن يمكن أن يجري، كما هو المعايَن كردياً على الأرض.
أن يكون الكردي حدودياً، أي يعرَف به تاريخياً بمفهوم الحدود التي جزّأت فيه كينونته كإنسان تاريخ ما قبل التاريخ المفروض عليه، كائناً جغرافياً محوَّلاً باسم المستبد به، هو ما يُعرَف به في الجانب الذي يعنيه خصيم الحدود هذه، بذاكرته في خريطتها المكانية الملغومة والنازفة بامتداد تاريخ طويل، وفي قرنه الأخير كثيراً، فيكون له في الحدود ومنها، ما يبقي نزفه مستمراً، وبالمقابل، ما يبقيه مسكوناً باللاحدود. أي كما هو التعامل مع الحدود المرسومة هنا، باعتبارها خطاً. إنه خط عادي وظيفي” خط حديدي ” ليس هناك حاجز يحُول دون رؤية الجهتين، أو يتهيأ لمخاطر عبوره، حتى ما دون القفزة، إنما مجرد عبور دون التفاتة إلى الوراء.
ولعل أحد أهم المعنيين بوضع حدودي كهذا، وهو باحث وسياسي ودبلوماسي تركي، أعني به جنكيز تشاندار” جدير بأن يشار إليه، وهو يتحدث في إحدى أهم النقاط الساخنة في فعل التقسيم الكارثي هذا، وهو يشاطر صاحباً له حول انعكاسات الحدود المفروضة على أهليها بتنوع لغاتهم:
( أنا أيضاً لم أكن متصالحاً مع الحدود التي قسَّمت الشرق الأوسط باعتباره إرثاً عثمانياً. دخلتُ سوريا من تركيا عابراً الحدود سراً من دون جواز سفر ذات ليلة حزيرانية عام 1971. وتنقلت بين سوريا ولبنان مرات عدة من دون جواز سفر، وعندما كنت أنظر إلى المواقع الإسرائيلية من هضبة الجولان أو جنوب لبنان، كنت أعرف أن هناك فلسطين، وقد رُسِمتْ حدود باسم إسرائيل، وأن الفدائيين الذين يعبرون إلى هناك يضحّون بأرواحهم لتحقيق حلم استعادة وطنهم المفقود.
الحدود السورية التركية التي عبرتُها من دون جواز سفر كانت سكَّة حديد أُنشِئت لكي تربط بين الناس. سكة الحديد التي أنشئت لهذا الهدف في المرحلة العثمانية تحولت إلى حدود لا يمكن تجاوزها بين الناس) ” 22″.
لعبة الحدود مستمرة كما هو ممكن تعقّب خيوطها الدقيقة، وأي دبلوماسية دولية تُعتَمد لهذا الغرض.
ليكون الكردي بعد انتكاسة ثورة الشيخ سعيد، دخولاً في عهدة تاريخ قاس، وامتحان للذات إلى الآن، والذين عبروا” الخط ” بتنوع فئاتهم ومراتبهم، شكلوا هذا الخليط الداخل على عنف الحاصل: فردياً وجماعياً، وليكون لهم انتشار أبعد من الحدود التي تعني جغرافية الكردي، أي صوب مدن كبرى” حلب، دمشق…” مثلاً.
نقرأ كمثال حي على ذلك:
( التجأ إلى كردستان الواقعة تحت السيطرة الفرنسية الكثير من الرجال أمثال: كور حسين باشا، حاج موسى بك خُتى، أمراء خرزة، أمراء بالوا، أمراء داراهين، عائلة الشيخ سعيد، شيوخ جاني Çanî،شيوخ خربوت، شيوخ سيليفان ،شيوخ بوتا، آغوات مثل حاجو، صاروخان، أمينة أحمد، بدرالدين، حاج علي، اسماعيل محمدـ عائلة جتو Çeto، عائلة علي يونس، توفو، أحمد سليمان، يوسفى أوصمان، ومئات آخرون من البكَوات، الآغوات، الشيوخ والآغوات،انحدروا إلى بنختى. وفيما بعد التجأ كل من جميل جميل باشا، البدرخانيون، د. أحمد نافذ بك، شوكت زولفي، أوصمان صبري، رشيد كرد..) ” 23 “.
يتعزز ذلك من خلال التركيز على ” هوية ” جمعية ” خويبون ” التي تأسست سنة ” 1927 “: في ملابساتها، وطبيعتها، في خلفية نشأتها، مراميها كذلك. أي كيف كانت تعبّر عما هو الحال عليه في ” سرختى” وكيفية الدفع بها نحو الأفضل تعبيراً عن توق الكردي إلى هوية تعنيه اثنياً، ومن خلال ثورة ” آرارات : 11927- 1930″،وهي في كثافة قواها، من الداخل” السوري ” إلى الداخل ” التركي ” حيث إن الذين نزحوا من ” سرخت ” إلى بنخت ” لم يواجهوا متاريس حدودية، كما الحال الآن، لقد كان خيالهم القومي، وفي ضوء انتشارهم الجغرافي، يتعدى النطاق الواسع لحساباتهم الواقعية، وهي حسابات لا يُستخَف بها، كما يُظن.
أي لحظة التفكير في الحضور الكردي في العمق” السوري، مثلاً حين نقرأ:
( كان سعيد باشا، الزعيم الكردي المقيم في دمشق، أميراً للحج، ولما شاخ، انتقلت هذه الإمارة إلى حفيده عبدالرحمن باشا اليوسف، بفضل توسط الشيخ أبي الهدى الصيادي، فصعب ذلك على عزة باشا العابد، وهو ابن دمشق، فتمكن بنفوذه لدى المراجع المختصة من نزع الإمارة من عبدالرحمن باشا اليوسف، بعلة حداثة سنه، والعهد بها إلى كبير آل العابد، فغضب الشيخ أبو الهدى،وأخذ يواصل مساعيه بحكمة ودهاء حتى استحصل إرادة سنية بإعادة الإمارة إلى عبدالرحمن باشا.. وأخيراً تم الاتفاق بينآل اليوسف وآل العابد، بفضل زفاف الغادة الحسناء الزهراء أخت عبدالرحمن باشا إلى زين الرجال محمد علي بك نجل عزة باشا العابد.) ” 24 ”
ولحظة الاطلاع على الفضاء الكردي في دمشق هذه، حيث ( يقول المستشرق النمساوي الفريد كريمر في دراسته عام ” 1917م” أن اسم حي الأكراد قد أطلق على المنطقة الممتدة بين سهلي برزة والقابون شرقاً ومنطقة أبي جرش غرباً وجبل قاسيون شمالاً وشريط من البساتين تواكبه مع نهر يزيد جنوباً.) ” 25 “.
وأخيراً، وليس آخراً، حين نعلم أن( أغنى مالك أرض في دمشق، كان عبدالرحمن اليوسف، الذي حاز الضفة الشرقية لبحيرة طبرية كلها والمعروفة بالبطيحة وثلاث قرى في الغوطة وخمساً في المرج وأربعاً وعشرين في الجولان.) ” 26 “.
وأن ” خويبون ” الجمعية الكردية الأكثر حضوراً بزخمها، وتنوع قواها بالذات” كونها في أساسها نسيجاً مركَّباً من التعاون الأرمني -الكردي “، ولولا هذا الرهان على الجهة التركية، ما كان لأي طرف أرمني، كما في الحزب الأرمني المتنفذ” طاشناق “، أن يدخل في شراكة مواجهة دعائية ودعم مادي كذلك ” 27″
ويبدو أن ديناميكية الأحداث ومأساويتها، ومرارة الهزائم المتلاحقة، كانت تنتظر تحولاً آخر، تكون الساحة السورية، بحدودها المعلنة، ويكون الحد الفاصل بين ” سرخت-بنخت ” حدوداً رسمية ومراقَبة.
وليكون لدينا ظهور رجل ، هو رمز قيادي كردي في حركة بمقاييس الوضع المستجد، ولأول مرة في تاريخ الحركة الكردية السورية ، ألا وهو الشيخ: محمد عيسى !
مصادر وإشارات:
16-د. فيليب حتّي: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، ترجمة: جورج حدّاد- عبدالكريم رافق، أشرف على مراجعته وتحريره: د. جبرائيل جبّور، دار الثقافة، بيروت، ص 63.
17- د.حسين عطوان: الجغرافية التاريخية لبلاد الشام في العصر الأموي، دار الجيل، بيروت،ط1، 1987، وقد وردت أرقام الصفحات في المتن، للإيجاز.
18- جوردي غورغاس: الحركة الكردية التركية في المنفى، ترجمة: جورج البطل، دار الفارابي، بيروت، ط1، 2013 ، الهامش ” 1 ” من الصفحة 132.
19- عبدالرقيب يوسف: حدود كردستان الجنوبية تاريخياً وجغرافياً خلال خمسة آلاف عام وما ترتب على إلحاقها بالعراق، منشورات وزارة الثقافة والإعلام في إقليم كردستان، السليمانية، ط1، 2005 ، ص11- 13.
20- محمد كرد علي: المذكرات، مطبعة الترقي، دمشق، 1948، ج2، صص 440-442.
21-محمد كرد علي: كتاب المذكرات، تحقيق وشرح ودراسة: قيس الزرلي، منشورات المعهد الفرنسي، دمشق، 2008، ص 218-219. والكتاب عبارة عن رسالة دكتوراه في باريس، كما نوّه إليه بداية.
22-جنكيز تشاندار: قطار الرافدين السريع ” رحلة في التاريخ( تركيا- الكورد-الشرق الأوسط- الغرب)” ترجمة: عبدالقادر عبداللي، مراجعة وتحرير: مركز التعريب والبرمجة، الدار العربية للعلوم، بيروت، ط1، 2014، ص 459.
ويُلاحَظ في العنوان ما هو دال على المنظور التاريخي السياسي للخطاطة: تركيا الدولة المعنية، والكورد الذين يَعنونها، بقدر ما تشغلهم تاريخاً وجغرافيا، والشرق الأوسط، كمفهوم سياسي أورُبي كولونياني أساساً، والغرب، كجهة جغرافية، قارية، استعمارية فاعلة في رسم مثل هذه الخريطة، إلى الآن . المترجم
23- جكرخوين: سيرة حياتي. ص 184.
( أضفتُ أسماء إلى القائمة المنقولة عربياً، والناقصة، وهي في النسخة الكردية من ذكريات جكرخوين.ص155).
وثمة سؤال يُطرَح هنا: ترى، لماذا لم يأت على ذكر اسم علَم مثل الشيخ محمود وعائلته؟ هذا ما يمكن تناوله لاحقاً.
24- يوسف الحكيم: سورية والعهد العثماني، دار النهار، بيروت، ط2، 1980. ط1، 1966، ص 59 .
25- عزالدين علي الملا: حي الأكراد في مدينة دمشق بين عامي 1250- 1979 م: دراسة تاريخية اجتماعية اقتصادية،ط1، 1998، ص 22.
26- حنّا بطاطو: فلّاحو سورية ” أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأناً وسياساتهم “، ترجمة: عبدالله فاضل- رائد النقشبندي، مراجعة: ثائر ديب، المركز العربي لدراسة السياسات، بيروت، ط2، 2015، ص 94.
27- لمعرفة الخيوط الدقيقة لهذه الجمعية بجانبيها: التنظيمي- العسكري، يمكن مراجعة كتاب جوردي غورغاس: الحركة الكردية التركية في المنفى، المصدر المذكورة، ص 139، وما بعد.
” يتبع ”

التعليقات (0)