صبحي دقوري
لو وضع الله الحقيقة كاملةً في يده اليمنى، ووضع في يده اليسرى السعي الدائم إليها، ثم خيّر الإنسان بينهما، لاختار ليسينغ اليد اليسرى؛ لأن الحقيقة الخالصة لله وحده، أما نصيب الإنسان منها فهو أن يطلبها، وأن يقترب منها، وأن يصحح في الطريق أخطاءه وأوهامه. بهذه العبارة المضيئة لم يكن فيلسوف التنوير الألماني ينتقص من قيمة الحقيقة، بل كان يرفعها فوق ادعاءات البشر، ويحميها من أن تتحول إلى وثن جديد تتقاتل حوله الجماعات، ويحتكر تفسيره الأقوياء.
يميل الإنسان بطبيعته إلى اليقين، لأن اليقين يمنحه الطمأنينة ويعفيه من عناء السؤال. وحين يعتقد أنه امتلك الحقيقة، يشعر كأنه وصل إلى نهاية الطريق، فلا يعود محتاجًا إلى الإصغاء أو المراجعة أو الاعتراف بالخطأ. وهنا يبدأ الخطر؛ إذ تتحول الحقيقة من أفق مفتوح إلى جدار مغلق، ومن دعوة إلى المعرفة إلى أداة للهيمنة، ومن نور يكشف الأشياء إلى سلطة تعمي الأبصار.
كم من الحروب اندلعت لأن فريقًا زعم أنه يملك الحقيقة كاملة، وأن الآخرين لا يملكون منها شيئًا! وكم من إنسان أُقصي أو عوقب أو قُتل لأن رأيه خالف ما اعتبرته جماعة ما حقيقة نهائية! لم يكن التعصب في جوهره دفاعًا عن الحقيقة، بل دفاعًا عن وهم امتلاكها. فالمتعصب لا يبحث؛ لأنه يظن أنه وجد. ولا يحاور؛ لأنه لا يرى في الآخر شريكًا في المعرفة، بل خصمًا ينبغي إسكات صوته. ولا يشك؛ لأن الشك في نظره ضعف، مع أنه قد يكون أول علامات قوة العقل.
أما الباحث الحقيقي فيعرف أن ما وصل إليه، مهما بدا له راسخًا، يظل قابلًا للفحص والمراجعة. إنه لا يعيش بلا يقين، لكنه لا يجعل يقينه سجنًا. يحمل أفكاره كما يحمل المسافر خريطةً قابلة للتصحيح، لا كما يحمل الجندي سلاحًا موجهًا إلى مخالفيه. وكلما عرف شيئًا، أدرك مقدار ما يجهله؛ لأن المعرفة الصادقة لا تنفخ الغرور، بل توسع حدود التواضع.
اختيار اليد اليسرى هو اختيار الحركة بدل السكون، والقلق الخلّاق بدل الراحة المخدرة، والسؤال بدل الإجابة الجاهزة. الحقيقة المكتملة تنهي الرحلة، أما البحث عنها فيبقي الإنسان حيًا من الداخل. وما يمنح العقل قيمته ليس ما يختزنه من أجوبة، بل قدرته على توليد الأسئلة، وعلى إعادة النظر فيما ظنه يومًا نهائيًا ومحسومًا.
حين يضع الإنسان الحقيقة في جيبه، تصغر حتى تصبح على مقاسه؛ وحين يضع نفسه في طريق الحقيقة، يكبر حتى يصبح قادرًا على تجاوز ذاته. امتلاك الحقيقة يجعل الإنسان مركز العالم، أما البحث عنها فيجعله عابرًا متواضعًا في كون أوسع من معرفته. لذلك كانت اليد اليسرى عند ليسينغ أكرم من اليمنى: ففيها حرية العقل، ومشقة الاكتشاف، وإمكان الخطأ، وشجاعة الاعتراف به، ولذة البدء من جديد.
لا يعني هذا أن الحقيقة مستحيلة، أو أن الآراء جميعها متساوية، أو أن الصواب والخطأ مجرد وجهتي نظر. البحث عن الحقيقة لا يساوي إنكار وجودها؛ بل يفترض أنها موجودة وتستحق أن نبذل العمر في سبيل الاقتراب منها. غير أن وجودها شيء، وادعاء امتلاكها كاملة شيء آخر. يستطيع الإنسان أن يعرف، لكنه لا يستطيع أن يحيط بكل شيء؛ ويقدر أن يصيب، لكنه يظل معرضًا للخطأ؛ ويبلغ جزءًا من الحقيقة، لكنه لا يصبح مالكًا مطلقًا لها.
العلم نفسه لم يتقدم لأنه أعلن بلوغ الحقيقة الأخيرة، بل لأنه أبقى أبوابه مفتوحة للاختبار والتصحيح. كل نظرية علمية عظيمة كانت خطوة في طريق طويل، لا خاتمة نهائية له. ولو اكتفى البشر بما عرفه الأقدمون، لما اكتُشفت قوانين جديدة، ولا تبدلت صورة الكون، ولا تطور الطب، ولا امتدت المعرفة إلى أعماق الخلية والدماغ والفضاء. السؤال هو الذي حرّك التاريخ، أما الجواب المغلق فكثيرًا ما أوقفه.
وكذلك الأدب والفلسفة؛ فهما لا يقدمان إلينا حقائق معلبة، بل يعيدان إلينا دهشتنا الأولى أمام الوجود. الرواية العظيمة لا تقول لنا: هذه هي النفس الإنسانية وانتهى الأمر، بل تكشف لنا كم هي متناقضة وغامضة وعصية على الاختزال. والفلسفة لا تمنحنا راحة المستقر، بل توقظ فينا ذلك الصوت الذي يسأل: ماذا لو كان ما نعدّه بديهيًا مجرد عادة فكرية طال عليها الزمن؟
البحث عن الحقيقة أخلاق أيضًا. إنه يعلّم الإنسان الإصغاء، لأن الآخر قد يرى ما لم يره؛ ويعلمه التسامح، لأن اختلاف الرأي لا يعني فساد الضمير؛ ويعلمه الشجاعة، لأن الاعتراف بالخطأ أصعب من الإصرار عليه. ومن يختار البحث يقبل ضمنًا أن يكون خصمه قادرًا على تعليمه، وأن تكون الفكرة التي قاومها بالأمس مفتاحًا لفهم أعمق غدًا.
الحقيقة لا تخشى السؤال، وإنما يخشى السؤالَ الذين بنوا سلطتهم على أجوبة محرمة المراجعة. لذلك كانت حرية التفكير شرطًا لكل نهضة؛ إذ لا يمكن لعقل مقيد أن يكتشف، ولا لمجتمع يعاقب الشك أن يتقدم. الحضارات لا تتجدد بكثرة ما تحفظه من أجوبة، بل بقدرتها على طرح أسئلة لم يجرؤ السابقون على طرحها.
ما أعمق أن يختار الإنسان اليد اليسرى، وهو يعلم أنها لا تمنحه نهاية مطمئنة، بل طريقًا طويلًا قد يخطئ فيه ويتعثر! إنه يختارها لأن كرامته لا تتحقق في تلقي الحقيقة جاهزة، وإنما في المشاركة في اكتشافها. يريد أن يكون عقلًا يعمل، لا وعاءً يُملأ؛ وأن يكون مسافرًا يرى ويتعلم، لا مقيمًا في منزل اليقين المغلق.
الحقيقة التي تُمنح لنا قد تصبح عبئًا نحرسه، أما الحقيقة التي نبحث عنها فتصبح قوةً تغيرنا. وفي الطريق إليها نتعلم أن السؤال قد يكون أنبل من بعض الأجوبة، وأن الحيرة الصادقة أكرم من اليقين الكاذب، وأن الخطأ الذي يقود إلى المراجعة أكثر خصوبة من صواب يتحول إلى غرور.
لهذا نمد أيدينا، مع ليسينغ، نحو اليد اليسرى؛ لا زهدًا في الحقيقة، بل إجلالًا لها. نختار الطريق لأن الطريق يصنع العقل، ونختار البحث لأن البحث يصنع الإنسان. أما الحقيقة الخالصة، المكتملة، التي لا يداخلها نقص ولا يحيط بها شك، فتبقى أبعد من أن تختصرها عقيدة بشرية أو يحتويها كتاب أو يحتكرها فرد. إنها الأفق الذي نسير نحوه؛ وكلما اقتربنا منه اتسع أمامنا، وكلما أضاء لنا خطوةً كشف لنا أن وراء الضوء مسافات أخرى تنتظر شجاعة السؤال.

التعليقات (0)