إبراهيم محمود
إنه ليس قنفذا
” لدي أسباب تدعو للأمل: عقولنا الذكية، وقدرة الطبيعة على التعافي، والروح البشرية التي لا تُقهر، وقبل كل شيء، التزام الشباب حين تتاح لهم القدرة على الفعل.”
جين غودال
ما صلة القنفذ ” هذا الكائن الليلي الغريب ” وهو يتحسس العالم من حوله، مدرَّعاً بنسيجه الشوكي الذي يحسَب له حساب من الخارج، وهو يتميز بقدر لافت من المرونة أو الهشاشة من الداخل؟
إنه السلوك المعبّر عن مدى طراوة الروح في صوفيتها، وهي تتنفس عالمها الوسع، وتشم ما حولها بدقة، وفي لحظة الشعور بالخطر، يتكور القنفذ الذي يومىء إليها، متى وكيف يأتي الخطر بتفاعل الداخل والخارج.
في تتبعي لرحلة الشيخ محمد عيسى في الذاكرة، لا بد أنها ليلية ، في محتواها، دون ذلك لا يمكن الحلم بإشراقة الصباح، أو انتظاره، ومن ثم الامتلاء بالنهار، على وقْع مكابدة السير في ممرات الذاكرة الدقيقة والمعتمة.
يتجنب القنفذ الطرق السريعة والعريضة، مخافة أخطار وشيكة، ناشداً سلامته في الدروب الضيقة، في جملة منحنيات هي انحرافات لأن في ذلك تنبض داخله سياسة التكيف مع المكان ورصد كل نأمة فيه ” 34 ”
لكن إجراء مسح تكويني لحركته، في حجمه وشكله، يري نقاط ضعف تتلبسه، تبعاً لنوعية الخطر، أو الأذى، من جهة الكائنات المحيطة، أو بالنسبة للطبيعة ذاتها، في حال تعرضها لمخاطر بيئية وسواها.
في النظر إلى الإنسان ثمة ما يُرى، جهة الدهاء في السياسة، وهو يدقق في علاقاته مع من حوله، لكن التركيز لا يعني دفع الخطر المرتقب واحتسابه، فثمة دائماً ما يُغفل عنه، حتى في أكثر الحالات وعياً.
إنها عملية المقارنة أحياناً وفي الممارسة اليومية بين ما هو حسابيّ معتاد، وبتأثير التقاليد والأفكار المسبقة، وأنماط القيم المتَّبعة، ومنها القطيعية، وما هو هندسي، الأعمق والأقدر على كشف الملابسات وخفاياها.
الشيخ محمد عيسى لم يكن في سلوكه نظير السلوك القنفذي، لم يكن يخفي ذكاء عملياً، ولكن حساباته وهو شيخ وابن شيخ، وكونه مأهولاً بحمولة المشيخية وفعلها المكتسب من المحيط يغيّر في قائمة الحسابات.
إلى أي مدى، تمضي به حساباته في تعامله مع من حوله، وهو تنوعٌ، وما في الحسابات هذه من ثغرات؟
بين ظهرانيهم
لدينا ما يشكل تاريخاً في العلاقات: في إحدى الأمسيات من عام 1942ـ قادتني قدماي إلى منزل ” الدكتور أحمد نافذ ” في مدينة القامشلي، الذي كان يُعد آنذاك المركز الرئيسي لرفاق منظمة ” خويبون “. هناك صادفت جمعاً من القياديين البارزين في المنظمة : قدري جان، عبدالرحمن علي يونس، الشاعر جكَرخوين، ومفتي قامشلو الشيخ أحمد زفنكَي، الذي كان أيضاً عضواً في اللجنة المركزية للمنظمة. ص 84.
وقد اهتموا به، بسبب انفتاحه عليهم، ولماذا لا نقول أيضاً: لأنهم رأوا في وجوده بينهم دعماً لهم، في انتشارهم وتأثيرهم الجماهيريين؟ بقدر ما كان الشيخ يقدّر أن هؤلاء يمثّلون قوة اجتماعية لها وزنها، حيث لكل منهم تاريخه الدال عليه والمعزَّز به، وأن في التعرف عليهم، والإصغاء إليهم اكتساب لخبرة توسّع نظرته إلى الحياة وإلى نفسه، التي -لا بد أنه أعدَّ لها الكثير-لحظة النظر في ماضيه القريب وعن قرب كذلك؟
ويشير إلى مكانة” أحمد الخزنوي” النقشبندي وكرديته، وهو في تقديمه الدعم لرجال الحركة الوطنية الكردية،ويستقبل الوطنيين الأكراد أمثال جكرخوين بحفاوة وترحيب، وكان هؤلاء يبادلونه الاحترام والتقدير الكبير..ص86.
هنا، من المؤكد، ومن خلال نوعية هذه العلاقة، وسمعة الشيخ الخزنوي، وتردد صداها سياسياً، أن الذي رأه في مسلكه الحياتي والجوار الأبعد جغرافياً ، وما كان يتناقل على الألسنة، أنه انفتح على مثل هذا النموذج الديني المتنور والثائر على طريقته، وهو في مظهره المشيخي مختلفاً عمن حوله، نوعاً من الكاريزما الحياتية المستأثرة بانتباهه، والفاعلة في مخياله النفسي المستشرف لقادم الأيام. لم لا، وهو يستعيد صورة والده الشيخ، وذلك الحنين المحمول بعبق ماض في النفس إلى مواجهة الطغيان في ” سرخت ” لتعاد دورة من هذه المجابهة هنا في بنخت، وبوجود من يمكن أن يكونوا قادرين على سلوك هذا الطريق الملهِم.
ليس من الغريب ، ومن باب البداهة، القول بـ: مدى التداخل بين سلطتين تقليديتين: دينية ودنيوية. أوليست النقشبندية تطهيراً للحياة من جمودها، وإيجاد مسالك وممرات أكثر أماناً للإقامة فيها، وكما تستحق واقعاً؟
وأنوّه مجدداً إلى سيء الصيت محمد طلب هلال، وهو تحت عنوان فرعي” المذاهب الإسلامية” وضمناً” الخزنويون ” ، في كتابه دراسة عن محافظة الجزيرة، يشير إلى خطورة ” الخزنويين ” نسبة إلى الشيخ أحمد الخزنوي النقشبندي، ويشدد على خطورتهم، جهة كرديتهم، كما لو أنه المعني تأثراً..
ربما كان تقديره للموضوع المركَّب: علاقاته مع من ذكرنا والشيخ الخزنوي، هو الذي دفع به، وكمحاولة أن يصبح رمزاً، مستعيداً رموز اعتبار ومقاومة، من نوع عبيدالله النهري، وتنقلاته، إشعاراً منه، أنه بمثل هذه الطريقة يتحرر من الربقة الجغرافية المجزأة التي يُقيَّد بها إلى وساعتها كردستانياً وهو يذكر محاولة التحاقه بالبارزاني في إيران والاعتقال في تركيا.ص88 .
أي مؤشر هنا يلوّح لنا بداني القول ونائي الفعل وتفاعلهما في مخاض المصاعب ؟ كما يظهر، هو التصادم بين الحساب المحمول داخلاً وهندسة المكان المعقدة في تاريخها الكردي، حين تصبح جمعية ” خويبون ” بطاقمها التنظيمي والسياسي والفكري في مختبره النفسي والعقلي محلَّلة!
ذلك لم يكن عفو الخاطر، ثمة ما ومن كبَّر الصورة أمام ناظريه، ليسبر من خلالها بنيتها نشأة وتحولاً .
يلاحَظ ذلك حين يشير إلى يأسه من خويبون، فيبدأ بالتركيز على المنهاج الدراسي في العلوم الشرعية، استجابة لرغبة والده..ص94.
أليست هذه الخطوة التراجعية ضبطاً للمختلف، والصادم للحساب اليومي، وتخوفاً بمعيار المؤثر فيه؟
إنه مجرد سؤال، لئلا يمضي الجواب في استهواءات جانبية واستلهامات محبطة في معقلها!
كما لو أن النهل من العلوم الشرعية، وبتوجيه من والده المنتكس نفسياً من تجربة مريرة ” انتكاسة ثورة الشيخ سعيد ” ومآلها النفسي والاجتماعي والسياسي الرهيب، تحذيراً مما يمكن أن يحصل بالمقابل، كما لو أن هذه العملية في التراجع مصافاة النفس المطمئنة، أفضل من خسارتها فيما لا يجدي .
وتميل سخونة الذاكرة بمعلوماتها إلى الارتفاع مع بدء الحديث عن تأسيس الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا ( البارتي ). ص ” 98 ”
ولا بد أنها سخونة نابعة من واقع يميل به إلى الانحدار، بينما يطمح هو في الصعود، معتمدة على تفاؤل إرادة لا تنفصل عن تماسك نفسي، وحسبان عقلي، ومن خلال ما كان يتوقعه في وسطه وهو يطرح نفسه، باعتباره شيخاً أكثر من كونه شيخاً تقليدياً، وما من شأنه تجييش الوعي العقائدي السياسي بمسوح ديني معاً.
ولعل المفتاح الأكبر والأسهل استعمالاً في فتح باب المستقبل، لحظة نظره إلى ماض مؤلم،وحاضر يحفّز فيه قواه الخفية، ومستقبل يشده إليه، هو في الجانب الأكثر تمايزاً في حياته كلها، والمتمثل في شخصية يبدو أن لها كاريزميتها السياسية الشعبية، أعني بها شخصية الشاعر أوصمان صبري.
نعم، أن نقرأ الماضي، فليس لكي نحفظه، وإنما لكي نتجاوزه، وإلا لحضر القمقم في قاع التاريخ المظلم!
هكذا الحال في التعامل مع الذاكرة، فما يجري تسريبه منها، ليكون لها مجرى تاريخ، فبغية تخفيف ضغطها، بما أنها موقعاً، تنسّب حاملها إلى ماض قريب أو بعيد، هكذا تكون قوتها الخفية والتي لا تصرَّف كما نريد!
لذا، فإن ثمة الكثير الممكن قوله في تنوير هذه العلاقة ذات المدى الواسع والطويل تأثيراً، وأنا أورد التالي مما أتحفنا به في رحلته الماضية بنا إلى ذاكرته التي برمجها بطريقته طبعاً، كما يظهر في الذي وصلنا:
حيث تكررت لقاءاتي مع أوصمان صبري، وتوطدت علاقتنا أكثر حين عيّن مديراً لمركز الحبوب في مدينة ” الدرباسية ” في أوائل الخمسينات، فأسكنته في داري الواقعة في المدينة، بينما كنت أقيم في تليلون ( بين ” تليلون ” و” الدرباسية ” مسافة تقل عن كيلومتر. ص 99 .
( طبعاً المسافة ، كما هي معروفة قرابة ” 3 كيلومتر” وليس كما هي مذكورة في متنه، وهذا ينعطف في التقدير النفسي على مدى اختفاء المكان بنقاطه ومواقعه، بدقتها، بتأثير من عقود طويلة من السنين)
ويقول: كان أوصمان صبري يكبرني كثيراً بالعمر، يحمل في جعبته تاريخاً طويلاً من النشاط النضالي والخبرة الحياتية، عاشر مختلف فئات الشعب، وعرف نفسياتهم بعمق.ص98.
وقد كتب أوصمان منهاج الحزب والنظام الداخلي والأهداف ( باللغة الكردية)، كان هدفنا الأول” تحرير وتوحيد كردستان “…. ليكون الاسم: الحزب الديمقراطي الكردستاني في سوريا..ص104.
لكن إلى أي درجة يمكن الذهاب بهذا الموقف التأييدي مع الشيخ وهو لا يخفي تقديره لأوصمان صبري؟
وقبلها، إلى أي درجة يمكن النظر إلى ” خويبون ” بوصفها ” لقيطاً تاريخياً ” في مكب نفايات الجغرافيا الكردستانية، إن جاز التعبير؟ ألا يمكن النظر إليها في ضوء مجمل الأنشطة التي تُعرَف بها التنظيمات والحركات والنقابات والجمعيات ذات المهام المختلفة، وما عرِفت به هي الأخرى من نكوص داخلي، وانكسار خارجي؟ وهل في مقدور الذاكرة وحدها وفي ضوء تاريخ مسجَّل معافاتها من ضريبة تحرّي نيتها؟
أولا يكون التذكير الملح على أوصمان صبري، افتتاناً بشخص ” دنيوي ” يكون نقطة استناد إلى الأمام، ومن خلال موقعه، وعلاقاته بمن حوله، ليجري غض الطرف عما يقال عنه هنا وهناك خلاف الموصوف به؟
( إن تبجيلنا للذاكرة لا يخدم في كثير من الأحيان التاريخ بالشكل المطلوب، وكذلك الأمر بالنسبة للعدالة عندما تتوقف عن كونها مصدراً للوثائق التي تقدَّم للتاريخ من أجل تحليلها، وتصبح إخراجاً للمعرفة التاريخية.) ” 35″.
لا بد أن في ذلك جرعة منبّه من حكمة المفارقات التاريخية، وتعالي الذاكرة على صلاتها الواقعية بحذافيره، عندما نربط ” خويبون ” نشأة وتوجيه نشاط بـ” سرخت ” وكيف أن انتكاستها لا تنفصل عن انتكاسة ثورة ” آرارات-1930 “، ولكنها كانت مؤثرة-هذه المرة – في تدشين خارطة طريق ثقافية، ولكنها في بنيتها، هي الأخرى عمل قنفذي، في تدوير الواقع، والصعود إلى منصة تاريخ بما هو ثقافي عبر صحيفة لا تخفي عمق المخزون الدلالي في اسمها” هاوار-1932 ” والاستقطاب الذي شكلته كردستانياً، وفي الوقت نفسه، مثلت في محصلتها ” أي خويبون ” درساً تعليمياً للمستقبل الذي تُرفَع رايته السياسية في الحزب الكردي السوري المرتقب، كما هو معلوم، الحزب الذي يشد إليه ماضيه، ليصرفه في خدمة آتيه .
نعم، ثمة ما يمكن التوقف عنده” خويبونياً
أعني بذلك ما قيل بشأن ” خويبون ” التي استمرت من عام ” 1927 ” إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، ولم تخف آثارها في مخزونها السياسي والفاعلين فيها، ومن جرى تجنيدهم ميدانياً لخدمة تطلعاتها كردستانياً.
وثمة نقطة رئيسة، كما أرى، وهي في إشكالية النخبة، بوصفها نخبة، كما هي معروفة في سياقها الاجتماعي السياسي والتاريخي، وتكون فاعلة في مجتمعها، وليست منقطعة عن سريان فعل المتغيرات في بنيته، سوى أن التعامل معها كردياً، كما لو أنها نظيرة تلك” الغربية ” إسقاط لاتاريخي، عند تفحّص الفاعل المجتمعي، وبمن يتمثل كردياً، ليُلاحظ أن الذين يديرون أمور المجتمع هنا، هم المقتدرون، ممن يعرَفون هكذا: بكوات، باشاوات، آغاوات…إلخ، ومن خلال نفوذهم في مجمل ميادين الحياة، وهل من بديل لها، إذا نظرنا إلى الوراء، وحتى الآن، وهي في ظهورات تزعم أنها جماهيرية شعبية، وعند مطالعة بطاقات مكّونيها ” القادة؟؟
في السياق هذا ماذا يقول شاعرنا جكرخوين؟
( كما ذكرنا سابقاً فلقد التجأ الكثير من الزعماء والآغوات والشيوخ الأكراد إلى الجزيرة ” سوريا” إبان فشل ثورة 1925، حيث كان أكراد تركيا يعانون الأمرّين خاصة الأكراد العزّل الذين لا حول لهم ولا قوة.
لكن بعض الواعين أمثل آل بدرخان باشا وبمساعدة الأرمن الطاشناق أسسوا جمعية” خويبون” وقد أصبح الكثير من أولئك الآغوات الظالمين أعضاء في هذه الجمعية.. ليشير تالياً إلى أن الطاشناق كانوا يستغلونهم، لتحقيق مصالحهم، والدفع بهم إلى الموت..
لتكون النتيجة المرة في النهاية: وفيما بعد فإن آل جميل باشا والآخرين أمثال أحمد نافذ بك، زلفي بك، عارف عباس، أوصمان صبري، قدري جان، رشيد كرد… خلخلوا ” خويبون ” ودب الخلاف بين آل بدرخان باشا وآل جميل باشا، ومرة أخرى انقسم الأكراد في سوريا على أنفسهم.) ” 36 ”
إنه تضييق الخناق التاريخي من وراء ذاكرة موجهة وباسمها في اتجاه واحد، وما في هذا التقييم هذا من تصفية رمزية لكل من جرى ذكرهم، دون أي اعتبار لجهودهم المتنوعة في السياسة والثقافة والنضال بطريقتهم.
أي حيث يظهِر استصغارهم ويبرزه ، وعدم رؤية الظروف المحيطة كما ينبغي النظر بطابعه الحفري” الأركيولوجي وبحذر شديد يستوفي المغيَّب حقه،، ومراعاة سلطة القوى العابرة لحدود أي قوى محلية أو إقليمية، بمبسمها الاستعماري وما بعده، كما في علاقة أولئك بطاشناق، كما لو أن عناصر هذا الحزب كانوا يتلاعبون بعقول أولئك. بالطريقة هذه، هل من استثناء تاريخي يستحق الذكر خلاف ذلك؟
وماذا يقول أكرم جميل باشا بهذا الشأن؟
( لم يقم كاميران بك بواجباته بأن يدير الأمور التي فوضت إليه على ما ينبغي وتسبب في تجاوزات كثيرة..” بخصوص خويبون” ، ص 48- وجراء تقصيره طرد من خويبون وبعدها انفصل أخوه جلادت بك أيضاً من الجمعية..وكان عثمان صبري وهو أصغرنا سناً قد منحناه ثقتنا فكان يحبه أطراف خويبون كافة ويهتمون بأن لا يعيش محتاجاً إلى أي شيء لكنه أيضاً كان قد استغل ثقتنا به طوال خمس عشرة سنة. ص 49 – حرّم من النعمة، بعد عام 1967: أنا وأولادي نعيش في الشام منفيين ومتذللين.. ص 57 ) ” 37 ” .
هل يُشمت بهذا الاسم أم ينظَر فيما آل إليه أمره، وهو في وضعه المزري كآخرين أمثاله؟
وماذا نجد في كتاب زنار سلوبي، حول هذه المسألة؟
( لقد حاولت ” خويبون ” توحيد القوات الكردية المبعثرة، حول برنامج موحد. … في آب 1932 بعد انعقاد لجنة خويبون: طرد كامران بك من ” خويبون ” نتيجة خلافاته الحادة مع المنظمة. وعلى أثر ذلك، ترك شقيقه جلادت بك أيضاً التنظيم. لقد كان جلادت بك شخصاً محترماً، واستحق الاحترام والتقدير لجهوده الكبيرة وخدماته الجليلة في دراسة وتعميم اللغة الكردية، وله فضل كبير على كل كردي، إلا أنه كان أيضاً كشقيقه، يرغب في الزعامة، ويتعاطف مع فكرة إنشاء إمارة بوتان، لا بل كان يحبذ تأسيس مملكة كردستانية. ) ” 38 ”
لا بد أن القارىء يرى وجهاً آخر ليس كالوجه المنمط آنفاً وما قبله .
لنوسع دائرة الاقتباسات قليلاً، ونحن نمضي إلى لازاريف بتوجهه العقائدي السوفيتي ذات رغم ثراء جهوده:
( إن تاريخ خويبون بصفتها منظماً وقائداً للحركة التحررية الكوردية قد أظهر أنه تاريخ قصير وقليل الفائدة.) ” 39 ”
إنما على الأقل يبقي على بعض الإيجابية في التصريف القيمي لهذه الجمعية، المنظمة !
وفي شهادة غورغاس بُعد آخر، يُغْني الموضوع، بقدر ما يعقده، باعتباره مركَّباً متعدد القوى:
( كانت المنظمة التي نشأت عام 1927″ أي خويبون” تشبه بصورة قوية الأندية الكردية التي نشأت في ستانبول، وكان المثقفون الكرد الملتفون حول رابطة خويبون من أبناء عائلات الوجهاء الكرد… وكما أن مغادرة الأخوة بدرخان اللجنة لم تعن انفتاحها، بل انتقال القيادة إلى عائلة جميل باشا… لقد حافظت على الطابع النخبوي نفسه للأندية التي كانت تنشط في العاصمة العثمانية حتى العام 1921. لكن دخول بعض ” الغرباء” مثل عثمان صبري إلى نادي الوجهاء هذا قد مهَّد لكتابة فصول جديدة من التعبئة في الحركة الكردية: الشعبوية والشيوعية..)” 40 ”
هنا شارة تاريخية من صلب علاقة معتمدة بطبيعتها الجانبية مع الموضوع، أي مع أوصمان صبري!
وأخيراً وليس آخراً، ما أفصح عنه السياسي الكردي الراحل جلال طالباني، في قراءة تاريخية لخويبون:
( اعتبار قصور خويبون كونها كانت مع الأسف على نمط الأحزاب القديمة.. في الافتقار إلى قواعد شعبية راسخة وقيادة ثورية متمرسة في الكفاح ونهج إصلاح اجتماعي واقتصادي وكان الطابع العشائري والارستقراطي يلازمه.) ” 41 ”
ثمة الكثير الممكن استخلاصه في خويبون، كمرحلة تاريخية فاصلة بين عهدين، بالنسبة للكرد عموماً، ولكرد ” سوريا: روجآفا كردستانها ، كما باتت تُعرَف ” خصوصاً، ما يخص ماضياً مثقلاً بمآسيه، ومرارة القهر التي تلبست مجمل الذاكرة الجماعية للكرد، وضمناً من هم أولو أمرهم، وما يخص توقاً إلى المختلف، كما لو أن رمي ما كان في مجموعه بالرجم، تطهير لهذه الذاكرة، وتأمين انتقال إلى واجهة التاريخ، والذي استبطنته خويبون بقواها المعنوية، ورموزها، وما كان يدور فيما بينهم، بين كل منهم والآخر من صنفه الطبقي وخلافه، وبين الآخرين المختلفين دينياً واثنياً، في ضوء ما أوردناه من أمثلة متنوعة، أكبر مما يتردد هنا وهناك.
إنما يظل محرّك البحث في التاريخ وما يخيف فيه منه، كردياً، هو هذه اللحمة التي تستعديهم ضد بعضهم بعضهم على وجه العموم، كما لو أن كلاً من هؤلاء المعنيين بالسياسة ونظام حكمها، وتدابير التاريخ في المجتمع، وكيفية ممارسة العلاقات الأكثر كفاءة في البنيان الثقافي المنشود، يبرّىء نفسه من خطأ حاصل في هذا الجانب أو ذاك تنظيمياً، أو إدارياً، أو ثقافياً، ومغزى الانشقاق المعروف بتاريخه الطويل كردياً”42″
أكان الشيخ محمد عيسى على دراية بكل هذه المداخل والمخارج وتبعات كل منها، ومن كان ” بيدقه ” الصائب في اللعبة ، أعني أوصمان صبري، وماذا قيل فيه آنفاً، وما سيؤتى به على ذكره تالياً؟
إن القنفذ الذي يتحرك براحته، وهو يشمشم ضمن مساحة معلومة، ويتردد صدى شمشته في رقعة تثير كائنات أخرى، تعرفه بغريزتها، وتتربص به أحياناً، منقضة عليه وهو في نشوى الاستحمام في الهواء الطلق!
ربما لأنه تنفس الصعداء قليلاً من خلال الاسترسال بسردية الذاكرة، ولكن طارد التاريخ فاعل أكثر هنا!
مصادر وإشارات
34-لايظنن أحد، ممن لم يعتد ظهور تشبيهات من هذا القبيل، فثمة من أمعن ملياً في سلوك القنفذ، وكيفية استعارته في السلوك الشخصي وفي الكتابة، بأعلى تجلياتها عمقَ دلالة، ورحابة أبعاد. على الأقل، وأنا أسمّي التالي:
Quel est le dilemme du hérisson, parabole du philosophe
ما معضلة القنفذ، المثل الذي كتبه الفيلسوف شوبنهاور عن تعقيد العلاقات الإنسانية؟
Pascal Engel: Michel Foucault, renard ou hérisson
باسكال أنجل – ميشيل فوكو ، ثعلب أم قنفذ؟
Myriam van der Brempt:Le hérisson, ou la nécessité philosophique de la catachrèse :Derrida a répondu à la question Che cos’è la poesia ?
ميريام فان دير برنت: القنفذ ، أو الضرورة الفلسفية للتعبير عن الذات ” جواب دريدا على سؤال ما هو الشّعر ؟ ” *
Philippe Beck: Le hérisson
فيليب بيك: القنفذ
….إلخ
في هذه المقالات المكثفة يجري تسليط الضوء على العالم الداخلي لفلاسفة وشعراء، من خلال سلوكية القنفذ، وما حاولته في مادتي هذه، هو التصعيد بالاسم، ومنحه حضوراً في ذات المنخرط في لعبة السياسة كردياً، ومن نوع مميّز: حين يكون شيخاً، وكيفية تفعيل مأثوره المشيخي خارج تكيته مجتمعياً!
35- تزفيتان تودوروف: الأمل والذاكرة ” خلاصة القرن العشرين “، نقله إلى العربية : نرمين العمري، منشورات العبيكان، الرياض،الرياض، ط1، 2006 ، ص 282
36- جكرخوين: سيرة حياتي، ص 207-208 .
37- أكرم جميل باشا: مذكراتي، الترجمة من التركية إلى العربية: د. قدري الدياربكري، المراجعة اللغوية والتقديم: فدان آدم، مؤسسة بير، ديار بكر، ط3، 2007 . وقد وردت أرقام صفحات الكتاب في المتن للإيجاز؟ولقد عاش الكاتب ما بين عامي1891-1974
38- زنار سلوبي ” قدري جميل باشا: ابن عم أكرم جميل باشا” : في سبيل كردستان ” مذكرات “، ترجمة: ر. علي، دار الكاتب، رابطة كاوا للثقافة الكردية، بيروت، ط1، 1987 ، ص 134-1999.
39- م. س، لازاريف: النضال والاخفاق : المسألة الكوردية في سنوات 1923- 1945 ، ترجمة: صادق الجلاد بنكي زين- 2000، السليمانية2، 2006، ص 195 .
40- جوردي غورغاس: الحركة الكردية التركية في المنفى، ترجمة: جورج البطل، دار الفارابي، بيروت، ط1، 2013 ، ص 149.
يُنظَر أيضاً في كتابه: كرد سوريا، المصدر المذكور سابقاً، وباسم: جوردي تيجيل، صص 49-62، جهة الخبرة السياسية والثقافية التنويرية المكتسبة من جمعية كهذه، بين الحربين العالميتين، ومن خلال العلاقة مع الأرمن” الطاشناق “، كما في هذه العبارة، مثلاً( استلهمت الدائرة الصغيرة من المثقفين المحيطة بالأخوة البدرخانيين النموذج الأرمني لإطلاق نهضة ثقافية كردية. إذا كانت التجربة العراقية ، وأرمينية السوفياتية أمثلة مناسبة بالنسبة إلى الكرد السوريين، كذلك فإن وضعهم يظهر تشابهاً كبيراً وحالة الأرمن المنفيين في بلاد الشام، لجهة قلة عددهم وطبيعة منفاهم..ص59 ). وبتعليق موجز مني في ضوء المأتي على ذكره، وبالنسبة إلى محكومية التاريخ أحياناً: لعله السقف التاريخي الذي استطاعوا رفع رؤوسهم من خلال درجة أو نوعية ارتفاعه في وضعهم ذاك..
41- جلال طالباني: كردستان: والحركة القومية الكردية، منشورات النور، بغداد، ط1، 1970 ، ص 57 .
42-حيث أشير إلى كتاب المير شرف خان البدليسي: شرفنامة، ترجمة: محمد جميل الملا أحمد الروزبياني، دار المدى، دمشق،ط3، 2007،والحديث عن انقسامات أمراء كردستان .ص 648، كما لو أن الكرد معروفون به علامةً فارقة فيهم.
” يتبع ”

التعليقات (0)