إبراهيم محمود
الاستعداد للخروج إلى الساحة
” وحدهم أولئك الذين يملكون ذاكرةً طويلةً قادرون على التفكير في المستقب.”
فريدريك نيتشه
لم يكن في الإمكان معرفة الشيخ محمد عيسى، فيما يخص أي نشاط له، طالما أنه في محيط بيته من الداخل. حيث إنه يعيش عالماً خاصاً به، وحده من يمكنه الحديث عنه، على طريقته. لكنه، وهو في محيطه خارجاً، بات في المقدور التعرَّف عليه في سلوكه الحركي والكلامي. وحين وسَّع نشاطه بطابعه التنظيمي، بات أكثر حضوراً بما يمكن معرفته حتى في الداخل كثيراً. هنا يتدخل التاريخ، وهو يدعونا إلى صوت ذاكرته.
ربما في الداخل، كانت الذاكرة تمارس حضورها في فرديتها، بينما في الخارج فيكون التاريخ في جمعيته!
في كتاب الشيخ ، أعني كتاب رحلته في ثنايا ذاكرته، ثمة ما يقرّب المشهد: الرحلة تعتمد خريطة طريق، بالتأكيد،أي نقاط ارتكاز، حين يتحدث عن علاقاته مع الآخرين ممن يصبحون رفاقه الحزبين الكرد، الحديث باسمه عن أي منهم، لا يعني أنه تاريخ مسنود إلى روايته فقط، أي حيث يرى بتقدير منه، أن ما يسرده من الذاكرة يستحيل تاريخاً في الحال، أو هكذا يُعتقَد. ثمة المواد الخام، إن جاز التعبير، والتي تضم معلومات بأسماء وأفعال، أسماء أشخاص وأمكنة وتفاعلات فيما بينها، ومرويات تتطلب تدقيقاً، أو فلترة، كما هي وظيفة المصفاة ” التاريخية ” في هذا المضمار. العلاقات، كقوى غير متناغمة، كما هي مرسومة في سرديته، تمثّل من وجهة نظري، وأنا أستعين بما هو فيزيائي: مداً لأسلاك كهربائية وبجوارها أو بامتدادها: أسلاك الهاتف، ثمة الصوت وثمة الطاقة، الاثنان فيزيائيان، لكن ماذا يحصل في حال حصول تماس، ربما تحصل كارثة، أو عطب أو تشويش في التواصل والفعل. المقصد هو أن ليس الذي يرويه الشيخ يصادَق عليه، لا طعناً في مادته، وإنما إقرار بحقيقة المادة ووجوب إخضاعها لمنطق ليس من ” طينتها ” ، لأن ذاكرته ليست القيّمة على التاريخ، حتى وإن أبرزت شهود عيان لها وثائقياً، في الذاكرة نفسها ثمة الآخر، داخل الصائر حزبه وسواه، من يحتفظ بحقه في إعلامنا بسردية تعنيه، ولها مسار اعتباري آخر، والساحة تنكشف وساعة، أو حابة أبعاد، وطبيعة أرضية، من خلال نوعية العلاقات وتفاعلاتها ومآلاتها. ثمة تقابل لسرديات مسطورة، وفي الحالة هذه، يحل التاريخ الذي يصل ما بين هذه السرديات، وتخرج الحقيقة المسماة عن كونها حيازة طرفية، إنما تنويعاً، وبذلك يتردد صوت التاريخ في المواجهة البينية،ة معتمر العمامة، وما لها من إمامة.
بالطريقة هذه، نكون إزاء فيزياء اجتماعية- سياسية، وقدرة كل ممن سيؤتى على ذكره في إيصال صوته، بما يعنيه ويقدره ونظرته إلى الآخر.
أعني بذلك القوة الذاتية لكل معني بأي علاقة مما ذكرت، وفيها كذلك، وتأثيرها على الوسط، ورد الفعل الجانبي، وتبعات كل ذلك على الوسط، وعلى كل مقيم فيه، وخصوصاً : الفاعل السياسي بالذات.
في محك التاريخ
ليس محك التاريخ ميزان عدالة، إنها خاصية عدالة في التوازن بين القوى ومردودها المجتمعي، على الأقل، ونحن نتحدث عن الإنصاف في عمل التاريخ، وهو ما يتأكد بقرائن وتقابلات ومقايسات…إلخ.
لهذا، فإن ما يُكتَب تاريخاً، ويُدخل في خانة تاريخ، كما تقدَّم، ليس هو عموم التاريخ، بحكم التاريخ نفسه، إنه ما ينتظره دائماً، وما يغيّر فيه دائماً، وما يكتمل به دائماً إلى ما لا نهاية.
في قراءة التاريخ الكردي، كيف تمارس الذاكرة الكردية عملها، وفي السياق المذكور، بين كونها حقاً لها، وواجباً عليها؟ كيف يمكن تجنب قولة أحدهم، بالنسبة لعلاقة الإنسان بنفسه وبمن حوله وعالمه: الأذن خوانة والفم شريك لها؟ لعل في ذلك نكون في محل التاريخ، عليه، ومنه يكون للكلام وما عليه من كلام يعنيه.
ثمة الكثير، الممكن قوله في هذه العلاقات البينية، لأن الذي سطَّره الشيخ محمد، يحفّز على مثل هذا التجاوب والتدقيق، لئلا نخرج عن ” خريطة الطريق “!
أقول الكثير، رغم قلته، وما لهذه الكثرة المحدودة من دلالة، لحظة التذكير، بأن في رأس كل معمّر، لوح محفوظ، يتستر على الكثير من مخزونه المعلوماتي، ويهمس به هنا وهناك، وهو يشدد على صدقيته، حتى بالنسبة للذين كانوا مساهمين في أنشطة الحزب” البارتي ” ولم يسمحوا لما كان يجري تنظيمياً، أن يبصر النور على الورق، إنما حملوا أسرار المرحلة تلك معهم في رحيلهم الأبدي، لعل الافتقاد إلى إرادة قول الحقيقة، ولمحسوبيات دارجة ومعتمدة ومخاوفها، فاعل في بنية هذه العلاقة، وإلا لماذا هذا التكتم من جهة، ولماذا لا نجد إضاءة محفزة على القراءة لهذه المرحلة الزمنية المحيطة بتأسيس ” البارتي” في ثنايا صفحات من كتبوا باسم السيرة الذاتية، أو بطابع سيري، ومعرفة مدى الحاجة إلى تاريخ كهذا للأجيال التالية عليهم؟
لأقل بصراحة: إنه الخوف من التاريخ، وليس من السلطة وحدها، كما يُسوَّق منطق عاطفي لتغطية ذلك، وما لهذا التكتم، أو التحفظ، وفي ذمة تاريخ يُتشَّوق إليه كردياً، من علاقة بهشاشة الوعي بالمسئولية التاريخية!
منطلقاً من موقعه الديني والاجتماعي، يشير الشيخ إلى نوعية علاقاته هذه ( أتاح لي موقعي الديني والاجتماعي أن يكون لي حضور واسع بين الناس سواء في أوساط طلاب العلم والمريدين، أو فئات المجتمع الآخرين، فقد كنت على تواصل وثيق مع مختلف الشرائح، الأمر الذي مكنني من معايشة الناس عن قرب، واستيعاب نبض حياتهم وتطلعاتهم..ص115.) .
لا شك أن ذلك وثيق الصلة برجل الدين، إن جاز التوصيف، وهو يوسّع دائرة علاقاته ومعارفه، ومن خلالها يمكنه التعرف على الناس عن قرب. لكن الممكن قوله، أو هكذا أفترض، لأني من هذا المجتمع الذي أعيش ماضيه موصولاً بحاضره، ويمتد إلى آتيه، أما كان في مقدور الشيخ محمد، أن يسمّي بعضاً من هذه العلاقات، وحتى أشخاصاً متنوعي المشارب أو المواقع الاجتماعية، لسبب بسيط، وهو أن الذاكرة في عملها هذا لا تكتفي بمجرد مباشرة السرد، وإنما رفْده بما هو حسي، عبارة عن رافعة توثيقية، محلية، وربما بيئية أحياناً؟ خصوصاً حين يلمّح إلى مثل هذه المعرفة العميقة الدقيقة، في الوصف، وما في ذلك من تقليص المسافة كثيراً، لجعل القارىء ليس في صورة الحدث، وإنما متحفزاً للاستزادة، وفي الوقت نفسه، ليحصّل معلومات تعنيه وهو ينتمي إلى مجتمعه نفسه، أو ربما يعززه ما يقرأه ليتحرى حقيقته، ومن باب التأريخ، على طريقته.
وفي الوقت نفسه، وبالتوازي مع المدوَّن حتى الآن، فإن قراءة المسطور، تشير إلى أنه كان المبادر في نسج جملة العلاقات ذات الشأن، وليس العكس كما يُظن.
لنكون إزاء لائحة اسمية لها دلالتها في التاريخ والذاكرة الكرديين، إنها أسماء مناضلين كبار ،ممن عانوا كثيراً ومنهم من لعب أدواراً قيادية في مسيرة البارتي، مثل:ملا داوود زيني، عبدالفريد ملا ابراهيم، عبدالعزيز ملا علي، محمود حاج صبري، وأولاد ملا درويش، سراج، ياسين، وأحمد وغيرهم، لا تسعفني الذاكرة الآن لتذكرهم..ص 118.) .
طبعاً، وبسهولة، يمكن لقارئه أن يطرح عليه سؤاله المتوقع: هل لأن من لم يُذكَروا أقل أهمية ممن ذُكِروا؟
هذه اللائحة الاسمية، كغيرها من لوائح اسمية لأشخاص وأمكنة، لو أنها طعمت بمواقف، أو طرائف كذلك، لمنح السرد قوة سريان فعل أكثر، وهي لا تُحْسم ، كما لو أنها استوقفت حقها بمجرد التذكير بها.
ولنكون معه في المنعطف التاريخي، وكيفية التصعيد بالذاكرة، والتصرف بمنطق التاريخ من باب التنبه واليقظة، لأن في ذلك ما يتعداه كشخص:
( كنا نطلق اصطلاحاً اسم” البكَوات ” على البرجوازية الكردية، في البدايات الأولى لتأسيس البارتي، لم يحظ مشروعنا بالاهتمام الجاد من قبل البكوات، كانوا ينظرون إلينا باستخفاف.
نورالدين، بحكم انتمائه الاجتماعي، كان أقرب في ميوله إلى تيار البكوات، كان رفاقنا يزورونه مراراً ويدعونه للانضمام إلى صفوفنا، لكنه ظل متردداً مترقباً…
في ذلك العام” 1958″: اشتد ضغط تيار البكوات علينا لإلزامنا بقبول إدماجهم في صفوف البارتي… انضم نورالدين للحزب في عام 1958، قبل انعقاد ما عُرف لاحقاً بـ” اجتماع التوحيد” . بعد انضمامه جرى تعيينه رئيساً للحزب، لما كان يمثله من مكانة وقيمة معنوية.ص 120.) .
هنا، يبدأ ” العزف ” على الوتر الحساس” جهة التباين: بالنسبة للبكَوات الذين استصعب عليهم، كما يظهر، ومن خلال سردية الشيخ، هضم مشروع ” البارتي ( يستخدم عبارة مشروعنا) للدلالة على خاصية التمايز، وعدم تقديره كما يستحق من أولئك، وما كانت عليه النتيجة فيما بعد.
كيف ، ومن أين تسربت هذه العبارة إلى الذاكرة، وحلت مسطورة؟
أحياناً يكون طرح مفردة ما كهذه، لقنص الآخر، تمثيلاً لافتاً إلى إبعاد الشبهة عن الذات الفاعلة !
ليس هذا تمريراً لأي كلمة، أو دفاعاً عن هذا أو ذاك، وإنما لأن ثمة شرعنة للسلوك المقابل وموقفه مما يجري!
في كتاب محمد ملا أحمد القديم كتابة ونشراً مقارنة بكتابنا هذا، ثمة تفصيل لهذه النقطة، وبعد وضع اللبنات الأولى للبارتي ( ثم اتجهت قيادة البارتي نحو البورجوازية الكردية( قيادة خويبون القديمة)، تحاورهم في أمر الوحدة. ص51).إنها توليفة تاريخية لا تخفي مفارقتها، إلا من باب -ربما- السخرية، بين البورجوازية وربطها بالبكوات، أو بالعكس، ولدينا أسماء لهؤلاء، كما يذكر محمد ملا أحمد(قدري بك جميل باشا، أكرم جميل بك باشا،جميل حاجو وعارف بك عباس..ص52).
رجوعاً إلى سردية الشيخ وخطابه الجمعي، هل كان تعبير” البكوات ” متداولاً هكذا بين الجميع، ومتى بدأ تداوله، ومن قبل من تحديداً؟ لا شيء معلَن هنا!
ويظهر أن بروز هذا التباين، كان من المنطقي، وكونه بقي قائماً، إشعاراً بحقيقة يدركها المعنيون بعلاقات كهذه، وهي صعوبة الاتفاق، حيث الانشقاق قائم، أو كامن، ينتظر لحظة قادمة للظهور، وتسمية ” رموزه “: حيث تعلمنا سردية الشيخ بالتالي:
( على أثر اجتماع ” حلب ” سنة 1958، حيث ظهر بكوات في الحزب، ومنهم: جميل حاجو، عارف عباس، وقدري جميل باشا
كان أوصمان من أشد المعارضين لانضمام البكوات إلى صفوفنا، وأنا بدوري أشاركه بعض التحفظ، وإن لم أكن بنفس حدة موقفه. حين غادر أوصمان الاجتماع، أمسك بيدي عند الباب، وعيناه تلمعان، وقال بلهجة يائسة:
شيخ، أتوسل إليك.. البارتي انتهى”
” شيخ، أز دخيلى ته مه، بارتي جو ” ..
ليعلق:
كان يساوره شعور عميق بالقلق، إذ كان يرى في انخراط البكَوات ضمن صفوف البارتي تهديداً وجودياً للحزب ومشروعه الوطني..ص121.).
لماذا هذا التناغم بين كل من الشيخ والشاعر الصراطي أوصمان صبري، رغم وجود اختلاف بينهما، في المكانة وتصور العالم من حوله؟
أليس لأن الشيخ كان يرى في شاعره الصوت ” المقدام ” وحتى المغامر الذي من خلاله يوسّع طريقه، ليمضي به إلى الأمام، وفي الوقت نفسه، يكون للشاعر ما للشيخ، جهة تقدير الموقف والحساب المستقبلي، بدوره يرى في الشيخ دعماً لوجستياً ولو بدمغة دينية لها ميكانيزمها الوجداني، وغطاء له وهو يتكلم بعلو صوت وجرأة تصدم هذا أو ذاك من المختلفين عنه، وقوله للشيخ في عملية ” التدخل ” إشارة دالة على ما تقدم ؟!
حين نقرأ في كتاب محمد ملا أحمد عما يخص تأسيس البارتي( من أجل معرفة كيفية تأسيس ( البارتي) في سوريا نعود إلى ذاكرة المؤسسين ونعود بهم إلى أكثر من ثلاثين عاماً إلى الوراء، ونحاول معهم استعادة الماضي، ونحن في عام / 1988/ ونستذكر أحداثه..ص41.
وبرأيي، المؤسسون حسب القدم ( إن صح التعبير) هم: عثمان صبري، حميد سليمان حاج درويش، حمزو نويران، الشيخ محمد عيسى ملا محمود، رشيد حمو، محمد علي خوجه، خليل محمد وشوكت حنان..ص42.
بينما يقول الشيخ محمد عيسى، أنه كان على اتصال مع عثمان” أوصمان ” صبري( قطب الحركة، وصاحب الفكرة الأولى والخطوة الأولى باتجاه البارتي)..ص46).وما يعنيه مثل هذا التأكيد على تعزيز مكانة الشاعر، لتقوى مكانته بالترادف على الأقل.
بطريقة أخرى، بقدّر ما كان الشيخ يستحث الخطى، ليحقق الغاية المرجوة، ليكون له صوته المختلف، وهو من حقه، انطلاقاً من طبيعة نشاطه،كان الشاعر يستعجل الشيخ تخوفاً من سد الطريق المخطط له، الذي اعتبر نفسه هو من وضع خريطته أساساً!
نقرأ في مقدمة مذكرات أوصمان صبري ما ينير هذه العلاقة ( في عام 1956 فكر عثمان صبري في تشكيل حزب ديمقراطي كردي في سورية، وطرح فكرته هذه أول ما طرح على الشيخ محمد عيسى لأنه كان على اتصال دائم معه ومن المقربين اليه، وكانا يتباحثان في القضايا القومية والفكرية والنضالية منذ الأربعينات أيام جمعية خويبون، فأيد الفكرة وحبذها.” من عندي: لماذا هو بالذات؟ وهو يكبره بعشرين سنة؟”
بدأ عثمان بكتابة البرنامج لهذا الحزب المنْوي تشكيله، وساعده فيها كل من السيد جلال الطالباني اللاجىء السياسي والدكتور نورالدين زازا بابداء آرائهما اثناء مناقشة بنود البرنامج وصياغتها الأخيرة.).
تلك رواية أخرى، تتطابق مع المذكور أعلاه، وتخص الريادة في فكرة الحزب والخطوات المطلوبة له. إننا بذلك، إزاء نوع من تصفية الحسابات التاريخية!
بينما يفيدنا عبدالحميد درويش في كتابه بقوله ( لم يمض وقت طويل على ممارسة الحزب لنشاطه حتى انضم الشيخ محمد عيسى ملا محمود إلى الحزب، واعتبر عضواً في اللجنة المركزية في أواخر عام 1957. ص 21 . ثم ما لبث أن قرَّر الدكتور نورالدين ظاظا الانضمام إلى الحزب في بداية 1958 عندها قررت اللجنة المركزية تعيينه رئيساً للحزب. ص 22 .) .
ويكتب نورالدين زازا في مذكراته بطريقة تشد طرف اللحاف” التاريخي ” إليه بقوله( بما أنه لم يكن في سوريا أي حزب سياسي عازم على أخذ وجود الكورد المضطهدين يومياً بنظر الاعتبار فكرت بأنه أصبح من الضروري تشكيل تنظيم يسمح لهم الاحتفاظ بهويتهم والقيام بتطويره لتمهيد السبيل أمام تحررههم القومي ضمن إطار الدولة السورية…وفي نهاية عام 1957 تحقق ” الحلم” وأصبح الحزب الديمقراطي الكوردي في سوريا الذي تحددت أهدافه بالدفاع عن هويته القومية لكورد سوريا والمطالبة لهم بالحقوق الثقافية والإدارية ( ضمن إطار نظام ديموقراطي لمجموع البلد ) واقعاً…وفيما بعد.. ليتم انتخابي كرئيس للحزب الديموقراطي الكوردي..ص176.) .
كنموذج بحثي أخير هنا، يمكن الإشارة تالياً، إلى جوردي تيجيل، المؤرخ المعروف والباحث أكاديمي المختص بالتاريخ المعاصر وتكوين الهويات في الشرق الأوسط، وبشأن الكرد بشكل لافت، مقارنة بآخرين، وذلك في كتاب ” كرد سوريا ” الذي توقفنا عنده سابقاً، وانطلاقاً من اتصالات مباشرة له مع المعنيين بأمور ” البارتي ” هنا وتلك النقلات المكانية- الزمانية التي عاشها أو أُخضِع لها بصيغ مختلفة.
في فقرة فرعية طيَّ عنوان” سوريا في المرحلة الانتقالية 1946-1963″ ثمة ما يُقرَأ ويُستقرَأ:
( فتح رحيل القوات الفرنسية من سوريا في عام 1946 الطريق أمام فترة من الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والتي استمرت من دون رادع لقرابة العقدين من الزمن.ص93 ) .
أرى، أن مقولة كهذه، توجّه نظر القارىء إلى أنها كتِبت في ضوء مستجدات الأحداث ومتغيراتها بعد خروج الفرنسيين من سوريا، أي إنها روعيت بمضمونها، استناداً إلى تفحص التاريخ اللاحق على الخروج هذا.
تلك نقطة، لا تحتاج إلى الكثير من النباهة، ودقة الملاحظة، لأنها مشدودة إلى الآتي في ضوء ما كان.
يُلاحَظ مثلاً، في فقرة تالية، وبعنوان استنفاري كخطاطة موجهة لسعاة المصير، ولم يجر تثبيته اعتباطاً، وبالنسبة للكرد سوريا، وهي ” الطغاة الكرد ” حيث نقرأ ( الأصول الكردية لاثنين من الطغاة الثلاثة الذين توالوا منذ عام عام 1949 يتم اعتباره في كثير من الأحيان علامة على الاندماج ” المثالي ” للكرد في سوريا بعد الاستقلال. ويمكن تفسير هذه الظاهرة المدهشة ببعض العوامل المترابطة..ص108 ).
بات معروفاً لدى قارىء تاريخه كردياً، أن هناك: حسني الزعيم” 1894-1949″ وأديب الشيشكلي ” 1909-1964 “…
ما يهم ليس ما يأتي على ذكره، هذا الباحث المؤرخ أو بالعكس، إنما ما ابتدأ به عنواناً لفقرته، وربْط ذلك بوضع الكرد وكيف كانوا يمارسون حياتهم في مجالاتها المختلفة، في ” العاصمة ” كمركز استقطاب قوى، وصلة تلك بمؤثرات السياسة وتبعاتها على الحراك السياسي الكردي في سوريا حزبياً.
وحين يتناول الظروف المحيطة بتأسيس الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا، عنواناً عريضاً وفي محله، ينطلق مما هو جدير بالتسمية:
( كما هو حال جميع الجماعات السياسية السورية، تأثرت الأوساط الكردية بالأحداث الإقليمية. راقب كرد سوريا باهتمام كبير تطور المسألة الكردية في العراق. وفي هذا السياق ، لعب جلال الطالباني ، عضو المكتب السياسي في الحزب الديموقراطي الكردستاني ” العراق” الذي لجأ إلى سوريا، دوراً مهماً في وضع البرنامج السياسي للحزب الديموقراطي الكردي في سوريا.. بناء على ذلك، عمل الحزب الديموقراطي الكردي في سوريا كمنصة دعائية للحزب الديموقراطي الكردستاني، وفي وقت لاحق عمل ” الطالباني” كصلة وصل بين الحزب الديموقراطي الكردي في سوريا والحزب” العراقي “.ص 117).
لا بد من وقفة هنا، ومن باب الضرورة، للتوضيح المطلوب، بشأن عملية” التأسيس ” ودور” الخارج ” المحيط المجاور فيه. إذ إن أول ما يُستدعى هنا للنظر فيه، وفي ضوئه يصاغ قول كهذا، هو موقع الكرد في سوريا، ونوعية صلاتهم بالخارج الكردي في محيطهم الجغرافي، جهة التأثر كثيراً، والتأثير قليلاً، حيث نجد أنه في النصف الأول من القرن العشرين، وبعد هزيمة ثورة الشيخ سعيد خصوصاً، كانت البوصلة، بوصلة التوجه إلى المستقبل، ومفهوم المصير للكرد، تتجه” شمالاً ” في تركيا، و” جمعية خويبون ” مثال حي هنا، في المجمل، بينما ، وبدءاً من خمسينيات القرن العشرين المنصرم، بدأت البوصلة الكردية السياسية، وفي رموزها، تتجه ” شرقاً” في العراق، تعزيزاً لحقيقة أن مدد القوة المعنوية، والإلهام المنشط ، من ” الخارج “، وعلى أكثر من صعيد، يمكن ملاحظة ديمومة هذا التأثير، ومدى ثبات البوصلة النوعي إلى الآن.
ولا شك أن الذي أفصح عنه تيجيل” غورغاس ” فيما بعد، له مبرّره بقوله( الظروف الحقيقية لتأسيس التنظيم الحزبي بقيت غامضة نوعاً ما، فوفقاً لأوصمان صبري ، تم إنشاء الحزب في عام 1956 من قبله، وعبدالحميد درويش، الذي كان يدرس القانون آنذاك، ورشيد حمو” وهو مدرس ” والشيخ محمد عيسى محمود باسم الحزب الديموقراطي الكردي في سوريا. وبعدها بعام واحد اختار الأعضاء المؤسسون نورالدين زازا” ظاظا” ، الذي عاد من أوربا في 1956، رئيساً، وبإصرار من جلال الطالباني، تم تغيير اسم الحزب في بداية 1960 إلى الحزب الديموقراطي الكردستاني في سوريا..ص118). إنها جملة أصوات في أسماء ذُكِرت سابقاً!
وفي الهامش ” 1 ” من الصفحة آنفة الذكر هذه،يأتي على لسان السيدة سينم خان بدرخان، ابنة جلادت بدرخان بك، في مقابلة معها، ما يفيد بما هو جديد، وللتأكيد على مكانة ” السلف المقتدى كردياً : بدرخانياً”:
( أعلن عن تأسيس الحزب الدموقراطي الكردي السوري في دمشق ، في منزل روشن بدرخان، أرملة جلادت بدرخان…وتاريخ المقابلة، أربيل، أيلول، 2006، دون ذكْر اليوم ).
هناك اعتبار رمزي تاريخي، أي كيفية الوصل بين ما هو رمزي قائم” منزل روشن بدرخان ” وما هو رمزي آخر وسياسي يمثل طرفاً كردياً مؤثراً وفاعلاً على الساحة من قبل ” جلال طالباني “.
وقارىء التاريخ الكردي في الحالة هذه، محق في طرح سؤاله: من يوجّه الكرد” في سوريا” سياسياً داخلاً وخارجاً، لنكون إزاء ذاكرة تعاني اغتراباً في الداخل كثيراً، وفوبيا تاريخ لم يُقرأ ليُتكيَّف معه من الخارج ؟
إشارة لافتة
كما نوَّهت، ثمة السعي إلى تأكيد الأسبقية، ولعل الناظر الثقافي إلى ذلك، يرى في سرديات كهذه، وبالنسبة للأمثلة المذكورة تخص كلاً من: الشيخ محمد، أوصمان صبري، وما كتِب باسمه وعنه، محمد ملا أحمد، عبدالحميد درويش، نورالدين زازا…، ليس ما ينبني تفاؤلاً على المختلف ونجاعته، بقدر ما يجري تضيق الخناق التاريخي على ” العملية ” برمتها، لأنها تدخلنا في لعبة” دائرة الطباشير القوقازية ” والخسارة تعم الجميع.
وبما أننا داخل تجاذب السرديات، ولو عن بُعد ولكن سريان فعلها ماض إلينا، وهي مرويات الذاكرة في انقساماتها، كما يُلاحَظ، وتستشرف، بنا، خلفاً على ماض لا يبهج كل كردي هنا يتوق إلى مستقبل، ينظر فيه إلى صورته في مرآة غده وملؤه عزيمة، وما في الذاكرة الجماعية الكردية هذه، من نزيف داخلي، لا يُشَك فيه، من خلال آثاره: أعني الانقسامات التي لم تتوقف، بحثت بدقة في ” سيرة حياة ” جكرخوين، الساخر، والجريء في تناول موضوعات مختلفة من واقعه الكردي، سوى أنني لم أعثر على أي سردية، ولو عابرة، حول ما تقدم، وما يبعث ذلك على القلق، وسؤال الكتاب في أصله، وما إذا كان هناك ما تم طيه، أو اقتطاعه من الكتاب، في ضوء مؤشرات موزعة في صفحات الكتاب، وكنت أمام التالي( في ظل هذه المشاكل والانقسامات والعشائرية وفي سنوات 1956/ 1957/ 1958/ 1959/ كنت قد بقيت وحيداً دون رفيق فقط وحدي أواجه الأعداء وأتخبط بين اليسار واليمين…ص 363 ) . ذلك يتطلب حفراً في كل من الذاكرة المخْرَجة كتاباً، والتاريخ المعوَّل عليه تالياً، وذلك في مفصل بحثي تال.
المشاكل والانقسامات إذاً، وكما وردت في النسخة الكردية( sergêjî û hevrikiyan. ص 330)، وهي تصل حاضر ما كان حينذاك، بماضي ما كان قبل ذاك، ولعلها تصل بلاحق ما كان إلى نحن ما عليه الآن كثيراً، وربما، ربما، إلى أبعد من الآن…
الحديث يتركز هنا، ومن جهتي، ليس لأنني ” أعفُّ ممن ذكرت ” وأمتلك الحقيقة، وإنما كوني أحاول البحث في شبكة السرديات هذه، والسؤال الذي أتقدم به هو:
تُرى لو أن الحزب كان قائماً إلى يومنا هذا، وهو متماسك، وموحد، ولم يتعرض لأي انشقاق، وما يعنيه ذلك من روح التفاني والاقتدار والأثرَّة، أكان لأي سردية مما تقدم، مثل هذا الحضور؟ أليس لأنها تعلمنا هنا، بما يجري تجاهله أو عدم الالتفاتة إليه، وهو: لأن شعوراً بالانكسار، بالخذلان، بخيبة الأمل، بفقدان المصداقية المطلوبة، وسوء التقديم القائم، أو الافتقاد إلى روح الاختلاف ” النقد ” البناءة، القائمة على النقد الذاتي وتحقيق الأمثل؟ أليس لأن أي نظر إلى الآتي يشد صاحبه هنا إلى ” الخلف ” حيث الماضي الذي ينذر بخطأه، وتجاوزه دون الاعتراف به، وبالكاد تتلمس من اعترف بخطأ يعنيه قبل سواه، ليلد الخطأ خطأ آخر وهكذا، إلى هذه اللحظة؟ لعلها قصة/ حكاية الديك الذي سرِق، فَنُبِه إليه، ولم يبال به، ليؤدي هذا الإهمال إلى سرقة بقرة البيت وأكثر: البيت الكردي هنا هو في الواجهة!
إنها واقعة الذاكرة المديدة التي تحتفظ بكل ما فيها: ما لها وما عليها، ليحق لها مصادقة التاريخ، والترحاب بها من لدنه.
في الختام السريع
أعيد تثبيت عبارة نيتشه ثانية، لمن يهمه أمر الذاكرة والتاريخ معاً:
وحدهم أولئك الذين يملكون ذاكرةً طويلةً قادرون على التفكير في المستقبل.
” يتبع ”

التعليقات (0)