ما السبيل إلى ثقافة الحوار؟…

المفكّر العراقي سيّار الجميل:
هناك انعدام لأي لغة حوارية مشتركة بين أطياف المثقفين

حوار واستطلاع  د. رسول محمد رسول

       يعاني المشهد الفكري العربي، وكذا الثقافي، من مشكلات عدَّة، منها غياب الحوار الحقيقي أو الحوار الخلاق الذي من شأنه إثراء التجربة الفكرية والثقافية والحضارية· ويرجع أغلب المفكرين والفلاسفة السبب إلى ضآلة فاعلية ثقافة الحوار في أوساطنا المجتمعية ولدى الفئات المثقَّفة فيه التي تبدو مسؤوليتها أكثر شأناً في خلق السُبل القمينة بتكريس أجواء وأدوات وأفكار ثقافة الحوار في المجتمع·

لكن مسؤولية من هذا النوع لا تبدو أنها تقع على عاتق تلك الفئات فقط، إنما على أطراف أخرى، منها المجتمع ذاته بكل ما له من مؤسسات، ناهيك عن الدولة والمنظمات العالمية المعنية بالتنمية الثقافية· وللوقوف عند كل ذلك التقينا المفكِّر العراقي سيّار الجميل الذي تناول هذه الإشكالية من زوايا عدَّة بالحوار… . في محاولة حوارية لتسليط الأضواء على إشكالية غياب ثقافة الحوار في مجتمعاتنا الراهنة، وسُبل إعادة ترسيخها من جديد·

* بداية، سألنا سيار الجميل، هل ثقافتنا العربية والإسلامية هي ثقافة حوارية؟

– لا أستطيع القطع بسهولة، فالمجتمع العربي له تنوعاته الثقافية وأصنافه الاجتماعية وأطيافه البيئية، ربما تتوفر ثقافة الحوار لدى النُّخب العليا (الخاصة) وهم ندرة من المثقفين الحقيقيين، ولكن ليس عند الساسة، ولا عند الجماهير (العامة)، وبالتالي ثمة تناقضات واسعة في تاريخنا· كانت فرص الحوار في الماضي أكبر بكثير من اليوم، فلقد شهدنا حوارات فكرية وفلسفية رائعة بين علمائنا وفلاسفتنا مع تأملات ورسائل كلامية تمّثل قمة الإبداع، ووقفنا بالمقابل على اضطهاد بشع للمبدعين، ثمة مُساجلات شعرية متبادلة، وثمة شعر نقائض وهجاء مقذع، ثمة أرواح تآلفية عالجت مختلف المذاهب، وثمة صراعات دموية سببتها اختلافات سياسية· كلما انفتحت الثقافة العربية والإسلامية على المحيط والعالم أُضيئت جوانبها بالأنوار وبقدر انغلاقها على نفسها، كما هو حالها اليوم، فهي سوداء كالحة تضطهد فيها الكلمة والرأي وكل الخطاب·

* لنقترب أكثر ونتساءل: هل كان المثقف أو المفكِّر العربي أو الإسلامي القديم حوارياً؟

– كانت هناك طبقات العُلماء والشعراء والأطباء والفقهاء· نعم كانوا يتحاورون، خصوصاً أصحاب العقل لا النقل، وشهدنا حوارات رائعة قد جرت بينهم، ثمّة مجالسات ومحاكاة ومقابلات ومنازلات ومساجلات وتعقيبات وردود وتحرّيات ونقدات أثرت المعرفة وأغنت الثقافة· كانت دروس المدارس والجامعات حوارية، وكانت المكاتبات دقيقة، وكان الرأي محترما من خلال المعلومة لا من خلال وجهات نظر!!
      لقد تمتَّع المثقفون القدماء بأخلاقيات الحوار شفاهياً في مقابلات ومجالس وحلقات، وتحريرياً في مكاتبات ورسائل وتآليف· كان لأدب الحوار أصوله ومنهجه، ومن يقرأ كتاب أبو الحسن البصري (أدب الدين والدنيا) سيتعلَّم منه الكثير، وعلى النقيض منه، نقف على شعر النقائض وهو طور سلبي في الهجاء· لكن المهم كانت مجتمعاتنا منفتحة ولم تكن العقليات منغلقة أبداً·

* إذن بأي معنى يمكن أن نفهم لا حوارية المثقفين العرب المعاصرين؟ لماذا التجافي؟ لماذا التخوين؟ لماذا الاستهانة المتبادلة بينهم؟

– إنها لأسباب متنوِّعة؛ سياسية وعقائدية وأيديولوجية، فضلاً عن انعدام الديمقراطية· منذ خمسين سنة والثقافة العربية لبستها عباءات متنوِّعة، وتتخّرج عنها مواقف متضادة من خلال هيمنة السياسة· ثمة انكسارات حدثت في بنية الثقافة العربية كانت السلطات من أهم أسبابها أيضاً، وفي بيئات لا تفهم إحداها الأخرى· كان العرب وما زالوا يعيشون أوهاماً وأحلاماً، ويجمعهم خيالٌ جمعيٌ وهم في طور اليوتوبيا· إن الواقعية مختفية في ظل تشبُّث فاضح بالانقسامات·
     لقد استطاعت السنوات الأخيرة أن تفضح سلبيات كامنة في الأعماق، وتوضح انعدام أي لغة حوارية مشتركة بين أطياف المثقفين الذين لم يعرفوا الديمقراطية وقبول الرأي الآخر أبداً· منْ لم يتقّبل الرأي المُخالف لم يسكت، بل يستهين ويُجافي ويُخاصم، وتصل درجة بعض المثقفين الراديكاليين إلى تخوين الآخر، ويا للأسف، ويحارب المقابل حتى في رزقه·· من دون أي تفكير نسبي للأشياء، ولا أي اقتناع بالمتغيرات· فكيف يمكن للمتعصِّبين قبول الهزيمة أو الاعتراف بالأخطاء؟؟
       أختُم لأقول: إن الثقافة العربية منهارة هذه الأيام، وهي تنتقل من مأزق إلى آخر· إن المواقف السياسية والإيديولوجية والأصولية قد سحقت كل المبدعين والأحرار في عالمنا العربي، بل همَّشتهم وجعلت الكثيرين يهاجرون وينقطعون وتفقدهم أوطانهم وهم من خيرة الناس·
  * ما السبيل إلى تفعيل ثقافة الحوار بين نخبنا المفكِّرة أو المثقفة، وبالتالي بين مكونات مجتمعاتنا؟ ما هو دور المؤسسات الثقافية الأهلية والحكومية؟ ما هو دور النخب الفكرية؟

– ينبغي على الجميع، أفراداً ومؤسسات، في مجتمعاتنا ودولنا إجراء ثورة تحديثية واسعة بتغيير المناهج وتنمية التفكير وتطوير الأذهان من أجل تأسيس وعي جديد بالآخر وبثقافة الآخر، والانفتاح على تجارب الثقافات، واستخدام الإعلام المرئي والثقافي بشكل جاد ومتغاير، بالانتقال من تلقّي المواعظ وهتك الزمن إلى المشاركة الفاعلة، وممارسة الحريات ضمن إطار القانون، وزرع الثقة لدى الناس، والانتقال بالثقافة والفن والتفكير من الحالات المتعبة والفوضوية والابتذال والتعصُّب إلى جودة الأداء، ونقاء المحتوى، وانفتاح التفكير، وقبول الآخر، وتقبُّل النقد، والاعتراف بالخطأ· إنها مبادئ لابد أن نزرعها في عقليات الجيل الجديد، ناهيكم عن التقريب بين المثقفين·
       أن كلمة (مثقف) لا يمكن أن تكون مبتذلة، وينبغي فيمن يحمل هذه الصفة أن يكون قارئاً ممتازاً، ومتحدِّثاً لبقاً، ومتابعاً لشؤون الحياة وقد تعلَّم من تجارب الآخرين، وأن يحمل هموم مجتمعه فوق كاهله ليرتقي به إلى الأفضل، أن يكون قنوعاً ويحترم من يجادلهُ ومن يعلِّمهُ، وأن يُميز بين الأشياء والأفكار والاتجاهات، وألا يؤذي الآخرين، وأن يُقدِّر المثقف الحقيقي حق قدره· فهل سينجح العرب في تكوين هكذا (مثقَّف)؟ نعم، إنْ أصلحنا مثل هذا التكوين!
جريدة الاتحاد ( الاماراتية ) ، السبت 16 ديسمبر 2006

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

حِينَ يضيق الواقعُ بأهله، ويشتدُّ وَطْءُ الظلم على الشعوب، لا يبقى للإنسان سِوى صَوته الحُرِّ يرفعه في وجه القهر، فتنبثق الكلمة مِن رَحِم المُعاناة لتغدو سلاحًا لا يقلُّ أثرًا عن السَّيف.

في تاريخ الأدب، تبرز أسماء قليلة استطاعتْ أن تتحول إلى ضمير الأُمَّة ولسانِ الشعب. ومِن بَين…

صبحي دقوري

لم يفشل النقد العربي في استيعاب سليم بركات لأن نصّه صعب فحسب، بل لأن مشروعه الأدبي كلّه يفضح حدود الأدوات التي اعتاد النقد العربي أن يعمل بها. فالمسألة، في جوهرها، ليست أزمة نصّ غامض أمام قارئ مرتبك، بل أزمة جهاز نقدي كامل حين يجد نفسه أمام كتابة لا تدخل في قوالبه، ولا تستجيب لمفاتيحه…

فواز عبدي

هاتفني صباح هذا اليوم ليخبرني أن كلبه قد هرب. وحين سألته عن السبب، قال:

إنك تعلم كم كنا نعتني به، وندللـه.. لقد صار كأحد أفراد عائلتنا ولا نستطيع مفارقته.. إننا..

قاطعته:

لا أعلم إن كان لديك كلب. وعلى حد علمي فإنك كنت تكره الكلاب..

قال: صحيح. ولكن بعد عودتي من الخليج، وبعد أن أتممت هذا البناء، طلب الأولاد…

صبحي دقوري

تتقدّم البشرية اليوم نحو منعطف لا يشبه ما سبقه إلا في الظاهر. فمنذ الثورة الصناعية الأولى، والإنسان يخاف من الآلة، ويظن في كل مرة أنها جاءت لتسلبه عمله ويده ولقمة عيشه. غير أن ما يحدث اليوم مع الذكاء الاصطناعي أعمق من مجرّد دخول آلة جديدة إلى المصنع أو المكتب. نحن لا نواجه آلة تحمل…