خواطر رمضانية ( 8 ) ميدان الرحمة

علاء الدين جنكو

      الرحمة صفة عظيمة تجعل المرء يرقّ لآلام الخلق وشعر وكأنها آلامه ، ويسعى جاهداً لإزالتها  وهي العاطفة الحية النابضة بالحب والرأفة ، والرحمة في أفقها الأعلى وامتدادها المطلق صفة من صفات المولى تبارك وتعالى ، فإن رحمته وسعت كل شيء شملت الوجود ،وعمت الملكوت ، فحيثما أشرق شعاع من علمه جل وعلا المحيط بكل شيء أ شرق معه شعاع للرحمة الغامرة .
وشهر رمضان المبارك ميدان عظيم من ميادين الرحمة ، بل كثير ما يطلق على شهر رمضان بأنه شهر الرحمة ، لأنها تتحقق فيه .

وأرى أن للرحمة نوعان : رحمة الله تعالى بخلقه وعباده ، ورحمة العباد على العباد .
فرحمة الله عز وجل بخلقه وعباده يدل عليه ما أخرجه ابن خزيمة في صحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أن شهر رمضان أوله رحمة ، وأوسطه مغفرة ، وآخره عتق من النار ) ، ويدل عليه أيضاً ما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم   قال : ( إذا كان رمضان فتحت أبواب الرحمة ، وغلقت أبواب جهنم ) .
وهذه الرحمة هي ما يصبوا إليها المسلمون ، وهي الغاية القصوى التي يسعون للحصول عليها ، وهي التي تجعل من حياة المسلم سعيدة في الدنيا سعيدة في الآخرة .
وقد حث الله تعالى عباده على طلب الرحمة منه كما في قوله تعالى : ( وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ) المؤمنون (118) ، كما بين أنه يتجاوز عن خطايا عباده ويغفر لهم فقد جاء في الحديث القدسي ( إن رحمتي تغلب غضبي ) .
وما رحمة العباد بعضهم على بعض إلا جزء  يسير من رحمة الله تعالى ، يؤكد هذا ما ورد في البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي ، فإذا امرأة من السبي تسعى قد تحلّب ثديها ، إذ وجدت صبيا في السبي أخذته وألصقته ببطنها فأرضعته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟ قلنا : لا والله ، قال : فالله تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها .تلكم هي رحمة الله عز وجل والتي جعلها مئة جزء وأنزل إلى الأرض جزأ واحداً منها والتي منها تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه !!
وأما رحمة العباد بعضهم ببعض تلك هي أثر من آثار الجمال الإلهي الباقي في طبائع الناس يسير بهم إلى بر الأمان والاطمئنان ، وقد أمر الإسلام بالتراحم العام وجعله من دلائل الإيمان الكامل فالمسلم يلقى الناس وفي قلبه لهم عطف ورحمة وبر مكنون ، ودل على ذلك أحاديث منها .
ما جاء في البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ) وعند الترمذي قوله صلى الله عليه وسلم قال : ( الراحمون يرحمهم الله تعالى ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) .
ومن المظاهر التي تساعد في رحمة العباد على العباد في رمضان : ترك المسلم للأكل والشرب فيشعر بالفقراء والمحتاجين الذين يحرمون مما يملكه ، فتضغى قلبه بالرحمة تجاههم .
ومنها مضاعفة الأجر في هذا الشهر الكريم ، فيتذكر الفقراء والمحتاجين لأنه بهم يحقق هذا الأجر  فهو في غير رمضان مشغول بأمور الدنيا أما في رمضان فيدخل مع الكثير من المسلمين في جو العبادة … حينها يتذكر الكثير مما أنسته مشاغل الدنيا قبل رمضان ، ويمتلأ قلبه بالرحمة تجاه الآخرين .
ومنها : تذكير العلماء الناس بالفقراء والمساكين ، فيسارعون إلى تلبية نداء المحتاجين .
لذا تلاحظ أن موسم الجمعيات والمؤسسات الخيرية هو شهر رمضان المبارك حيث يرتفع فيها حجم التبرعات التي تحصل عليها هذه المؤسسات على كل الإحصاءات في الشهور الأخرى غير رمضان !!
لكل ذلك كانت الرحمة أعظم ما يملكه المسلم حتى يتعامل مع أخيه المسلم بحب ووئام ليرسموا معاً ملامح الحياة المنشودة والتي يتطلع إليها الجميع ، ويترجموها إلى واقع ملموس .
أما القسوة وعدم الرحمة عند إنسان معين دليل على نقص كبير فيه ، وفي مجتمع دليل على خطورة مخيفة !!  وربما تؤدي هذه القسوة إلى ما هو أكثر نقصاً وأشد خطورة !!

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

تقرير: فراس حج محمد

احتضنت قاعة الجليل في متحف محمود درويش مساء يوم الأربعاء 4/2/2026 فعالية إطلاق كتاب “احتمالات بيضاء- قراءات في أدب الحرية الفلسطيني” للكاتب والمحامي الحيفاوي حسن عبادي، وأدار الندوة والحوار مع المؤلف الكاتب فراس حج محمد، وقدّمت الروائية المقدسية ديمة السمان قراءة في الكتاب، وبمشاركة فاعلة لمجموعة من الأسرى المحررين والكتاب والمثقفين.

وبينت الكاتبة…

إبراهيم اليوسف

قبل سنوات قليلة، أعلمني الصديق الروائي جميل إبراهيم أن نجله أعلمه بأن الصديق الكاتب محمد حلاق قد لجأ إلى ألمانيا، وقد التقاه في- كامب مدينة بوخم- مقدماً لجوءه وأسرته، وعندما سألته عن أي خيط يصلني به: رقم هاتف؟ عنوان ما؟، إلا إن كلينا لم يفلح في ذلك، فقد ظللت أسأل من أستطيع الوصول إليهم،…

آل برو في الوطن والمهجر
عميد العائلة صبري علي أحمد
أخوة المرحوم : صبري – المرحوم حسن – المرحوم سليمان – المرحوم حسين – عبد الحميد – يوسف – فرخوزات وأولادهم.
أبناء وبنات المرحوم : بنكين – جوان – المرحوم هفال – شيروان – رنكين – زوزان – بيريفان – سوسن.
أبناء عمه : أحمد- المرحوم محمد أمين -…

إبراهيم محمود

الاسم إسماعيل، ملّا يا بئس ما أفتــــى وصلّى
شيخ ولحيته تغطّــــــــي فيــــــــــــه مأفوناً ونغلا
ببياض وجه في عفونة صورة ينـــــــــــــداح ذلا
يا حيف مسجده ومسجده يفظّع فيــــــــــــــه فعلا
فتواه باسم الله رسْم شريعة ويبيــــــــــــــــح قتلا
لا الله هاديه وليس نبيّه فيـــــــــــــــــــــه استدلا
يا نسل طوران ٍ تجلــــــــــــى في صلافته تجلى
يا شيخ شرذمة الجناة بكل شانئـــــــــــــــة أطلا
الله أكبر صوت من يشكو…