صبري رسول
ديرك، ينبوعٌ، ونهرٌ، وبساتينٌ مشجَّرةٌ، تعلوها عيونٌ ذابلةٌ، وأوراقٌ حافاتُها محترقة، تقرأُ فيها تاريخاً عجنَتْه سنابكُ خيول أرطغرل، وبنادقُ الإفرنجة، يشوبُ هذا التَّاريخَ لونٌ اختفتْ معالمُهُ…
أن تكون في ديرك وتحتفل بنوروز، هذا يدلّ على أنَّ طائرَ الحظِّ قد حطَّ على كتفك، فاجتماعُكَ مع الأهل والأحبَّة بعدَ سنواتٍ من الغيابِ والانقطاع، على كتفِ قوقعة باجريق الحجرية يمدُّكَ بقوة وطاقةٍ نفسية، ويغذّي إرثكَ الطّفولي المنسي في أقصى منقار البطّ من جغرافية سوريا.
قبل التسعينات من القرن الفائت سألَتْني صديقةٍ دمشقية: أينَ مدينتك؟ فقلتُ بعدما رسمتُ خريطة سوريا كما علَّمنا إياها مدرّس الجغرافيا: هنا.وضعتُ إصبعي في أقصى الزاوية الحادة شمالاً. قالت: كيفَ تتَّسعُ هذه الزّاوية لمدينة حديثة؟
لم نكنْ نعرفُ أنَّ هذه المدينة ستُصبحُ لامدينة بعد عشرين سنة.
في أزقّة المدينة تصادفُكَ وجوهٌ فقدَتْ مسحتَها الزيزفونية، وضاقتْ اتّساعاتُ الفرحِ في تقاسيمها، وغابتْ ابتساماتُ العيونِ في النّظرات، اتّسعَتْ (جباهٌ جِعَاد).
هناااااك، في سفح باجريق المقابل لقرية( بانه قصر) كانت فرحة الكرد تتّسعُ لكلّ شيء، للحبّ، والحياة، والتآخي، والسّلام، وحده الكره لا يعرفُ طريقه إلى قلب نوروز، ولا إلى قلوب الكرد. وجمعتني مصادفاتٌ كثيرةٌ، بحكم جغرافية المكان والزمان، بكثيرٍ من الأحبة، والأصدقاء، السابقين، تبادلنا الملام، والأشواق، حيثُ يغرقُ القلبُ في بياض الوئام المرتسم على زيزفون ديرك.
لجوء الشعوب إلى التّمجيد والتّقديس لتاريخها، لمناسباتها القومية أو الدينيةٍ، تعويضٌ لضعفها وعجزها عن رسم حاضرها، لكن قد لا يكون تمسُّكُ الكردي بعيده القومي من هذا الباب، وقد لا يندرجُ هذا الأمر على نوروز، فالكرديُّ لا يجد في التراث الدّيني( الزرادشتي، والأزدي، والإسلامي) ما يروي عطشَهُ التّاريخي الظالم، وتوقَهُ اللامحدود إلى آفاق النّور، وحبّ الحرية والعيش بسلام، كبقية شعوب المعمورة؛ فلهفةُ الكرديّ إلى الاحتفال بنوروز وسيلة إلى البحث عن الذّات، والتّعبير عن وجوده ككائن يرفضُ الانقراض والانحلال، أو الذّوبان في القوميات الأخرى، والتأكيد على كرديته (الهوية الضَّائعة).

التعليقات (0)