«بافي رشو: محمد سيد حسين» في عيده الثاني

إبراهيم محمود

أي نعم، بافي رشيد ” بافي رشو ” كما كان يبهجه ذلك، أي محمد سيد حسين، الذي عاش حياة شاهدة على أنه منحها ما من شأنه أن تمنحه بقاء حين يفارقها، أي ليستمر حياً أبيَّاً معززاً باسمه باسم حياة أخرى، موصولة بحياة الأولى، لها مراتبها ومذاهبها هي الفاعلة هنا. ولكل راحل أبدي إليها ما يستحق من مقام، تبعاً لموهبته الروحية في العطاء، ولا أنك يا الأخ الأخ، العزيز العزيز، الحي الحي، في الرتبة الحياتية التي تسمح لكل من تغذيه وفورة حياة خصبة وإنسانية ورحبة، أن يتواصل معك. نعم، أيها الكردي الكردستاني، الكردي الإنسان الذي كان ويكون وسيكون.
هأنذا أراك لأنك تراني بكامل قيافة وجهك، وتألق ابتسامتك، وسطوع قامتك،، أسمعك بوضوح كامل، في نبرة صوتك الذي يتردد كردستاني اللون والطعم والملمس والرائحة، لأنك تسمعني، ألمسك، بكامل نعومة جلدك، وأنا أصافحك، كما لو أن المسافة منزاحة جانباً، أن ضريحك الفسيح الفصيح بنوره، بإقامته التل عربيدية ” قريتك التليدة ” أمامي الآن تماماً تماماً، وأنت تسلّم قبل أن أسلّم عليك، وتمد يدك التي اعتدتُها في كاملها، وتطمئنني: أنا حي، وليس من كل من يودّع الحياة يموت بالمطلق. ليس من يحيا هو حي بالفعل. ما أكثر الأحياء الموتى، وما أقل الموتى الأحياء . وتنفستْ روحي الصعداء في الداخل لهذا الصوت الصوت .
هوذا عيدك الثاني بافي رشو، وستكثر الأعياد، ستكثر المناسبات بمسمياتها الكردية وغيرها،  ولا أشك ولو لثانية واحدة، أن سؤالاً واحداً عشتَه طويلاً، وصحبك إلى دارك الأخرى، وهو يتكرر:وماذا عن عيدنا المنتظر: العيد الكردي، العيد الذي يتحدث بلسان كردي، وفيب بيت كردي، وهوية كردية، أي كردستانية؟ وهو سؤال من سبقوك ممن رحلوا حباً بكرديتهم، ولست غريباً عنهم، وأنت المنتمي إلى رحابة الكردية هذه !
نعم، بافي رشو، صورتك المعلقة في مكتبتي والمرئية لمن يدخلها، وهي ما يلفت النظر فيها، تعزز هذا البقاء، هذا العمر المشترك الآخر. ليس لكي أتذكرك. من يعيش محبة الآخر، عميق مقامه الروحي، لا يتذكره أبداً، لأن النسيان لم يحصل. لأنه حاضر دائماً. هوذا أنت الآن وبعد الآن، بعد الآن من هذا الآن !
لا تحتاج بافي رشو لشهادة أي كان ليؤكد لمن يريد أن يعلم،ما كنتَه وما تكونه وقد غيَّرت موقعك الحياتي لتعيش حياة أكثر زخماً، لتسمع شهادة من أحدهم، وتوثَّق شهادته بحقك في اليوم والشهر والسنة. ومن يحتاج لشهادة كهذه، وثمة عشرون صوتاً من نسلك الروحي، هي كتبك، حتى الآن، وهناك المزيد في الطريق الطويل، كتبك هي شهود عيانك، وليس في مقدور أي كان، مهما تجلّت قوته، أن يغطي على شهادتها، أن يعتّم عليها، وهي تدوي بصوتها، بمحتوياتها مما يصلك بما هو إنساني وكردستاني.
شهود عيانك كتبك الجامعة بين الشعري والنثري، مؤممة على اسمك، وهي تحيط بي، كما تحيط بكل الذين لهم صلة قربى بما هو إنساني وكردستاني.
لكل شاهد صوته المختلف، حجته المختلفة، نفاذ أثره المختلف، تعبيراً عن أنك كفيت ووفّيت كثيراً في كتابتك:
تتمازج أصوات شهود عيانك، في تشكيلة آسرة، كما لو أنها تمنح روحك المزيد والمزيد من التألق:
من ” الليل الطويل ” ونور حرفه، إلى ” ذبول الشمس ” وسطوع أثره، إلى ” كردستان قصيدتي ” وبهاء المعنى في المغنى هنا، إلى ” أنغام الحب “وتميز الحب الآخر: الأرضي والسماوي، البري والمائي، الهوائي والناري كردياً، إلى ” نخوة قامشلو ” وجلاء الهمة الكردية، إلى ” ليالي قبسات الجهات الأربع “والانفتاح على الجهات بشغف، إلى ” من أثار الجهات المتنفذة ؟ ” ويقظة الروح الكردية، إلى ” سحابة الموت ” والتشبث بالحياة الفعلية، إلى ” تباشير الدموع ” ونباهة القول في الحياة مبدئياً، إلى ما يدخل في رحابة اللسان الكردي والحرص عليه، إلى ” الوطن جنَّتي ” وهو العشق الذي يزداد مع العمر وبعده شباباً، إلى نثريات ذات صلة بما تقدم، وما فيها من حضور تاريخ، واجتماع، وسياسة، وثقافة، ووجدان، ليكتمل الاسم بمقامه الكردي، إلى ” ذكرياتي أنا وفرهاد عجمو ” هذا العزيز الصديق الآخر، الذي رحل في حر تموز الكردي 2016، الذي يشهد بمضمونه على ما كنت فيه وعليه، من حيوية القول والفعل، والامتلاء بالحياة ومواجهة المتخاذل فيها .
نعم، بافي رشو، كما أنت هو أنت الآن، وكما هو أنت الآن، خارج ضريحك، خارج جغرافيك تل عربيد، خارج جغرافية قامشلو، إلى حيث تكون الحياة الحقة، وأنت تتنقل بروحك الشغوف بما هو إنساني وكردي، كما تقولها شهادة كتبك الكتب، وأنت أكثر  شموخاً، وإخافة لمن يعلم عين اليقين وعلمه من يكون محمد سيد حسين.
نعم، بافي رشو، أنت لم تترجل عن جوادك الكردي أبداً، تكون محلّقاً به، في كل جهاك كردستانه، وتجاوباً مع كل رقعة كردستانية تزهزهت بأسماء قراها، بلداتها، مدنها، أنهارها، جبالها، ينابيعها، وديانها وغاباتها. وليس من شيم الروح المعروفة بهذه الوساعة أن تترجل عن جواد مطمحها، والعين تتفحص الجهات كاملة.
ثمة من يعيشون حضورك بأرواحك، من يحرصون على كل كلمة تفوهت بها، وأودعتها سماء الكتابة، ممن ينتمون إليك نسباً عائلياً، ومن لهم صلة قربى كردية وإنسانيك معك.
أوَرأيت بافي رشو، كم أنت منتشر بظلك وروحك، وأنت العيد الذي يعنيك مفتوح على مدار العام، العيد الذي يحمل بصمته الكردية، ولك فيها طيب نسَب، وحسَب كتابة، وصلة وصل كتابة فارعة. أيها الراحل إلى حياة لا تبلى، طبْ مقاماً يا الكبير بروحه بافي رشو، أعني باسمه الجدير بتسطيره وتنويره: محمد سيد حسين !
دهوك

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…