مــــن جيب قلبــــــــــــي .. لك وردة !!

قصة بقلم : محاسن الحمصي

قبالة المرآة ,بصق على الوجه الآخر دامع العينين مستجيرا :” ملعونة تلك (الداية ) التي أخرجتك من رحم أرنبة شهوانية .. سحبتك من رأسك الفارغ , قدميك المهتزتين , يديك المرتعشتين..؟”
جمع قبضته , ولكــمـــهُ ..
خيوط دماءٍ تسيل , نجوم , دوار .
دخـل في غيبوبة النسيان ..

تناثرت شظايا المرآة , تبعثر الوجه .. أصبح وجوها ….!!
الوجه الأول :
جُموحٌ , تمردٌ , إندفاع يسكن ذلك الجسد النحيل الباحث عن شهوة إنتقام أعمى , يجلس على كرسي القلق , ينام على فراش الأرق , يجمعُ , يطرحُ , يضربُ أخماسا في أسداسٍ , يرسم دروب الأذى , يحفر في كل يومٍ فخا وكمينا , يصطادُ ضحيتهُ … ويبتسمْ.
الوجه الثاني :
يتخذُ من الصمت حِرفة والعزلة رفيقا , من الوحدة صديقا , والحزن أنيسا .. يبتكرُ حياة داخل حياة , دفترا , قلما , ممحاة مُغلــفـة بأوراقٍ سوداء يشدّها بحبال تلتـــفّ مع وهنِ عقلٍِ مُشتت … ومع ذاته يتوحـــد .
الوجه الثالث:
يدخلُ ماراثون النزوة , يركضُ بين ساقين , يُلقي قلبه كرة لمؤخرةٍ مُرتجة , لشعرٍ مسدلٍ, لنِصفِ إبتسامة , يغتصبُ البِكر بقزحية , وصهريج مائه يضِخُّ ولا ينضبْْ ..
بات كازانوفا , دراكولا.. زير نساء ..
الوجه الرابع :
متأهبٌ , يلعبُ بالبيضة والحجر , الثلاث ورقات , ينتهز الفرصة حين تأتي , يبحث عن دولاب حظٍ , كتفٍ تــُأكلْ .. يلبس ثوب مُخبر … ويترقب .
الوجه الخامس :
يستأجرُ من يلوك له اللّــقـمة , يمشي بقدميه , يحكّ الرأس , يُقلب الجسد الكسول ذات اليمين وذات اليسار , كفٍ تُغلق فم التثاؤب المتعب , ينتظرُ من يُسدل الجفنين .. ويلتصقُ بالفراش .
طبول الحرب تُقرع ..
أزيزٌ , هديرٌ , صليلٌ.. مناوشات , إتهامات , تصريحات , تراشق بالكلمات المسموعة والممنوعة
يخرجُ من عمق الميدان صوتٌ جريحٌ يتأوّه :” هدنة .. هدنة .. !! ” .
*****
فجرٌ ندي يُــقـبّل الشاطيء الأزرق الراخي لسانه اللاهث , المستسلم لرغوة تُــــــــدلّك ُ , تـُـمسدُّ حبات الرمل .. و(الشاليهات) البيضاء المتلاصقة المتشابكة كلوحة سريالية في ظل النخيل . تنام أضواؤها على صبا ريح حريرية ..
والإخوة الأعداء الخمسة في شرفة تُطلّ على المجهول اللاّمرئي ..
– أسبوع من السأم , الملل , الضجر.
– أغارُ ممّا وراء الجدران ,أصوات تتسلل .. وشوشات عرسان , كركرة أطفال , همسات عُشاق , شِجار أزواج يُختم بالتنهدات ..
– تمرّغُ الصبايا على الشط أنهكني .. أشعر بجوعٍ للّحـــــمِ .. للحلّوى ..
– إحترق جلدي و تقّشّر .. من يقلبني ؟

 إنفضَّ السامرُ الموحش, أفُـــــــل القمر .. لنشرب نخب الوداع الأخير.
سار الركب يترنّح .. أوصد الباب خلفهم واستراح .
إستحم بمد الموجة , نفض غُبار الذنوب , توجه نحو ملكوت الرب ,صلى ركعتين : “يااااااااااارب ! إليك أتوب .. ” .
إفترش الرمل وانتظر..!!
*****
هفهف بستان ورد في تنورة تحمل قــّــــدّ غجرية شاردة في محطة القطار، وفوق الخصر
نهد يتأرجح تحت بلوزة وردية ، وعلى الكتف تنام حقيبة يِخفيها شلال أسود متماوج..
جلستْ تُقلب صفحات كتاب ,تنقـُر بأظافر مصبوغة فنجان القهوة ، فينقـُر عصفورٌ شرفة
قلبه ..
تُشعل بأصابع موسيقية سيجارة ، فيشتعل لهيب الرجل الخامد والراكد فيه..
العقل منه طار وحط على الطاولة..
سمع صدى صوته : ” قولي معاكسة ، تحرش ، تطفل ، جنون.. أطلبي النجدة , لن أتحرك ..
فقط دعيني أشاركك الجلسة ,ولن أتفوه بكلمة .. أعدك يا ملهمتي …!” .
إبتسمتْ ,لملمتْ تنورتها ، نظرت إلى الساعة الكبيرة المعلقة فوق رأسه , لمح رجلا يُدفن بين أهدابها ويستريح ..
لوّحت مودعة .. تركتْ له رشفة قهوة وكتابا على غلافه إسم , رقم هاتف , وعنوان .
ومضى عام…
يسمعُ الصوت الدافيء الحنون صبحا ,ظهرا ,ومساءا كوصفة الدواء ..
مُعلق البصر في ثوب السماء المزركش .. يسألها :
عبر أيّ قمر صناعي يأتي صوتك الماطر حنانا وعطرا ؟
ويتردد الصدى الحبيب …إلى قلبه :” إبحثْ بين المجرات ,الكواكب ,النجوم , تجد القمر, وتصبحُ عالم فلك ..!” .
تغمرموجة مدٍّ الجسد المستلقي على الشاطيء , و الصوت الحالم يتحشرج دمعا ,
خارقا مسامعه : ” لا أطيق ..دعني أجيء .. لم أعد أطيق…” .
يفتح عينيه ، يرتعش وحيدا إلا من قلم ٍ وسطورملتوية خُطت على ورقة :
” يا صاحب اليراع .. آتيك غداً ,أتوقُ إلى قطعة من خيمة السماء فوق بلد تتنفس هواه,
رقعة أرض من بلد تمشي في رباه , إلى شاطيء نخيلِ تستظلُ في حِماه .. لأجلك :
“أستعير ساقي فهد , عيني صقر , جناحي عصفور , صبر ناقة .. أحمل بلسم الجروح , لمسة
الشفاء , عصا حبي السحرية .. أضم الكرة الأرضية إلى صدري , بوصلة ومنظارا , الاستشعار عن بعد دليلي ..
لا تأشيرة ,لا فيزا , لا حدود .. على بساط الريح آتيك أنا .. على شراع ..
كل النساء في دربك أنا .
خدّ الألماس , فيروز العينين , ياقوت الشفاه , ضفائر الذهب. غجرية ، حورية بحر , جنية.. حُسن الخلقِِ والخُلق , العلم والعقل , جهينة أنا ..
أسكبُ عطري في دورق , ألملمُ أحزانك أدفُنها في خندق , من سطور أبياتك , من حروف معاناتك ..أغزل بساط الحب قصيدة وتكون لي وحدي أنا ..
أُخْرجُ من جيب قلبي قبلة أضعها على الجبين المُجهد ، لن تتعب معي أنا..
تتشابكُ الأيدي تحضنُ الآتي في هدهدة الحلم , وتجمع شظايا مرآة مكسورة .. ” .
يهمس لنفسه :” يا بلسم الجراح , ساُبقي باب الغد مواربا ..
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود
حروف شاعرٍ قـُتل على أدراج بيت القصيد ,وأنا الشاعرُ الذي على باب هواك المجنون عدت أحيا وأعيش ” .
حدّق في الوجه الجديد .. ولم يبصُق…!!

محاسن الحمصي
 صحفية وكاتبة

من الاردن

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…