دهام حسنفي منتصف السبعينيات من القرن الفائت، وفي زيارتي اليتيمة لمصر القاهرة، قادنا الدليل إلى جامعة الأزهر، فراعتني تلك الأعمدة التي حركت مخيلتي باتجاه طفولتي والتعليم في الكُتَابِ، واسترعى انتباهي بضعةُ فتية قد اقتعدوا الأرضَ بمحاذاة العمود الأزهري، يتوسطهم إمامٌ أو شيخ دين، يقرئهم مبادئ وعلوم الدين، ومن باب الفضول ورداً على استفساري أوقفني أحدهم أمام حجرة وطيئة السقفِ، معتمةٌ لدرجةٍ ما، قائلاً: هذا ما تسأل عنه، في هذه الحجرة كانت بدايات طه حسين التعليمية كما أوضحها لاحقاً في كتابه الأيام.
كان الشيخ رغم حبه وإعجابه بذكاء شقيقه (توفيق) كثيراً ما يعاتبه ويؤاخذه، أذكر قال لي ذات مرة هل سمعت أن أحداً يشكو من ألمٍ في شعره، فتوفيقنا يزعم بألم ووجع الشعر، واستطرد: لولا لا مبالاته وهو بهذا الذكاء وبهذه الملكة، لكان بمرتبة الدكتور زكي مبارك وأحمد حسن الزيات وربما ذكر آخرين..
كنا ذات مرة في حديثٍ ذي طابعٍ خصوصي، يتعلق بيّ، فمر أمام الباب فتىً دميم الوجه أعور فاتحاً صدره للهواء فارداً ذراعيه لابساً بنطالاً ضيقاً مبرزاً صدره للأمام، وكأنه (عنترةُ زمانه) فقطع الشيخ حديثه وتوجه إليّ بالكلام قائلاً: بنات اليوم يرين في مثل هذا فتى أحلامهن ولا يرغبن في الشاب الهادئ الآدمي وكان يقصدني.
رغم حيائي الجم من حضرته، كنت آخذ حريتي في الكلام معه، وقد شجعتني على هذه الحرية طبيعة هذا الرجل الذي كان يصانع الكبير والصغير. وعندما كنت أتلجلج حياءً في حديثي عند نقطةٍ تخدش المشاعر، يضحك ويقول: أكمل..
نادراً ما كان يبارح داره، أذكر قبل فترة غير بعيدة، أثرنا معه حديثاً عن القامشلي، فقال لنا: لا أتذكر القامشلي إلا منذ أيام (الحناتير) أي أنه لم ير القامشلي منذ نحو أربعين عاماً والمسافة بين عامودا والقامشلي أقل من ثلاثين كيلو متراً.
كان الشيخ عفيف عالماً في علوم الدين والفصل في القضايا الفقهية الشرعية، وكان عالماً بالنحو ومذواقاً للشعر. أذكر ذات مرة أختلف المدرسون أثناء التصحيح في مسألة نحوية، فقام جميل داري الشاعر الصديق قائلاً سآتيكم غداً بالإجابة الصحيحة، ولما كان الغد حسم الخلاف بالوجهة الصحيحة التي قالها الشيخ عفيف واقتنع الجميع بذلك راضين.
كنت قد أهديت له قصيدةً بعنوان (دولة الشعر) تجاوزت الأربعين بيتاً وهي قصيدة مميزة في مناسبتها ومنها هذه الأبيات:
شيخــنا قـد راقـني..! حجـــرتــه
مــوســم الشعـــر غـــدت مــربــد نا
ننشـــد الشــعر رنـيــمــا وغــنـــا
نــرقـب الفتوى لمن قــد أحـسنــا
خلع البرد عليه درنــا
لـست بالشـعـــر حـــريا بـا لثـنـا
أذكر لاحقاً ذات مرة أنه أبدى استياءه من نصٍ شعري لأحد اللصيقين به بصلة القربة من حيث المعنى في قوله (سبحانك يا لينين) قائلاً هل يجوز مثل هذا التعدي والتجاوز، واستهجنت أنا بدوري هذه العبارة..
كما تعرفت على ابنه عبد اللطيف الذي أراه يجتهد وقد تحسنت لغته وتقدمت كتاباته، وأعتقد أن له ابناً ثالثاً صادق أخي المغترب وكانت هذه المعرفة سبباً لتقاربهما وتآلفهما..

التعليقات (0)