إبراهيم محمـودولا بد أن كثيرين، وهم يتابعون حلقات هذا المسلسل وهم بين الصحو والنوم، أو الغفلة واليقظة، ويُكركرون ضحكاً يتخيلون أنفسهم ومن يكونون، وتحديداً وهم يعيشون في وسط جبابرة معتبرين ومتنمرين وجشعين وعتاة، حيث العبرة ” الكرتونية ” تُتلقى من مهارة ” جيري “، ليغدو ” توم ” أضحوكة” ولو من باب التعويض النفسي ضمنياً. سوى أن الموضوع قابل للانحسار والانتشار داخل المجتمع الواحد، فالمسلسل الأميركي بكرتونيته، وإن كان فيه ما فيه موجهاً إلى الخارج، وبتفويض أميركي ما، إلا أن ثمة دمغة داخلية في المحتوى، رغم أن نسبة كبيرة من خارج حدود ” العم سام ” وبلغات لا تحصى، لا تقلق نفسها بهذا التفسير أو التوليف أو التحوير لأسباب تعنيها بالذات، لكن ” الفأر يلعب بعب الواحد ” إذ يتلمس في المسلسل ظلال موضوعات ومكاشفات كثيرة. لا بد أن للكرد، وقد تنوعت قنواتهم التلفزيونية وتعددت لغاتهم رغم أنها واحدة، وهي تدبلج المسلسل، وقد توبع بأكثر من لغة حية وكولونيالية لأسباب معروفة بالتأكيد لدى الكثيرين منهم، لا بد أنهم قد عايشوا مناخات معان ودلالات في خاصية ” التومنة ” و” الجيرنة “، لكن الخلاف الكبير والمخيف : من يمكنه أن يكون تومياً والآخر جيرياً وبالعكس، وخاصة راهناً ؟ لا شك أن السؤال، وكاجتهاد ” بغيض ربما!” يستحق التوقف عنده، لأن ما يجري بين الكرد يظهِر كما لو أن ” التومنة ” و” الجيرنة ” موجهتان خصيصاً إلى الكرد أنى حلّوا واستحلوا لأسباب كثيرة ومريرة، منها: لأن نسبة منهم تتومن في الحال رغم كل ما تلقاه على ” يدي ” : جيري، لأن ليس من المعقول، ولا بأي شكل أن يكون توم بمثل هذا الضعف وهو المعروف بتاريخ سطوته على الفأر. ولأن نسبة أخرى” ودون تحديدها الكمي “، لا بد أن تستشعر في ذاتها ” جيرنة “، وهي تستنفر قواها، و” تشغّل ” مخها، حيث إن القوة ليست في الحجم وإنما في القوى التي تحدد صورة فعلية للكائن . ولأن نسبة ثالثة موزعة بين خاصية ” التومنة ” و” الجيرنة ” وفي حيرة من أمر الممالأة أو الموالاة . ولأن نسبة رابعة، تجد أن العملية كلها تحمل بصمة مؤلفي المسلسل ومنتجيه ومخرجيه، وأن تجاوز اللغة ” حيث الحركات والأصوات هي التي تسيطر على مناخ حلقاته ” ربما يخدع من يجد ضالته فيه، ولكن ” الغشيم ” وحده من يرى في ذلك استجابة مع ما يريد، طالما أن كل شيء مدروس بداية ونهاية، وتحديداً: أولاً لأننا ننمي في أطفالنا تومنة وجيرنة ” لا تعملها ” أميركا ذاتها إذ ندعهم ” منتشين بهشاشتهم أمام المسلسل، وثانياً، لأننا لا نحصي حالات أو طرق قتل أطفالنا هؤلاء بالطريقة هذه، وثالثاً، وهو الأهم، لأننا نتجاهل من يكون الموجه، ومن يكون المندمج مع اللعبة، أي نحن ” الكبار “، وكأن اللعبة لا تعنينا، بينما نستغرق فيها عملياً.
لست في وارد تنظيري للمسلسل حيث الطرافة لا تفارقه، لكن على المشاهد المعني بفكرة المسلسل ألا يقع في أحبولة الطرافة والخرافة، ليكون هو الضحية بداية ونهاية، وأما فيما يخص كردنا الذين يهمهم أمر توم وجيري” وقد تحررا هنا من هاتين الفارزتين ولم أتحرر أنا لسبب وجاهي “، فلا بد أنهم مثخنون بجراحات تاريخية وجغرافية وثقافية ولغوية، تسمّي الآخرين، بينما عليهم الانتباه إلى ملح حارق يُرش في جراحاتهم هذه، ولهم يد فيها. طبعاً ليس الرابح هنا هو من أخرج المسلسل وأعطي بعداً عالمياً هنا وهناك حصراً، وإنما من استوحى أفكاراً كثيرة وأهواء نفسية منه وكأنه مكردن هنا.
تُرى هل نقول : متى يتم التحرر من غواية التومنة والجيرنة ؟ أم أن الكرد المأخوذين بطرافة توم وجيري، يجدون متعتهم ومعنى وجودهم في تمثل أدوارهما، ليثيروا سخرية أقرب المقربين منهم، وليس ضحكهم طبعاً ؟ أم علينا أن نسمي كل شيء باسمه، وحينها تكون ” لعبة ” توم وجيري قد أثبتت فاعليتها، وبات الكرد خارج تخوم ما يريدون أن يكونوا عليه، وليسوا متماهين مع لعبة ليست في الأساس بالتأكيد ؟ م: يعني اسم توم: القط الذكر، أما جيري، فكما هو معروف للمتابع، كان عبارة عن وصف قاس موجه إلى الألمان في الحربين العالميتين ؟ !!

التعليقات (0)