توم وجيري الكُرديان

إبراهيم محمـود
  

 نزولاً عند رغبة أطفالنا، نحن الكبار، تابعنا معظم، إن لم يكن كل حلقات المسلسل الكرتوني الأميركي الهوليودي ” توم وجيري “، ولعلنا تمكنا معهم وعبرهم من معرفة الكثير من خبايا/ خفايا اللعبة ” الأبدية: القدرية ” بين القط ” توم ” والفأر” جيري “، وكذلك فإننا من خلال عملية المشاهدة والمكاشفة، كنا نشفق كثيراً على ” توم ” وهو المعروف قوة وتمكناً، والسخط بالمقابل من ” جيري” وهو المعروف ضعفاً وبئس حيلة مقارنة بالآخر.
وجرّاء المتابعة المتكررة ذهبت خيالاتنا ومشاعرنا وأفكارنا بنا إلى إمعان النظر في كل شيء يمكن التفكير فيه على مستوى الكرة الأرضية، والحرب الباردة، والمؤامرات على الأمم والشعوب، وظاهرة الشعوب الفقيرة والغنية، وجشع السادة وبؤس التابعين، بحيث لم نستثن شيئاً في عملية المتابعة والتحري البحثيين، وإلا لما كان لهذا المسلسل من ذيوع صيت عالمي ونوْل جوائز أوسكارية عديدة، أو نجومية عالمية، إلى درجة أن المرء من خلال المتابعة المستمرة كان يشتهي أن يكون ” جيري”، أو يصبح ” توم ” ليحسن التمكن من ” عدوه ” التاريخي . وبالتأكيد، فإن لعبة ” التَّوْمنة ” و” الجَّيْرنة ” طالت كل شيء: البشر وسوى البشر، أباطرة الشعوب وطغاتهم، وثورات الشعوب وقدرتها على الوقوف في وجوه الظلمة ومرادفيهم، ولم يعد قول مأثور من نوع ” العين ما بتقاوم المخرز ” بهمة ” جيرية ” قابلاً للصرف والتداول في سوق العلاقات الاجتماعية والسياسية. بمعنى أن مفهوم الثورة والتحلي بالصبر والحيلة والدهاء اكتسب صفات ” جيرية ” ولم تعد الضخامة والقوة العضوية بذات بال .
ولا بد أن كثيرين، وهم يتابعون حلقات هذا المسلسل وهم بين الصحو والنوم، أو الغفلة واليقظة، ويُكركرون ضحكاً يتخيلون أنفسهم ومن يكونون، وتحديداً وهم يعيشون في وسط جبابرة معتبرين ومتنمرين وجشعين وعتاة، حيث العبرة ” الكرتونية ” تُتلقى من مهارة ” جيري “، ليغدو ” توم ” أضحوكة” ولو من باب التعويض النفسي ضمنياً. سوى أن الموضوع قابل للانحسار والانتشار داخل المجتمع الواحد، فالمسلسل الأميركي بكرتونيته، وإن كان فيه ما فيه موجهاً إلى الخارج، وبتفويض أميركي ما، إلا أن ثمة دمغة داخلية في المحتوى، رغم أن نسبة كبيرة من خارج حدود ” العم سام ” وبلغات لا تحصى، لا تقلق نفسها بهذا التفسير أو التوليف أو التحوير لأسباب تعنيها بالذات، لكن ” الفأر يلعب بعب الواحد ” إذ يتلمس في المسلسل ظلال موضوعات ومكاشفات كثيرة. لا بد أن للكرد، وقد تنوعت قنواتهم التلفزيونية وتعددت لغاتهم رغم أنها واحدة، وهي تدبلج المسلسل، وقد توبع بأكثر من لغة حية وكولونيالية لأسباب معروفة بالتأكيد لدى الكثيرين منهم، لا بد أنهم قد عايشوا مناخات معان ودلالات في خاصية  ” التومنة ” و” الجيرنة “، لكن الخلاف الكبير والمخيف : من يمكنه أن يكون تومياً والآخر جيرياً وبالعكس، وخاصة راهناً ؟ لا شك أن السؤال، وكاجتهاد ” بغيض ربما!” يستحق التوقف عنده، لأن ما يجري بين الكرد يظهِر كما لو أن ” التومنة ” و” الجيرنة ” موجهتان خصيصاً إلى الكرد أنى حلّوا واستحلوا لأسباب كثيرة ومريرة، منها: لأن نسبة منهم تتومن في الحال رغم كل ما تلقاه على ” يدي ” : جيري، لأن ليس من المعقول، ولا بأي شكل أن يكون توم بمثل هذا الضعف وهو المعروف بتاريخ سطوته على الفأر. ولأن نسبة أخرى” ودون تحديدها الكمي “، لا بد أن تستشعر في ذاتها ” جيرنة “، وهي تستنفر قواها، و” تشغّل ” مخها، حيث إن القوة ليست في الحجم وإنما في القوى التي تحدد صورة فعلية للكائن . ولأن نسبة ثالثة موزعة بين خاصية ” التومنة ” و” الجيرنة ” وفي حيرة من أمر الممالأة أو الموالاة . ولأن نسبة رابعة، تجد أن العملية كلها تحمل بصمة مؤلفي المسلسل ومنتجيه ومخرجيه، وأن تجاوز اللغة ” حيث الحركات والأصوات هي التي تسيطر على مناخ حلقاته ” ربما يخدع من يجد ضالته فيه، ولكن ” الغشيم ” وحده من يرى في ذلك استجابة مع ما يريد، طالما أن كل شيء مدروس بداية ونهاية، وتحديداً: أولاً لأننا ننمي في أطفالنا تومنة وجيرنة ” لا تعملها ” أميركا ذاتها إذ ندعهم ” منتشين بهشاشتهم أمام المسلسل، وثانياً، لأننا لا نحصي حالات أو طرق قتل أطفالنا هؤلاء بالطريقة هذه، وثالثاً، وهو الأهم، لأننا نتجاهل من يكون الموجه، ومن يكون المندمج مع اللعبة، أي نحن ” الكبار “، وكأن اللعبة لا تعنينا، بينما نستغرق فيها عملياً.
لست في وارد تنظيري للمسلسل حيث الطرافة لا تفارقه، لكن على المشاهد المعني بفكرة المسلسل ألا يقع في أحبولة الطرافة والخرافة، ليكون هو الضحية بداية ونهاية، وأما فيما يخص كردنا الذين يهمهم أمر توم وجيري” وقد تحررا هنا من هاتين الفارزتين ولم أتحرر أنا لسبب وجاهي “، فلا بد أنهم مثخنون بجراحات تاريخية وجغرافية وثقافية ولغوية، تسمّي الآخرين، بينما عليهم الانتباه إلى ملح حارق يُرش في جراحاتهم هذه، ولهم يد فيها. طبعاً ليس الرابح هنا هو من أخرج المسلسل وأعطي بعداً عالمياً هنا وهناك حصراً، وإنما من استوحى أفكاراً كثيرة وأهواء نفسية منه وكأنه مكردن هنا.
تُرى هل نقول : متى يتم التحرر من غواية  التومنة والجيرنة  ؟ أم أن الكرد المأخوذين بطرافة توم وجيري، يجدون متعتهم ومعنى وجودهم في تمثل أدوارهما، ليثيروا سخرية أقرب المقربين منهم، وليس ضحكهم طبعاً ؟ أم علينا أن نسمي كل شيء باسمه، وحينها تكون ” لعبة ” توم وجيري قد أثبتت فاعليتها، وبات الكرد خارج تخوم ما يريدون أن يكونوا عليه، وليسوا متماهين مع لعبة ليست في الأساس بالتأكيد ؟ م: يعني اسم توم: القط الذكر، أما جيري، فكما هو معروف للمتابع، كان عبارة عن وصف قاس موجه إلى الألمان في الحربين العالميتين ؟ !!

دهوك  

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…