هَاديسا وهريسة والانتماء

إدريس سالم
  ليس في وسع الإنسان أن يختار أحلامه بيده، حتى يحقّق منها ما يشاء ويهوى، فالوطن ليس دائماً على حق، والإنسان لا يستطيع أن يمارس حقاً حقيقياً إلا في وطنه، وهذا كان حالنا – أنا وابنا خالي مصطفى حجي بلال وصالح بوزان بلال – عندما حضرنا حفلة فنّية رسمية نظمتها مجلس بلدية مدينة مرسين في تركيا، فقط دفعنا أنفسنا للأمام، بين الجمهور الغفير المتعطّش لرؤية الفنانة التركية «هَاديسا – Hadise»، التي أصبحت في نظر الحاضرين هريسة لذيذة، بنكهتها الحلوة. 
إن الانسان يولد وهو مُجهّز بخمس حاجات أساسية؛ واحدة منها تنتمي للمخ القديم كما يسميه “وليام غلاسر” في تفسير الحاجات الإنسانية، وهي التي تختصّ بتداوُل الحاجات الفسيولوجية العضوية للإنسان؛ من حاجة للمأكل والمشرب والتنفّس، وحاجات الوجود أو الامتداد، أما الحاجات الأربع الأخرى، فهي تنتمي للمخ الجديد، وهي الحاجة للانتماء والمحبة، والحاجة لتقدير القوة والبأس، والحاجة للحرية والمشاركة في القرار، والحاجة للراحة النفسية، وإلى الوجود في بيئة تقبل الفرد وتُشجعه، لذا فإن الانتماء يعتبر أحد الاحتياجات الهامَّة للإنسان والدوافع المؤثرة في حركته الانتمائية، كالوطن والقومية واعتناق الديانة وحزبه السياسي ومنهجه الفكري وناديه الرياضي وجنسه ومهنته.
في حفلة «هَاديسا»، لم أرَ أيّ وجود للحاجات الجديدة والقديمة في عقلية الجيل التركي الجديد، كانوا بعيدين جداً عن روح الانتماء للوطن وتقديس العلم، رغم أن المناسبة كانت لذكرى يوم النصر التركي على دول الحلفاء عام 1922 بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، بل العكس كانوا متعطشين لرؤية جمال ومفاتن وإغراءات «هَاديسا»، التي بدورها لم تبخل على جمهورها أبداً، حيث أتت مرتدية تنورة قصيرة جداً وصدراً مكشوفاً إلى حدّ ما، وكأن الوطن والانتماء بالنسبة للجيل التركي الجديد هو تلك التنورة الحمراء القصيرة، وذاك الصدر الجميل المعرّق جراء الجوّ الحار، والملتمع من كثرة إضاءات المسرح. 
قبل أن نصل الحفلة، كان الصغار والكبار يتوافدون وبكثرة نحو المسرح، تأمّلت نبرة الخطابات السياسية والوطنية من الشخصيات البارزة ومسؤولين أتراك، عدد الجمهور تخطّى 5000 شخص، غالبيتهم يحملون أعلاماً تركية صغيرة، وفي كل كلمة خطابية تتعلق باسم تركيا أو مصطفى كمال أتاتورك أو الاستقلال أو الحرية كان نصف الجمهور يسخر من الخطاب الرنّان، والربع من النصف الآخر يلتزم الصمت، والربع الأخير يرفع العلم عالياً ويهتف ويصرخ جاعلاً فمه صفارة إنذار، معلناً انتماءه للوطن التركي. 
رغم أنني سأتعرّض إلى نقد جارح وكلام قاسي، أو قد تتخطى إلى اتهامات وخيانات «على مَن سيتهمني بالأردوغانية، عليه ألا ينسى الأربعين مليون متواطئ كوردي في تركيا، الأجدر به أن يحاربهم ولا يحاربني»، إلا أنني أحترم العلم التركي، ليس حبّاً بأردوغان ككاريزمة سياسية وقيادية ولا لحكومته الذكية على شعبه ولا لجمال الطبيعة والحضارة التركية، وإنما لأنني أتحامى تحت ظلّ هذا العلم ولو بشكل مؤقت، ولأن هناك الآلاف من الأتراك الأبرياء استشهدوا تحت رايته، سواء حباً به أو إرغاماً، ومَن لا يحترم علم غيره لن يحترم أحد علمه. 
أخيراً:
لا يكفي الإنسان أن يعيش على أمجاد آبائه وأجداده أو الأحزاب التي ينتمي إليها اسماً، وإنما المطلوب دائماً هو أن يسعى إلى صنع حاضره وتاريخه وبناء مجده، من خلال جهده وعمله المتواصل باتجاه العمران الخارجي والتقدّم الداخلي، ليتجاوز مِحن واقعه وتحدياته، وهذا بطبيعة الحال يتطلّب الانفتاح على حركة الحياة كلها، وذلك من أجل بلورة الفكر والرؤية الجديدة والمنهج الجديد والأساليب الجديدة، التي تمكنه من بناء تجربته وتطوير واقعه وتعزيز بناء انتماءه الوطني.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

تبرز أهمية مهرجانات الشعر بوصفها فضاءات ثقافية تجمع الشعراء والمثقفين والجمهور، وتمنح الشعر الكردي فرصةً للاستمرار والتطور والانتشار. خاصةً أن الشعر يُعدّ من أكثر الوسائل تأثيرًا في نقل اللغة بين الأجيال. فعندما يجتمع الشعراء لإلقاء قصائدهم سواء كانت باللغة الام ام باللغة العربية، فإنهم يساهمون في إحياء المفردات والتعابير الكردية وإبراز جمال اللغة وقدرتها على…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من السهل أن يسأل الكاتبُ: إلى أين أنتمي؟. السؤالُ في الظاهر بسيطٌ، لكنَّه حين يخرج من فم كاتب أفريقي عاشَ الاستعمارَ، وورث لغته، وغادرَ بلدَه، ثم وجد نفسه يكتب من فضاء آخَر، يتحوَّل إلى سؤال ثقيل، يكاد يكون سؤالًا عن الحق في أن يكون الإنسانُ نَفْسَه.

الكاتبُ…

جوان سلو

“أخطط لمواصلة الاستفادة من استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة رواياتي، مع السماح لإبداعي بالتعبير عن نفسه على أكمل وجه”
(سي إن إن بالعربية 20 يناير 2024).
هذا ما قالته الكاتبة “ري كودان” الفائزة بجائزة الرواية اليابانية لعام 2024، والبالغة من العمر 33 عاماً، حيث أنها اعترفت بأنها حصلت على مساعدة من مصدر “غير مألوف” أي…

نصر محمد
ألمانيا – هيرنه / 2026

لم أكن ناقداً يوماً ، كنت قارئاً فقط . قارئاً كسولاً كما أصف نفسي دائماً ، يبحث في مكتبته في هيرنه عن كتاب ينسيه الحنين إلى عامودا ، فيصادف ديواناً أهداه له صديق بخط يده : ” إلى صاحب الشعور المسؤول الممتلئ محبة وإنسانية “.

هكذا بدأت هذه القراءات . لم…