صرخة من بين القمامة.. قصة قصيرة

ماهين شيخاني

خرج أبو خالد مع أول خيط من ضوء الصباح. كانت المدينة تستيقظ ببطء، كعجوزٍ أنهكته الحروب. المحال ما تزال مغلقة، والشوارع نصف فارغة، والريح تدحرج أكياس النايلون بين الأرصفة المهملة.

كان في طريقه إلى عمله قرب سوق الهال، حيث تتكدس الشاحنات والخضار والوجوه المتعبة. وقبل أن يصل بقليل، مرّ بجانب المكب العشوائي الممتد على أطراف المدينة؛ جبل صغير من القمامة يزداد ارتفاعاً كل يوم، كأنه شاهدٌ على خرابٍ لا ينتهي.

في البداية ظن أن الصوت الذي سمعه مواء قطٍ جائع.

توقف.

أصغى.

عاد الصوت مرة أخرى.

أنينٌ ضعيف… متقطع… يشبه محاولة الحياة الأخيرة للتشبث بنفسها.

اقترب بحذر.

خطا بين أكياس النفايات وبقايا الكرتون والزجاج المكسور.

ثم تجمد في مكانه.

هناك…

بين أكوام القمامة، كان طفل حديث الولادة ملقى على قطعة قماشٍ ملوثة بالدم. كان جسده الصغير يرتجف من البرد، ووجهه شاحباً كأن الليل ما زال عالقاً عليه.

وحول القماط كانت جرذان المكب الكبيرة تتحرك مذعورة بعد أن أفزعها اقترابه.

صرخ أبو خالد بأعلى صوته:

— يا ناس!… تعالوا بسرعة!

وخلال دقائق تجمّع المارة وأصحاب المحال القريبة.

حدّق الجميع في المشهد بصمتٍ ثقيل.

امرأة وضعت يدها على فمها وبكت.

رجل عجوز تمتم:

— يا ساتر يا رب…

وشابٌ غاضب صاح:

— أي أم هذه التي ترمي طفلها بين القمامة؟!

لكن أحداً لم يجبه.

كان الطفل ما يزال حياً.

يبكي بصوتٍ واهن، كأن الهواء نفسه أثقل من أن يدخل رئتيه الصغيرتين.

حمله أبو خالد بين ذراعيه.

شعر بحرارته الخافتة.

بنبضه الصغير.

وبرائحة الدم والحليب المختلطة برائحة النفايات.

في تلك اللحظة، لم يستطع أن يمنع نفسه من التفكير:

من هي أمه؟

هل كانت فتاة خائفة من فضيحة لا ترحم؟

أم امرأة جائعة لم تعد تملك رغيفاً إضافياً لطفل جديد؟

أم ضحية حربٍ سحقت البشر حتى صاروا يتخلّصون من أحلامهم كما يتخلصون من القمامة؟

لم يعرف.

ولم يعرف أحد.

وصلت سيارة الإسعاف بعد قليل.

أخذ المسعفون الطفل بسرعة، وانطلقت السيارة وصفارتها تمزق سكون الصباح.

وبقي الناس واقفين يحدقون في المكان الذي وُجد فيه.

بعد أيام، تناقلت المدينة الخبر.

الطفل نجا.

وأصبح حديث الناس جميعاً.

بعضهم لعن الأم.

وبعضهم بكى عليها.

وبعضهم اكتفى بالصمت.

لكن الحقيقة ظهرت بعد أسابيع.

حين عثرت الشرطة على امرأة شابة في أحد الأحياء الفقيرة.

كانت مريضة، هزيلة، تعيش وحدها في غرفة شبه مهدمة.

اعترفت بأنها أم الطفل.

وحين سألوها لماذا فعلت ذلك، انهارت باكية وقالت:

— لم أرمِه ليموت…

نظر المحقق إليها باستغراب.

فأكملت وهي تنتحب:

— رميته هناك… لأنني كنت أعرف أن الناس يمرون من ذلك الطريق كل صباح.

سكتت لحظة.

ثم قالت:

— كنت أبحث له عن فرصة حياة… أكثر مما كنت أملكها أنا.

في تلك اللحظة، لم يعرف أحد في الغرفة من الذي كان يحتاج إلى الرحمة أكثر…

الطفل الذي وُجد بين القمامة…

أم الأم التي أوصلته إليها بيديها.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وببالغ الحزن والأسى، تتقدم هيئة تحرير موقع ولاتي مه بأحر التعازي وأصدق المواساة إلى الزميلين العزيزين الأستاذ حواس محمود والأستاذ فواز محمود بوفاة والدهما المغفور له، بإذن الله، سلمان حاج سليمان (أبو زيد)، الذي وافته المنية اليوم.

وإذ نشارك الزميلين وأفراد أسرتهما الكريمة هذا المصاب الأليم، نسأل الله تعالى…

صبحي دقوري

لم يعد سؤال «أين الفيلسوف؟» سؤالًا عن غياب أشخاص أو ضعف مؤسسات، بل عن هيمنة ما يمكن تسميته بـ«الثقافة السائلة»؛ أي ذلك النمط الذي تتدفق فيه المعاني بلا ثبات، وتُعاد صياغة القيم وفق منطق السرعة والتغير المستمر. ضمن هذه السيولة، لا تُقاس قيمة الأفكار بعمقها، بل بقدرتها على التكيف السريع مع تدفق…

سعيد يوسف

في القرن السادس قبل الميلاد، كان العالم الاغريقي على موعدٍ مع ولادة كلمة جميلةٍ في حروفها، سلسة في لفظها، جليلة مهيبة في معناها، رحبةٌ في تعريفاتها، مفتوحة في موضوعاتها. لم يدُر بخلد أحد وقتذاك أن هذه الكلمة سوف تعبر الآفاق وتجتاز القارات والمحيطات لتغدو من أشهر الكلمات، وأكثرها تداولاً في لغات العالم قاطبة، إنها…

اكرم حسين

في صبيحة صيفية أشرقت فيها الشمس كجمرة ذائبة فوق مدينة النورين، والسماء صافية كمرآة لا تعكس إلا زرقة لا يشوبها اي شيء . سكنت المدينة هدوءها المعتاد ، إلا قاعة المؤتمرات التي تموج بالوجوه التي أتعبتها السهرات وأرهقتها الكلمات، وجوه حفرت في صفحات الكتب ما تبقى من عمر، وجاءت من أقاصي المحافظة…