حكاية متسكع

بقلم:نوزاد جعدان

((عذاب المنحوسي)) شابة في بداية العشرينات من عمرها تحب نفسها كثيراً وتهتم بجمالها أحبت في يوم من أيام الربيع زميلها في الجامعة…

((مخلص ألوفائي)) الذي كان شخصاً كثير التلاعب بالنساء يبدلهن يومياً كما لباسه فهو ابن تاجر غني و كبير شكله الثعلبي الأخاذ كان يسلب عقول النساء  ويحوز على قلوب الفتيات و متعمداً تجاهله مشاهدة الفتيات الحائمات من حوله بالتركيز على سيجارته الطويلة.

استدرج (مخلص) في إحدى الليالي (عذاب) إلى بيت من بيوته وما أكثرها من بيوت وزرع في رحمها صرخة تعلو صوتها وتنذر بالفضيحة.
هرب (مخلص) وسافر للخارج لمتابعة تحصيله العلمي وترك (عذاب) وحدها تجني ما اقترفته بطيشها.
جاء الخريف الحزين مسرعاً وبدأت تشعر (عذاب) بحركات جنينها، فكانت ضرباته قوية وكأنه يؤنبها ويحملها السبب وأخيراً أخبرت عذاب أمها وبعد مشاحنات وجدت الأم أن لا مفر لها إلا أخذها إلى منطقة نائية بعيدة عن الريف والمدينة حتى تلد هناك كان والد عذاب غنياً ولهم بيت على سطح الجبل وجاء الشتاء وبدأ بطن (عذاب) يكبر وفي ليلة من ليالي الشتاء الباردة حيث كانت فيه السماء حبلى وفي حالة خطيرة ولد ابنها ولم يكمل بعد أشهره التسعة فقررت وأمها التخلص من وصمة العار هذه فرموه إلى دنيا مظلمة أكثر من رحم أمه وظالمة أكثر من قلب أمه وهربا إلى المدينة ليكملا حياتهما وتاركين الطفل المسكين بين أنياب القدر الأقسى من أسنان (مخلص) على جسد عذاب بقي الطفل في أحضان الطبيعة مدة ساعتين وهو يبكي فهل من مستجير!!!

مع مجيء الصباح يولد أمل جديد ينسينا ظلام الليل فها هو الصياد ماهر يمر من هناك ليسمع صوتاً نعم إنه صوت ولد صغير يركض ويحمل الطفل ويأخذه إلى دار الأيتام ليطلقوا عليه اسم
((فرحان ألضحوكي))
كبر (فرحان) في دار الأيتام ونال الشهادة الابتدائية وترك الدراسة بعدها وعندما شد عوده ترك الريف ليغادر إلى العاصمة فغرق في شوارعها بلا عمل وبلا مأوى ليتخذ من الأرصفة سريراً له حتى الشوارع مدت أعناقها في وجهه ولم تشتهيه سوى الأرصفة ظلّ (فرحان) يشحذ في شوارع المدينة ويتسكع من شارع إلى شارع إلى أن لمح شباك بيت مفتوح وتظهر فيه فتاة جميلة عليها ملامح الغنى والثراء وكأنها سيدة مجتمع فغنى قلب (فرحان) وشعر بحرارة في جسمه أنسته برودة الطقس، فلم يكن ينقصه سوى الحب.
بقي (فرحان) يحب ذلك الشارع فكان يقف أمام بيت الفتاة   ويتأمل الشباك لعله يجدها  ويلمحها فيرقص قلبه…….
أوصى (فرحان) صديقه الوحيد عامل التنظيفات((أمير ألفريدي))- الفتى ذو الحجم الصغير المعتدل ومشهور بشعره الأحمر المنفوش ويضع نظارة مربعة وكبيرة و قبعة صوفية طويلة الذنب ممزقة الجنب وبشرته فاتحة كالقمح – بأن يحضر معلوماتاً
له عن ذلك البيت.
كان (فرحان) عندما ينام يحضر كرتوناً كبيراً ويضع نفسه فيه وفي ليلة من ليالي الشتاء الباردة والثلج يهطل قرر (فرحان) وضع كرتونه أمام منزل من البيوت وقرر النوم فيفاجأ بصوت قدم تضرب فرشته المسكينة فعندما يفتح عينيه تتسع لتدرك الوجه الواجم بأنه صاحب البيت ويأمره بالابتعاد من أمام بيته قائلاً: اغرب من هنا يا وجه الكعكة!
هرول (فرحان) مسرعاً متوجهاً إلى شارع حبيبته فإذا به يسمع أغنية من ترانيم الميلاد ولم يكن يدري أنه ربما سيكون يوماً مصيرياً له أيضاً كان يتحسر دائماً ويقارن وضعه بالآخرين الذين يتدفئون عند الموقد أو الأطفال المصفوفين أمام محلات الحلوى والهدايا والألعاب (ففرحان) لم يكن في يوم من الأيام طفلاً ولا شخصاً كهلاً مثقلاً بالآلام لا يعلم أي شيء عن ماضيه فخطوات الحزن كانت أشبه بالسلحفاة بينما خطوات الفرح كانت طيفاً لم يره بعد.
كان (فرحان) يردد أغنيته المشهورة((الحياة مشكلة والموت مشكلة فأين المفر!!؟….))
استقر (فرحان) ووضع كرتونه أمام منزل حبيبته فلمحها وهي تحضر شجرة الميلاد فشعر بالأمان ونسي هم الحياة وظلمها ويشعر بنبضات قلبه تصدر ألحاناً لا تعزف إلا عندما يلمحها ونشوة تدعه يحب كل شيء يتعلق بالفتاة فعندما تهبط بثوبها الأسود والمرقط بالورد ألجوري الأحمر القاتم وبيدها البيضاء ترمي كيس القمامة فينقض عليه كقطٍ شره. مرت نسمة ريح بمرور شخص يمشي بالقرب من (فرحان) وبيده سيجارة يقترب منه (فرحان) بلهفة يطلب منه سيجارة يدفعه ذاك الشخص ذو اللباس الأنيق والملامح الغنية ويشمئز منه بإبعاده بأطراف أصابعه.
ابتسم الحظ (لفرحان) مرة عندما مرَّ ولد صغير وبيده سيجارة فصادف الولد أباه الذي يضع نظارة سميكة فتخلص منها كما تخلصت (عذاب) من ابنها (فرحان) فهجم عليها والتقطها بكلتا يديه وسحب سحبته الأولى فدارت الدنيا فيه ورأى نفسه في دخان السيجارة الضبابي شخصاً غنياً وبملابس أنيقة وكثيراً ما تمناها في واجهات المحل الفخمة وبلورها الزجاجي يفصله عنها, ويجد نفسه مع حبيبته يحضرون شجرة الميلاد فيحاول أن يعانقها فتحرك إصبعها معبرة عن لا! مع ابتسامة ساحرة وتقدم له وردة بنية اصطناعية يتأملها بشغف ويبتسم ويقوم بالتهامها ,فيصحا ويشعر برعشة لتكاثف هطول الثلج ويلمح عاشقين مشبوكين معاً يمشون في الشارع فيتحسر متأوهاً ويسحب سحبته الثانية من السيجارة.
تتكاثف غيوم سيجارته ليرى نفسه يرقص مع حبيبته فيحاول أن يطبع قبلة على يدها فتدخل قطرة ماء في عينيه من الشرف التي تغسل من الأعلى فيستيقظ مجدداً ويفكر مخاطباً نفسه: ما هذا يا ترى هل أحبها حقاً أم يروق لي مظهرها عجباً لأنها سيدة مجتمع وغنية فهل أحب مركزها ويسحب سحبته الثالثة من سيجارته التي شارفت على الانتهاء فيتخيل هو وحبيبته يمشون في الشارع ويدخلون إلى بناء منزلهم وهم يصعدون الدرج يلاحقه ذاك الشخص الذي رفض إعطاءه السيجارة فيرى ذلك الرجل الغني يناشده بإعطائه السيجارة ولكن فرحان ينظر إليه بسخرية ويبعده بساقه فيستيقظ من حلمه راضياً ومبتهجاً ليجد أمامه حبيبته تمشي وبيدها أغراض أمعن (فرحان) النظر فيها وبادلته النظرات فاقتربت منه ونظرت نحوه بحزن لتضع قطعة نقود أمامه ولم يدرك (فرحان) أنها كانت تشفق عليه لا أكثر وتلتفت إلى الخلف لتعود إلى بيتها.
حزن (فرحان) حزناً عميقاً وكأن قلبه مغروز بالسهام ويتقطر دماً فهبت ريح قوية واشتدت العاصفة وهاجت وخلا الشارع من الناس ولم يبق سوى (فرحان) لحسن الحظ بقي أمله الأخير وسحبته الأخيرة من السيجارة فيتمسك بها ويضغط عليها بشفتيه متأملاً ان ينتقم من موقف حبيبته حتى ولو كان في الأحلام.
إلا أن القدر و الحزن هما أصدقاء (فرحان) الدائمين   لا يفارقوه برهة فأولاد الحارة الأشقياء صعدوا إلى سطح البناء و قاموا برشقه بالماء ليطفئوا بها أحلامه و سيجارته مشبعين غريزة الضحك عندهم شاعرين بان الفقير مهرج بالفطرة و ليقولوا (لفرحان) ((كل موت و أنت بخير)) فكتبوا نهاية (لفرحان) الذي ذاق الموت في كل لحظة و بقي يتأمل في الحياة الا ان الحياة خذلته فجمدت قلبه و جسده و يرقد في مكانه بسلام .
في غضون ذلك صديقه(( أمير ألفريدي))جاء بالأخبار فالمنزل لسيدة أرملة مشلولة توفي زوجها في الحرب و اسمها ((عذاب المنحوسي)) وإن الفتاة التي في المنزل ما هي إلا خادمة في المنزل تعمل و تنظف لهذه السيدة واسمها ((ملكة الأميري))..اندهش (أمير) لمنظر صديقه و رفيق دربه وهو متجمد و نظر إلى شباك ملكة ووجده مغلقا فقام بحمل فرحان و دفنه في مقبرة عليها شجرة صنوبر واسعة الظلال لعلها تبقى ظلا يحميه و مرقدا أوسع من الدنيا الزائفة التي رفضته.  
         
 
   

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صدرت حديثاً عن منشورات رامينا في لندن رواية الكاتب والفنان السوري إسماعيل الرفاعي بعنوان “نقوش على خشب الصليب” وهي عمل يضع القارئ منذ العتبة الأولى أمام مجاز كثيف ومركَّب، حيث يتحوّل الخشب إلى حامل للصلب، والنقش إلى كتابة فوق الألم، واللوحة إلى مرآة للروح.

الرواية تقدَّم على هيئة “فهرس نقوش”، في إشارات تشي بأن الفصول التي…

غريب ملا زلال

منذ أكثر من خمسين عاماً و الفنان التشكيلي محمد أمين عبدو يتنفس اللون، فمنذ عام 1975 و هو يعارك اللوحة بفاعلية مؤكدة يبقيه على الجذر الإنساني، و هذا ما يجعله يؤكد و بثقة العارف بعمران المكان بأن عمليات الإزاحة التي يقوم بها للوصول إلى نتيجة لماحة تحدد له وجهته…

ا. د. قاسم المندلاوي

في هذه الحلقة نقدم للقارئ الكريم نبذة مختصرة عن فنانين من تركيا مدينتهم الجميلة (قامشلو) بسبب الاوضاع العنصرية والشوفينية في سوريا ابان نظام البعث الفاشي والجماعات الارهابية التكفيرية الظالمة. وعلى الرغم من الظروف القاسية استمرا في العطاء الفني خارج البلاد وتحديدا في المانيا واسبانيا واستطاعا المزج بين (الموسيقى…

في مثل هذا اليوم، 31 آب، تمر الذكرى السنوية لرحيل الفنانة التشكيلية الكوردية المبدعة سمر عبد الرحمن دريعي، التي رحلت عن عالمنا في ألمانيا عام 2023، لكنها بقيت حاضرة في وجداننا وذاكرتنا كإحدى أبرز الأصوات الفنية النسوية في تاريخ شعبنا.

لقد كانت الراحلة أيقونة فنية وإنسانية، حملت بألوانها وقوة ريشـتها قضايا المرأة الكوردية وآمالها، وجعلت من…