الثقافة الكردية في مواجهة العولمة

هوزان المرعي ــ ديرك

يشهد المجتمع الدولي منذ زمن تحولا في الوضعية القائمة ارتكز على اتساع الاندماج والتفاعل الواسع والمتعدد المظاهر بين دول الكرة الارضية , ولذلك فإن الكثير من أنماط السلوك والتفكير وأساليب الحياة والرؤى والقيم والعادات التي سادت في المرحلة الماضية مرشحة لتبدلات ربما يكون بعضها جذريا . وقد تجسدت هذه المتغيرات في ما يسمى ((العولمة)), لنجد أنفسنا اليوم إزاء حدث كوني ندخل معه في العصر الكوكبي بآفاقه ومجالاته , بثوراته وتحولاته . هذا العصر تختصره أربعة عناوين كبرى لفتوحات وقدرات وتكتلات وابتكارات تؤثر في حياة البشر وتهيمن على مقدراتهم ومصائرهم وهي : الاقتصاد الالكتروني , والمجتمع الإعلامي, والمجال التلفزيوني أو البصري , والفضاء السبراني الذي يعني القدرة على السمع والرؤية واللمس والمراقبة والتحكم من على بعد.
فهي بحق الظاهرة التاريخية لنهاية القرن العشرين أو لبداية القرن الواحد والعشرين , مثلما كانت القوميات في الاقتصاد والسياسة والثقافة هي الظاهرة لنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين . إن العولمة تحاول إزالة التنافر الثقافي بين الاقليميات والقوميات والعرقيات المختلفة وتحاول أن تقرب الجميع إلى نمط عالمي منفتح من الثقافة الكونية المتفاعلة مع أحداث كونية متأثرة بها سلبا أو إيجابا .. ذلك أنه لا توجد ثقافة بمعزل عن التأثير بغيرها من الثقافات إيجابا أو سلبا لأن تحصين ثقافة أي أمة أو انغلاقها يعني تقوقعها وتشرنقها بحيث تغزل نسيجها من ذاتها فتغدو كالمياه الراكدة اي انها تنبت بذور فنائها بذاتها لأن الثقافة الحية أو التي تريد ان تظل حية هي التي تظل متواصلة متلاقحة مع كل الثقافات بما يمكنها من مواكبة المرحلة التي فيها . وإن شعورنا بغزو ثقافي هو عقدة نقص يحملها شعور المغلوب المهزوم , أمام تفوق الغالب المنتصر المتفوق , فالغرب وثقافته وأفكاره ليس كلها مهتمة بالشرور والأمتهان للآخرين , بل فيها الوجه المشرق والحضاري على صعيد المعرفة والعلوم الطبيعية والانسانية والعقلانية والنسبية التي حذقت شعوب أخرى بإستثمارها والاستفادة منها ووظفتها في نهضة بلدانها , كما فعلت اليابان ودول النمور الآسيوية ,حيث رفعت شعار : (( أخلاق شرقية …… وعلوم غربية)) هذا ما فعلته اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية وماليزيا حيث تمثلت الجانب المعرفي والعلمي والعملي للحضارة الغربية وهضمته وأضافت إليه الجديد .

 إن التفاعل الثقافي بين الشعوب ليس مطلوبا فقط , بل هو واجب تمليه المصالح الوطنية والقومية والحضارية والإنسانية , لذا يجب أن نفتح عقولنا وحدودنا لشمس المعرفة العلمية التي هي عصارة الفكر الإنساني دون شعور بالنقص أو القصور , مهما كان مصدر هذه الثقافة أو تلك المعرفة , غربية كانت أم شرقية ,وإن إندماج بلد ما / وخاصة ذاك الذي يشكو من خمول بل شلل ثقافي /في الثقافة العالمية يشكل نوعية وتوعية ثقافية . ورب العزة في كتابه الكريم يقول : (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ……..). هذا الاندماج يعلم كيفية الارتقاء بآليات التأقلم الإيجابي مع خطر العولمة وبالتالي كيفية الإسراع لردم الهوة من خلال التنافس الفكري سواء على الصعيد الفردي أو المجتمعاتي ككل . مما يؤدي إلى تحقيق مكاسب عديدة له أولها تعزيز ودعم وحماية خصوصية المجتمع الثقافية , ما يعني صموده أو بالأحرى تقدمه وتطوره لأن التطور يعني مقاومة الخطر أولا وأخيرا ………. نهاية ليس بمقدور أي إنسان أن ينأى عن تأثير العولمة وإلا بقي في عزلة أبدية من التهميش والتبعية ليس محليا فقط بل عالميا ايضا . وعليه فإي بلد عليه إما التأقلم الايجابي مع العولمة أو التعرض السلبي لتهديدياته فثقافة العولمة ضرورة لمواجهة عولمة الثقافة.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليست المشكلة في الأعمال الكبيرة أنها كبيرة، ولا في المشاريع الطويلة أنها استغرقتْ سنوات من صاحبها، وإنما المشكلة تبدأ حين تتحول ضخامة العمل إلى حُجَّة ضمنية على صحته، ويصبح اتساع المادة بديلًا عن صرامة السؤال، وتصير كثرة الصفحات بديلًا عن قوة البرهنة.

من هذه الزاوية تحديدًا ينبغي أن…

عامر عثمان ” إيفان “

لَنْ تَكُونَ المَدِينَةُ فَاضِلَة

وَلَنْ يُرَتَّبَ الزَّمَنُ حَيْثُ نَكُون

أَضْحَتْ كُلُّ الوجُوهِ رسُومَاً دُونَ تَفَاصِيل

أَمَا آنَ للموَازين أَنْ تَرَتِّبَ العَدَالَة العَاقِر ؟

فَلا كِيميَاء كَمَا نَقَاء إِيمَان السَّمَاء

العِلْويّ الرَّزين

أَبَدَاً . . .

لا كِيميَاء . . .

 

عبد الستار نورعلي
في الليلِ
ناداني الكتابُ
وفتَّحَ الأبواب، قالَ:
“هيتَ لكْ”!
أسرعْتُ..
ملهوفاً إليهِ،
دخلْتُ فصلاً….
بعدَ فصلٍ….
بعدَ فصلٍ….
بعد…..
لم أجدْ..
،”فصلَ الخطابِ”؛
حتى أضعْتُ
وفي غيابي
بينَ طيَّاتِ الحسابِ
رقمَ السُّؤالِ،
رقم الجوابِ،
لكنَّ “مصباحَ ديوجينوسَ”
أهداني القرارَ،
وسلَّمَ
عنْ طيبِ خاطرِهِ
مفاتيحَ الجوابِ،
فنمْتُ….
والأبوابُ مُشرعَةٌ،
وفي أيدي الليالي..
كانَ رأسي (جَرَّةً)،
تسكبُ ماءَ العينِ
في كؤوسِ جُلَّاسي:
منَ الأقلامِ
والأوراقِ
والكلماتِ
عشّاقِ الشَّرابِ….

(الخميس 30 نيسان 2026)

صدر للروائي والناقد هيثم حسين كتاب جديد بعنوان «أثر الرواية»، عن منشورات رامينا في لندن، وهو كتاب نقدي وتأملي يتناول فن الرواية من داخل تجربة الكتابة نفسها، ويتتبع مجموعة من الأسئلة المتصلة بالسرد والخيال والذاكرة والشخصيات والحبكة والعنوان والغلاف، وصولاً إلى علاقة الرواية بالفلسفة والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر.

يتحرّك الكتاب في منطقة التماس بين السرد…