مسلسلات «مش حتقدر تغمض عينيك..» شهوة الفن الذي يبيض ذهباً هذه الأيام

عمر كوجري

بدأت فورة الدراما السورية في هذا الموسم الرمضاني غزيرة كعادتها، متكافلة مع شقيقاتها من الدراما العربية من خليجية ومصرية ومؤخراً سودانية ويمنية وليبية، فتجاوزت باقتدار وهمة أكثر من مئة مسلسل تلفزيوني، حيث لاهَمَّ للقائمين على هذه الأمور غير التسويق والبيع والأرباح الفاحشة في شهر يفترض أن يكون شهر قيام وعبادة وتنسك لاشهر بذخ وترف وقدود مياسة.
ويبدو أن هذه الأقنية لاتكترث بالمشاهد المسكين الذي «يغرب خلف الرزق وهو مشرق.. وفي جفنه الشوق للكرى» على حد تعبير الشاعر الراحل «إلياس فرحات» بعد عناء عمل مضن حيث تترصده قوائم الفواتير من كل جهة، ومتطلبات العيش العسيرة، وتشد الخناق عليه حتى تقطع أنفاسه، وتمص ماتبقى فيه من روح في موسم بورصة الدراما المشغولة خصيصاً لشهر رمضان.
وفي نظرة خاطفة يتبدى لنا شهوة السوريين من منتجين ومخرجين وممثلين لخوض غمار الفن الذي يبيض ذهباً هذه الأيام، ويحول المعوز في سنوات قليلة إلى ثري يحميه أشخاص عضلاتهم مفتولة، وعلى عيونهم نظارات سوداء، ومركوبهم السيارات الفارهة والخدم والحشم.
الدراما السورية كانت لها حصة الأسد ــ كما في كل موسم رمضاني ــ من الناحية الكمية حيث تكتسح حالياً الفضائيات، والقنوات الأرضية العربية،وهي تسعى جاهدة إلى إرضاء أذواق جمهورها، ومخاطبة السويات الاجتماعية المتعددة، فتعددت مشارب هذه الدراما من تاريخية إلى اجتماعية إلى معاصرة إلى استحضار التاريخ وإسقاطه على الواقع، إضافة إلى بعض المسلسلات الكوميدية والمنوعات، والبرامج الترفيهية، وبرامج المسابقات التي تجعل السوريين وفي لحظة واحدة يتناسون كآباتهم اليومية، ويضغطون بتلهف واضح على أزرار الهاتف الذي لايستجيب لتوسلات الغلابة من تعيسي الحظ لعلهم يظفرون ببعض النقود التي تعينهم على مصاريف العيد الكثيرة، فتذهب الهدايا الدسمة المقدمة من شركات العلكة والمحارم والشيبس إلى أناس آخرين تماماً.. واشتغل خيال السوريين في هذا المنحى إلى حد أن البعض يقول إن الهدايا المعتبرة تعود إلى أشخاص بعينهم.
في بداية العمل بإنتاج الدراما السورية هذه السنة قيل إن ثمة مؤامرة دولية تشترك فيها أطراف مشبوهة لمحاصرة الفن السوري والدراما السورية. وعزا البعض إلى أن بعض الشركات المصرية وراء هذه المحاصرة بسبب ما أشيع أن السوريين تفوقوا من ناحية الإبداع في التمثيل على أقرانهم من أرض الكنانة .. وبالفعل خرجت بعض التعليقات، وتوترت الأجواء بين أقطاب الدراما السورية، والدراما المصرية غير أن الأمور هدأت، وتبين فيما بعد أن لاصحة للشائعات المغرضة بدليل أن العديد من الممثلين السوريين أخذوا أدوار البطولة في العديد من المسلسلات والبرامج المصرية «تيم حسن ــ جمال سليمان ــ سوزان نجم الدين ــ سولاف فواخرجي ــ وغيرهم» لكن حبل الإشاعات كرَّ ثانية ليقول إن هذه محاولة لضرب الفن السوري عبر إغداق الأموال على الممثلين السوريين، لجذبهم للعمل خارج خيمة الوطن، وبالتالي إحداث انتكاسة لهذا الفن والقائمين على أموره.
المسلسلات التي تعرض على الفضائية والقناة الأرضية السورية كثيرة إلى مستوى تجعلنا في دوامة وغابة من الأعمال حيث لاجديد يستحق التضحية براحة المرء من أجل الظفر بالمشاهدة… فالممثلون والممثلات يقومون ببطولة الأعمال نفسها، والوجوه هي هي، ويبدو أن الكثير بات يفكر في غزارة العمل على حساب الإبداع .. والطامة الكبرى أن موضة الأجزاء لاتنتهي من الدراما السورية حيث أن أحد الأمور التي أدت إلى تراجع الدراما السورية استثمارها للنجاحات السابقة، فتكر سبحة الجزء الثاني والثالث والرابع والـ ..
الدراما السورية لاتعيش عصرها الذهبي مطلقاً رغم غزارة الأعمال، والأفكار والسيناريوهات تتكرر بشكل فج وممجوج، وتجاري. والدخلاء والمتسلقون والأميون من حديثي النعمة من المنتجين كثر، وعندهم قدرة فائقة على طمس معالم الجمال والألق والإبداع في الفن السوري.

أكثر من مئة مسلسل ينتظر المشاهد ليكحل عينه بالانتصارات التي نحققها على الأعداء، والحياة الرغيدة التي تعيشها الشعوب العربية، فهل سيكون بمقدوره أن يغمض عينيه؟؟ أم أنه مثلي سيغلق التلفزيون إلى إشعار آخر!!؟؟

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ثَمَّة تاريخ لا ينتهي حين تنتهي الحروب، ولا يهدأ حين تصمت البنادق، ولا ينام حين تُغلق السجونُ أبوابَها، ولا يختفي حين يُدفَن الموتى في التراب. هناك تاريخ آخر، أكثر عنادًا، وأشد التصاقًا بالإنسان، يواصل حياته في الذاكرة، ويعيش في الجسدِ، ويتوهَّج في اللغةِ، ويتدفق في الخوف الذي لا…

عصمت شاهين دوسكي
يَشْقِينِي صَمْتُكِ إِنْ غَارَا
كَصَمْتِ اللَّيْلِ إِنْ سَارَا
فِي الْكَرَى عَلَى وِسَادَةٍ
تَحْلَمِينَ بِلَوْعَةِ نَارِكِ نَارَا
وَتَمُرُّ الذِّكْرَيَاتُ كَمَا كَانَتْ
تَضُجُّ بِالْحَنِينِ تَارَةً وَتَارَا
رَأَيْتُ سَرِيرَكِ الْمَعْنَى يَشْكُو
تَرْكُ آثَارِكِ الْوَرْدِيَّةِ تَدَارَا
آهْ مِنْ شَوْقٍ يُدْنِينِي
حِينَمَا أَرَاكِ يَحْمِرُ حارَا
***
يُشَتِّتُنِي قَلْبُكِ الَّذِي يَطِيبُ
بِالْمِسْكِ وعِطْرُكِ غَرِيبٌ
أَدْنُو مِنْ أَشْيَاؤُكِ الْجَمِيلَةِ
أَشُمُّهَا كَأَنِّي فِي جِنَانِ الطَّيِّبِ
أَوَدُّ أَخْذَهَا لَكِنْ قَلْبِي يَرْتَجِفُ
كَأَنَّ نَبْضَ قَلْبِكِ مِنِّي قَرِيبٌ
أَرَى مَرْآَتَكِ أَتَخَيَّلُ…

ناصر الشيخ أحمد

منذ البدء..
لم تكن الجبال حجارة
كانت أجسادا تكتم أنفاسها
تنتظر أن تولد امرأة

يمشين..
فتخلع الألوان صمتها
ويسرقن الربيع من حنجرة الثلج
لترتدي الجغرافيا أثوابهن
ويستفز الوادي ظله

جدائلهن..
ليست شعرا
بل فوضى ينابيع
تخرج من كبرياء الأعالي
وتنسج السنابل في جدار الوقت
وتزاحم الناي
إذا حاول الكلام

في العيون..
كحل يعيد عجن الطين
ويبتكر للأرض
سلالة جديدة من الضوء

حين يتكئ الزمان
على معاطفهن
يفككن أزرار الفضاء الرمادي
ويقطفن النجوم كبذور قمح
تزرع في رئة…

أ. د. سماهر زنّون*

تبدو الدراسة المخطوطة للباحث فراس حج محمد، “الفنتازيا الإسلامية: ميتافيزيقيا السرد الإسلامي” علامة ذات أهمية خاصّة في النقد العربي المعاصر، ليس بوصفها استعراضاً نصوصياً لجانب من سرود العجائبية التراثية فحسب، بل لكونها تؤسس لنظام (إبستمولوجي) جديد يملأ ثغرة معرفية في المكتبة العربية تتعلق بمفهوم ميتافيزيقيا السرد ذي الطابع الإسلامي العقدي الصرف، وكوني…