إبراهيم صموئيل في فضاءات من ورق … فضاءات من الإبداع

  محي الدين عيسو

شخصية لا تتخلى عن القصة القصيرة لا بل يعتبرها جزء من حياته الكتابية والإبداعية، والهواء النقي الذي يتنفسه، فالقصة عشقه القديم ، وحلمه المقيم ، وهاجسه المفرد في الأدب، يريد أن يرفع صوته عاليا، وإن يطلق سراح قلمه، وأن لا يكون كغير ممن يطيقون الصمت، ويتحملون التكتم، فهو يرى بأن العين وجدت لترى، والأذن لتسمع، والصوت لينطلق من أي نافذة كي لا يمكث داخل صاحبه .
يعبر إبراهيم صموئيل عن حبه الشديد لفن الكاريكتر مما له من لغة ساخرة فكرة ،ورسماً، وبناءً ، حيث يعبر عن أفكاره ويحاور محاوريه بالدليل الكاريكتيري في حال استعصاء الأمر بالكلام والشعر، ويحتفظ بالكثير من الرسومات ومنها رسم الفنان الأرجنتيني ” كينو ” ، وينتقد من يزور البلاد الغربية ويمدح مثقفيها وسياستها وساستها، وبذلك يشوهون الكثير من الحقائق، ويزورون الوقائع على أمل استقبالهم مرة أخرى في وليمة أو عزيمة أخرى، ويتحدث عن الأحاديث والنقاشات الجارية بين المثقفين والكتاب حين يتعلق الأمر بالأزمات والاختناقات، حيث دائما القول بأن هذه الأزمة عالمية الطابع تعاني منها مختلف البلدان في العالم، لكن حين يزهر حقل لديهم أو تنمو فنون أو تنتشر إبداعات أدبية لا تكون الموازنة ولا ترتفع عندنا الفنون والحقول ولا نقوم بالمقارنة بين كلتا الحالتين . 

إبراهيم صموئيل الذي يرفع صوته عاليا كقامته الأدبية ويتحدث عن صورة العرب لدى الغرب خصوصا والعالم عامة حيث يودع الأمهات الغربيات أولادهم وداعا أخيرا ويذرفنا عليهم الدموع حين يهاجرون إلى البلاد العربية بغية الدراسة أو الزيارة أو السياحة، فسفر الأبناء إلى أي بلد عربي لدى هؤلاء الأمهات مغامرة كبرى في غابة مليئة بالوحوش الكاسرة، ويدعو إلى فسح الطاقات والجهود والأموال لإقناع الغرب بماهيتنا وحقيقتنا وبأننا لسنا كما يتصورون، ويقارن من باب المفارقة الصارخة عدد اللاجئين السياسيين والإنسانيين من أبناء الغرب في أوطاننا ومن نظرائهم من مواطنينا في البلاد الغربية، ويدعوا إنساننا أن يغير ويحسن ويطور ما هو عليه قبل أن يطالب الآخرين بأن يغيروا من صورتنا لديهم، كما ويتحدث عن مجتمعاتنا الذكورية التي تجد المرأة سلعة لا أكثر، فهذا المجتمع الذكوري الذي لا يرحم الكتاب من الرجال في حال الحديث عن مواضيع حساسة كالجنس مثلا، فكيف الأمر سيكون في هذا المجتمع مع الكتابة النسائية التي إذا تجرأت وكتبت عن هذه الأمور، وعبرت عن مشاعرها وأحاسيسها وما يدور في داخلها لأقاموا عليها القضاء الرسمي ومنعوا عنها الهواء والماء . كما يتحدث كاتب القصة القصيرة عن عن قطعان الخوف الذي يعشش بداخلنا ويقارن بيننا نحن شعوب هذه المنطقة ودون كيخوته الذي رفض الهرب ومارس الشجاعة بقناعة وهو الفارس الذي لا يهاب القتال ولا المواجهة، فقد استمد قلبه القدرة والعزم على المحاولة تلو المحاولة تلو المحاولة، ونحن نفتش عن الربح كان يمضي هو نحو الخسارة، فخسرنا في بحثنا وتفتيشنا وربح في مضيه، وخسرنا من عدم تحقيق ما نريد أو عدم إمكانية تحقيقه وربح هو من شرف المحاولة . 

يحاول إبراهيم صموئيل الدفاع عن الكتاب الذي ينتجون أعمالا تشبه تلك الأعمال الأدبية التي بقيت في الذاكرة كقصة تشيخوف وتولستوي في رائعته عن ” الحرب والسلم ” وكافكا وغيرهم من المبدعين الأوائل، وينتقد من يحول هذه الأعمال إلى تماثيل وأصنام ليست للعبادة فقط بل للقياس عليها والمقارنة بها وجعلها ” مرجعا ” لكل المواليد التي كتبت أو ستكتب، ويطالبهم بتحطيم تماثيلهم المعبودة بل بإزاحتها بعض الشيء عن حدقات عيونهم ليتاح لهم تملي جديد الحياة وتعدد ألوانها، وكثرة تنوعها، كما ويقارن بين أعراض  مرض الايدز ونتائجه بالأعراض والنتائج التي تخلقها السياسة في حياتنا حتى بدا الايدز صداعا حقيقيا بالمقارنة مع غول السياسة، حيث أن جميع الندوات والمحاضرات واللقاءات والجلسات يكون غول السياسة حاضرا حتى لو كان الحديث عن الوردة أو الحب أو الجمال أو حالة الطقس،ويتحدث الكاتب عن الأحاديث التي تقول ضاعت فلسطين من كثرة الكلام عنها منذ فجر نكبتها وإلى يومنا هذا، وكثرة الحديث عن الحرية والديمقراطية والمجتمع المدني لم نجني منها سوى المزيد من الأسر والقمع والقهر والديكتاتوريات، ويتساءل ؟ فهل الحل أن نصمت ، ويجد الكاتب بأنه لا مناص من الألم ولا مناص من التعبير عنه ، فالحيوانات تصوت وتصي حين يحاصرها الموت، أو يدهمها الألم، والنباتات تذبل احتجاجا على فقدان الماء أو تعبيرا عن حاجتها أليه، كما ويتحدث عن تجربة نيلسون مانديلا داخل السجن الذي احتضنه لمدة 27 عاما بحيث خرج منه وبقيت ظلاله داخل السجن، ويجد بأن العالم كله مشاركون في هذه الجريمة لأنهم صمتوا على سنوات العتمة التي عاشها مانديلا، وجريمة التواطؤ التي مارستها بعض الأنظمة مع الطغاة آنذاك، كما ويشبه بعض الشهادات التي يقدمها كتاب ومثقفون إثر رحيل مبدع ما بولولات النساء وزعيقهن عن فقدانهن عزيز لهن، حيث أنها تسيء إلى الراحل بدلا من تكريمه ويتضمن هذه الشهادات الكثير من المبالغات والتهويلات على صفحات الصحف والمجلات، وهي لا تنفع شيئا لا بل تضر في حقيقة الكاتب الراحل ولا تحترم من تبقى من الكتاب والمثقفين والشعراء .

وختاما هذه بعض من الأفكار والرؤى التي شرع الكاتب إبراهيم صموئيل بكتابتها خلال ثلاث سنوات في القسم الثقافي من صحيفة الرأي العام الكويتية وجمعها في كتاب تحت عنوان فضاءات من ورق ليقدمها إلى القارئ الكريم في صورة جميلة ومعبرة عن الواقع المعاش في بلداننا التي تعاني من قلة الذين يعبرون عن هموم الناس وعذاباتهم بأسلوب قريب من قلوب من يقرأ الكتاب ويفهم ما بين السطور .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…