في وداع محمد أوزون.. مضاء كالحب، معتم كالظلام

فتح الله حسيني

حينما زار أول مرة الروائي الكوردي الذي يكتب باللغة التركية ياشار كمال مع زوجته آيشه باباين الروائي الكوردي القابع على فراش المرض محمد أوزون في مشفى ديار بكر، قال له “انت كاتب مهم جداً وسيكتشف النقاد ذلك، أنت قامة أدبية كوردية شامخة، وستدخل التاريخ ككاتب كوردي عظيم لأنك تكتب عن هموم الكورد وآمالهم بلغتهم، أنا كوردي أيضاً لكنك أكثر كوردية منا، لأنك كتبت باللغة الكوردية في حين كانت عقوبة السجن تلاحق كل من يتحدث الكوردية”، هذا كان نوعاً من الاعتراف بالجميل تجاه كاتب لم يكتب إلا بلغة شعبه، بعدما كان يشار كمال القامة العالية أدبياً يكتب باللغة التركية.
هذه لم تكن أول ولا آخر شهادة في نتاجات وقامة روائية وأدبية عالية مثل محمد أوزون، أو مامد أوزون كما يحلو لكوردنا الشماليين تسميته، أوزون الذي غادرنا قبيل أيام سيظل جميلاً سواء في حضوره أو في غيابه، في هدوءه، لا كلامه، صمته الأبدي، متكئاً على أفراح وأتراح شخوصه وموسيقاهم وضجيجهم اللامنتهي،هناك، في اختياره الطوعي لمدينة دياربكر، ليموت فيها، ليدفن على مقربة من همه، ومن هموم ووجوه أسماء وشخوص رواياته، في الحب، “في يوم من أيام عبدالي زينكي، أنت، ظل العشق، موت شاب شجاع” …. ومسرات وأحزان الله الأخرى.
محمد أوزون الذي التقيت به، في مهرجان دياربكر الثقافي الأول في نهاية العام 2003 كان هو ذاته، يشبه ذاك الآت الى مكانه الحقيقي، بين مَن يكتب لهم، ليحدثهم عن اوجاعهم التي يدركونها ولا بدركونها، لأننا بالنهاية نحن كنا آتون الى مَن لا نكتب إلا لهم أيضاً، حيث كنت قد قرأت له أكثر من رواية وأكثر من مؤلف باللغة الكوردية، وبالعربية المترجمة اليها، هو نفسه الذي استقطب كل جماهير الكورد في دياربكر التي كانت تفتح أبواب قلاعها الكوردية،وفنادقها الكوردية، وصالاتها الكوردية أمام أول حدث ثقافي مهم في عموم الشرق الاوسط أنذاك وراهناً، كتجربة أولية، للتوالى المهرجان ولتكون لديار بكر السبق الأوسع والأفصح في لم شتات المثقفين الكورد على مختلف لهجاتهم ولغاتهم التي يكتبون بها، من المهب الى تخوم المهب، و ساعة تولي المرحوم أوزون دفة المنصة والحديث عن صرخة دجلة، أحدث جدالاً آخر الى جانب السجالات التي كانت تحوم حول كتاباته، ومدى صدقية كتاباته، حيث هو نفسه الذي أثير حوله وحول نتاجاته الكثير من اللغط والسجال، من جانب الكورد والسويديين والعرب معاً، لذلك كان يراه النقاد الأشبه بالافصاح عن هموم شعبه طالما إنه كوردي، وللكوردي أحزانه الإستثنائية دون غيرها.

في وداع محمد أوزون هذه ليست شهادة له، بل ربما هذه بعضاً من سورة الفاتحة على روح صديق في درب الكتابة، جزء من وفاء تجاه روائي أبدع بلغة شعبه لا بلغة أخرى، جزء من النعي لأصدقاءه ولنا ولأهله ولكوردنا الشماليين أو لجميع الكورد في الشتات، ذلك الشتات الذي غادره أوزون قسراً بعدما إلتحق به قسراً أيضاً، فهو خرج من ديار بكر، ليراها من بعيد، وليكتب بالكوردية أكثر عنها أيضاً، وعاد الى ديار بكر ليعيش، حيث قالها اون وصوله الى المشفى في ديار بكر” أنا آت لأعيش لا لأموت” كأنه يقول ها أنذا مازلت أكتب بالكوردية وأعيش بالكوردية وأموت بها أيضاً.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

عامر عثمان ” إيفان “

فِي هَذَا الزَّمَان
حَيْثُ لا زَمَانَ لِي
حَيْثُ لصُوصٌ أَبْطَالٌ . . .
يَتَرَبَّصُونَ بِتَفَاصِيل رَسْمِي
يَتَبَاهَى بِهُم الحَمْقَى
وَأَئِمَّةٌ لا أَئِمَّة . . .
كَحَواشِي التُرَابِ
يُبِيحُونَ وَأَدِي
أَنَا الكورديُّ
لِمَنْ أَشْتَكِي ؟
أنَا الكورديُّ
لِمَنْ أَشْتَكِي نَزْفَ دَمِي ؟؟
فِي كُلِّ يَدٍ مِدْيَةٌ تَبْتَغِي نَحْرِي
وَكَأَنِّي لَسْتُ آدَميَّاً كَمَا هُمُ
الكُلُّ خَيْبَةٌ . . .
تَخْذلُنَا الجهاتُ
وَ خَارِطَةُ الفصُولِ
لا عَدَالَة لِمِيزَانٍ تُنْصِفُ نَجيعِي
فَأَضْحَتْ ….

خلات عمر

لم تكن أفين، الفتاة الجميلة الواثقة من نفسها، تريد الموت بقدر ما كانت تريد أن ينتهي ألمها الذي حاصرها من كل جانب.

كانت الفتاة التي مرّت بتجربة قاسية؛ أحبت ووثقت برجل، وحلمت بحياة مستقرة، لكن صدمتها الكبيرة كانت عندما وجدت نفسها أمام الطلاق من ذاك الرجل عديم الوجدان…

وداعاً قامشلو

وداعاً هولير
وداعاً كوردستان
قامشلو الحبيبة
لقد تركت لك أمانتي وكلي ثقة بأنك ستحضنيها بحنان في تل گرزين كما حضنت أمانتي الأولى في دار أبي
ستبقون أنتم الثلاث في قلبي ماحييت!
شكراً لكل من واساني
وحاول أن يخفف عني الألم
شكراً للأحبة والأصدقاء الذين تفهموا وجعي فكانوا الدواء الشافي
لقد اختبرتني الحياة مراراً فظننت أنني قوية بامكاني أن أجتاز كل المحن
لكنني أرى…

سعيد يوسف

بداية أبارك للدكتور هاجار رستم عبدالفتاح كتابه الذي صدر تحت عنوان ” المدرسة الفكرية ” – تعلّم الفكر- فلسفة الموقع . منشورات دار نينوى، تاريخ النشر 1/1/2025/.

حقيقة لم أبحث في محتوى الكتاب، كونه غير موجود لدي، ولكني تعرفت على عنوانه من خلال مقال للكاتب والناقد الأدبي جوان سلو نشره على موقع ولاتي مه ربّما…