الكرديّة المهدورة

  ماهر عكيد 
mahiregid@hotmail.com

“بين كرديٍّ مضطرب ومستعرب.. وبين كرديٍّ هارب مستغرب ومستعرب من لقمان ديركي إلى عمر حمدي مروراً بـ بهرام حاجو”
  ربّما يفسّر البعض من خلال هذا العنوان، بأنّني متعصّب وأنطلق من موقع الحاقد على كلّ من ينتمي إلى غير ملّته، ولكن هذه مشكلة هؤلاء البعض الذين سيحمّلون الكلمة أكثر من طاقتها، ويفسّرونها  كما تشتهي ذهنيّاتهم، فكلّ شخص يتمتّع بأرضيّة فكريّة خاصّة به، وانطلاقاً من هذه الأرضيّة، وحسب صلابتها أو ليونتها، سيكون تأويل  هذا الشخص، فأنا لا أستطيع أن أملي على أحدٍ،  بأن يفكّر على هذا النحو أو ذاك، إلاّ أنّ الشيء الأهمّ من هذا كلّه، هو أنّني أحترم وأقدّر كلّ شخص يحترم انتماءه وأصله، والبشر مكوّنون من أجناس وأعراق مختلفة.. ولا أريد لأحد كذلك أن يملي عليّ طريقة تفكيري..
ما أنا بصدد الوصول إليه، هو أكثر من لقاء مع أكثر من “كرديّ” كما يعرَّفون في أوساط مختلفة، وأكثر من “عربيّ” كما يُعرفون ويعرّفون في أوساط أخرى، من أنواع “الكردو”، ويرتضون ذلك كلّ الرضا، حسب ما ظهر لي على الأقلّ.
بالأمس القريب كان الممثّل الكرديّ المستعرب لقمان ديركي، واليوم الفنان التشكيلي الكرديّ العالميّ والمستعرب أيضاً عمر حمدي أو مالفا كما يلقّب نفسه، أو الفنان العربيّ العالميّ عمر حمدي، الذي عرف بنفسه هكذا، ويُعرّف بنفسه هكذا وفي جميع الحوارات،  إضافة إلى الفنان التشكيليّ الآخر والصديق لـ عمر حمدي،  بهرام حاجو.
سأبدأ أوّلاً بالممثّل ديركي، المعروف في سوريا، وفي أوساط محدودة.. ولا أدري ضمن أيّ كردو من الكردو السوريّ يصنّف نفسه..؟! وعربو فيه أين يرتكن..؟!
ديركي الممثّل والشاعر، والذي له حضور في مجالات عدة، وأقدّر له أعماله هذه، إلاّ أنّ هذا لا يمنعني من أن أوجّه له نقدي، أعتقد بأنّ الكثير من الناس شاهدوا الممثّل لقمان ديركي في اللقاء الذي أُجري معه على قناة الحرّة برنامج / قريب جدّاً/، وأظنّ بأنّ كلّ من تابعه لاحظ أسلوبه في الحديث والكلام، وكيف كان متباهياً كثيراً بقدراته، وقد لاحظ هذا الشيء محاوره الأستاذ جوزف عيساوي، وكما لاحظنا كيف كان يقفز من فوق الجواب، ليعطي جواباً بعيداً عن الجواب، ويظنّ أنّ في ردّه على بعض الأسئلة أنّه يقول محظوراً، كما أنّ تملّصه كان ظاهراً وواضحاً وفي مواقع عديدة، وخاصّة عند قفزه من فوق كلمة الكرديّة، ولفظه إيّاها “ملقياً بعض الحروف همساً”، دون أن يصحّح اللّفظ، والتأكيد على الفارسيّة، وذلك عندما سأله المحاور عن سبب عدم الموافقة على عنوان لكتابه الموسوم بـ(حجلنامه) هل لأنّه باللغة الكرديّة، فجاء ردّه هكذا، وكأنّ في لفظه لكلمة الكرديّة زعزعة لموقعه الذي هو فيه، وينطلق منه، ومع الأسف أنّ أمثاله يمثّلون الوجه الكرديّ عند الكثيرين، وبالأخصّ في موقع تواجده، أو إيجاده، ليكون المستشَهَد به، المثال الحيّ على الانفتاح على الآخر “الكرديّ”، كما كان هذا واضحاً من كلام الممثّلة السّورية أمل عرفة في إحدى المقابلات معها في قناة الحرّة أيضاً، ولكن هل يا ترى شرح الـ ديركي لأمل عرفة الوضع الكرديّ في سوريا يوماً ما؟
هل شرح لها عن القضيّة الكرديّة عامّة وفي سوريا خاصّة؟ وإن كان قد شرح فلماذا كان جهلها المطلق بالموضوع.. أو لربّما “تجاهلها”..
ما أودّ قوله هو أنّ لقمان ديركي لا يمثّل إلاّ نفسه، ولا يهمّه الكرد ولا الشعب الكرديّ، وهو مبسوط في موقعه الذي يتواجد فيه، بشِعره وشَعره..
 أمّا فنّاننا التشكيليّ عمر حمدي، المعروف عالميّاً، والمتميّز حقيقة في أعماله، والذي يحتلّ مكانة مرموقة وله موقعه الهامّ عالميّاً،  والمعروف عنه أنّه الفنان العربيّ الخامس على مستوى العالم، طبعاً هذا هو التعريف الذي يُعرّف به نفسه، وهكذا معروف عنه، وهذا ما يسعده، لأنّه يقبل به دون أيّ تحفّظ أو تعليق أو تنويه، وهذا ما جرّني لكتابة هذا المقال، وخاصّة بعدما  شاهدته على قناة العربيّة في برنامج “محطات”.
أطلّ الفنانّ الكرديّ الأصل عمر حمدي أو مالفا حمدي كما هو معروف في الغرب، على شاشة العربيّة بـ تاريخ 14/6/2007م، وقد جاء التعليق على لسان المذيعة “عمر حمدي أو مالفا حمدي هو الفنان العربيّ الخامس على مستوى العالم”، وهو الآتي من بيتٍ طينيّ في قرية تابعة لمحافظة الحسكة السورية، هذا التعليق لم يأتِ محض صدفة، أو اعتباطاً، إنّما جاء نتيجة ريبورتاج ارتضاه مسبقاً قبل عرضه “فنّاننا” أو”فنّانهم”، والقناة المحاورة له، وإن لم يكن هناك توافق مسبق، فهكذا عُرف عنه،  وقد طاب له ذلك، كما كان كلامه باللغة العربيّة في أثناء المقابلة، وظهر من خلال حديثه تأكيده على عروبيّته، وهو المغترب منذ ثلاثين سنة، وأمثاله، وباعتباره فنّاناً عالميّاً يؤتى له بمترجمين، لا أقول لماذا تكلم العربيّة ولم يتكلّم اللغة الكرديّة، أو لغة بلاده الحاليّة النمسا، اللغة المانيّة، بل كان حريّاً به وبأمثاله أن لا يتنكّروا لأصلهم يوماً ما، حتّى لا يُنتسبوا إلى أمّةٍ هم ليسوا منها، ولئلاّ يقال عنه في  هذا اليوم، بأنّه الفنان العربيّ العالميّ، ولا أقف عند حدود لماذا تكلم العربيّة ولم يتكلّم لغة أخرى، لأنّي أحبّ وأحترم اللغة العربيّة، بعيداً عن كون هذه اللغة فرضت علينا فرضاً، وتعلّمناها إجبارياً في مدارس الدولة، وها أنا أكتب مقالي هذا بالعربيّة، وبالتالي لم أنسَ ولن أنسى لغتي الكرديّة إطلاقاً فأنا أتحدّث وأكتب وأقرأ بالكرديّة وبذلك أفتخر، لأن هذه اللغة تعني وجودي.. والعربية تعني تواصلي مع الآخر، ويهمّني الجانبان.
عمر حمدي لم يتطرّق لانتمائه وأصله الكرديّين، وفي جميع الحوارات والمقابلات العربيّة والأجنبيّة التي أجريت معه، لأنّه لو كان قد تطرّق إلى ذلك، لما قيل عنه، بأنّه الفنان العربيّ العالميّ، بل لقيل عنه الفنان الكرديّ العالميّ.
قال الفنان عمر حمدي:” إنّي مغترب منذ ثلاثين عاماً، فقد كان والدي مضطهداً وعانينا الاضطهاد، وقد خرجت من سوريا بجواز سفرٍ مزوَّر إلى بيروت، (والأصح أنّه هرب)، ومن هناك استقلتُ زورق صيد، لأصل إلى قبرص”..
لا أدري هل سأل فنّاننا نفسه لماذا هرب بجواز سفر مزوّر إلى خارج سوريا؟!
ولماذا كان والده مضطهداً ويعاني الاضطهاد؟!
قال أيضاً: “إنّه غيّر اسمه، أو طُلب منه تغيير اسمه، لخلفيّاتٍ سياسية”..
لا أدري ما هي هذه الخلفيات السياسيّة التي غيّر من أجلها اسمه، ولماذا بعد تغييره عاد وعرّف نفسه به مرّة أخرى..؟
ربّما لم يعد يهمّ الفنان عمر حمدي كرديّته بعد بلوغه العالميّة، فـ كردستان لا تعني له شيئاً، فهو لم يعد يحتاج إليها، ولكن الأهمّ من هذا وذاك هو، هل نسي فنّاننا أو تجاهل بأنّ التحايل على التاريخ شيء مستحيل؟ وهل إمحاء الشيء من ذاكرته بالأمر اليسير والسهل؟ أم التاريخ أيضاً لا يهمّه، فهو الذي بلغ درجة العالميّة، وليبقى معروفاً عنه، بأنّه الفنان العربيّ العالميّ الخامس وكفى، لئلاّ تُفتح عليه أبواب هو بغنى عنها.
وأريد أن أذكّر بالفنان التشكيليّ الآخر، بهرام حاجو، وهو الصديق للفنان عمر حمدي، ولهما أعمال مشتركة، وهو أيضا المستعرب الذي لا يعرف أن يتكلم العربيّة، ولا أن يعبّر بها، وهذا ما رأيناه على شاشة “العربيّة”، وفي نفس البرنامج الذي كان فيه عمر حمدي، فقد جاء في تعليق المذيعة: “بهرام حاجو الذي لم تنسه الغربة لغته العربيّة”.. ليظهر بعد التعليق مباشرةً، ويتأتئ بجملتين عربيّتين ناقصتين، لم يفهمها هو ذاته، فبادر المصوّر سريعاً إلى إسعافه، وقطع التصوير، لئلاّ يتسبّب له بحرج تعبيري أو خوفَ أن تخونه الكلمات..
أعتقد أنّه يتوجّب أن يتدبّر بهرام حاجو في اسمه، ويدعو مستمعيه ومتابعيه من المشاهدين إلى ذلك.. لأنّه حينها يكون قد تعرّف من تلقاء اسمه، وبالتأكيد لا يشفع لـ بهرام عدم معرفته بما قالت المذيعة في تعليقها، لأنّه لا يمكن أن تقول المذيعة ما هو خلاف الموجود فيه..
ختاماً أودّ التأكيد على أنه لا يُشفع لهم أبداً، هول ما يقدمون عليه، وحجج الدنيا كلّها غير كافية لتبرير مواقفهم هذه، لأنّها ستكون إيغالاً في الإدانات التي لا تنتهي ولا تتوقّف إلاّ عند العودة إلى الانتماء وتصحيح المغالطات والسعي إلى التكفير عن كلّ ما جرى ويجري.. عسى أن يكونوا لائقين بانتماءٍ “بهم وبلاهم” يُعرف ولا يتسوّل التعريف من أحد، حتّى لو كان هذا الـ: أحد ممثّلاً محلّياً أو فنّاناً عالميّاً أو صديقاً لفنّان عالميّ أو…

لأنّ الكلّ يكبر بالانتماء ولا يضرّ الانتماء تهرُّب بعضهم منه لمكاسب آنيّة زائلة..

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…