أمسية كانونية

عمران علي
العازف في تلك الليلة الكانونية كان يتفقد أصابعه والصبية الواقفة بالقرب منه كانت مذهولة بدفء تنويعاته ومستغرقة في الأداء، كان صديقي القصي عني في الساحة وبمعطفه السميك منهمكاً بالحميمية، يترنح على ايقاع صوتها غافلاً عن المشهد وعن كينونة اللحن فثمة أوتارٍ كان يرتأيها وترتج في دوامة مخيلته، كان منتشياً وفاقداً لصواب الخطو، يتأرجح كالإنارات فيتناثر كالظلال في المكان فتتهجاه إضاءاتها. 
في الساحة تلك وفي ثنائية تشاركية حيث كانت تلك الواقفة تقلّد المؤدي انصاتها وتبهره بمقطوعات وقوفه وبمحاذاة المشهد كانت النقوش المنفلتة من أحجار الكاتدرائية والطافحة بالبخور والمهرة تستولي بأحقيتها على زخرفة من تبقى وتسترعي على فائض الدهشة.
أحتسيت جلوساً بعناد أزلية المكان وأدعيت الأصغاء والتصفيق كي أبرر للمشهد ولعي وحتمية المثابرة فيما صديقي يجوب الزوايا في البحث عني غير مدرك بما تولاني فينصاع كلانا للأخر وبتنا كمن يطوف حول رخاوة المناسك وصعود مدّعيها، ترنحنا معاً عائمين على صفحات الشوارع وهي تفسح المزيد من الوجوه ، نتبدى لها على هيئة متسكعين يستحوذان على جمهرة نقدية بإزدراء الواجهات، نتباعد قليلاً فتسعفنا الجرعات في الأمتثال لجاذبية الوجهة، صديقي ذو المعطف السميك والمندرج على لائحة البدواة يصرُّ على الدوام في غرز قراه على لاحات الأمكنة فيما أنا أحمل عنه أوتاد وجعه في كل تفصيلة واستمر عاجزاً في تنصيب شعائرها .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…