قصص قصيرة جداً:

أحمد اسماعيل اسماعيل 


خيبة:
صادفت رياح كانت تعبر المدينة نحو الغابات والحدائق، محلاً ممتلئاً بأزهار وورود من مختلف الألوان والأصناف:
الأبيض والأحمر والبنفسجي والأصفر والزهري…
والزنبق والتوليب والأقحوان والسوسن والنرجس والقرنفل…
فأثار هذا المنظر البديع السرور في نفسها، وأدهشها التنسيق المتقن الذي كانت عليه.
ومن فورها اتجهت نحو المحل، ودخلته بحماس، وسارعت إلى نثر ما تحمله من حبات الطلع على الأزهار البديعة.
وكم كانت دهشتها كبيرة حين شاهدت سقوط حملها على أغلفة شفافة كانت تلف الأزهار، وانزلاقه على الأرض وتبدده!

غضبت الرياح، وحاولت تمزيق هذه الأغلفة للوصول إلى الأزهار؛ فلم تفلح. 
كررت المحاولة بقوة أكثر، عصفت وقصفت، وهي تدور في أرجاء المحل؛ ولكن دون جدوى. 
وعندما غادرت المكان وهي تعول. علت في المكان قهقهة صاحب المحل المجلجلة. 
  
بين عتمتين: 
قالت له: يقول أحدهم ” ليست الحياة سوى ضوء خاطف بين عتمتين: عتمة الرحم، وعتمة القبر” 
– هذا صحيح، وأنت ذلك الضوء بالنسبة لي. 
أجابها وأكمل: 
– تتبدد العتمة حولي حين أراك، وحين أسمع صوتك، وحين أشاهد صورتك وأقرأ  كلماتك.. 
وحين انطفأت؛ راح يتلمس طريقه بعيداً عنها وهو يتعثر. 
  
يا أنا: 
كان يناديها بكلِّ الأسماءِ والصفاتِ الأثيرةِ إلى قلبهِ: ياوردتي، يا خفقةَ الروح، ياحبةَ القلب..يا وطني الصغير. 
وكانت هي تردُ: 
-يا أنا. 
كان هذا دأبُهما كلما ألتقيا، كلما تهاتفا.. وكلما ألتقتْ أعينُهما وهما وسطَ الجموع. 
وفي مرّةٍ جاءَهُ صوتُها يناديه باسمهِ! 
وعندما التفتَ نحو الصوتِ، خرجَ من الحُلمِ. 
  
تحول: 
قال لها: أُحِبُّكِ. 
فردتْ: 
– تمتدُ بين قلبينا حقولُ ألغامٍ، وأسلاكٌ شائكة. 
– ساجتازها. 
– كيف ذلك وأنت بلا أجنحة؟ 
وعلى الفورِ انتشى بالسعادةِ، وحلّقَ عالياً من شدة الفرحِ. وفي الطريق إليها، في السماء العالية، نظر إلى الألغام، والأسلاك الشائكة المنتشرة على الأرض، فأضاعَ الطريقَ إليها وتاه. 
وفي الأعالي التي بقيّ يحلقُ فيها وحيداً. وينادي عليها. 
تحولَ هو إلى بلبل؛ واسمها إلى تغريد 
  
تجربة العصفورة الصغيرة: 
بأصابع جمدتها الرياح القارسة التي كانت تهب في الغابة، وبعينين دامعتين من صفعها الشديد، سدد الصياد فوهة بندقيته نحو سرب من العصافير كان يزقزق على شجرة من أشجار الغابة، وبعد لحظة ترقب، ضغط الصياد على الزناد، فتهاوت العصافير كأوراق الخريف، وامتزج الأحمر القاني بالأبيض، الذي فرشته ندف الثلج المتساقطة بساطاً ناصع البياض. وبيدين متجمدتين، وعينين دامعتين، راح الصياد يفصل الروؤس الصغيرة عن الأجساد الغضة المضرحة بدمائها، أبصرت عصفورة صغيرة كانت قد احتضنتها أمها الجريحة، فقالت أمها: 
-أماه، انظري دموع هذا الرجل، إنه يبكينا. 
نظرت الأم إلى صغيرتها بإشفاق وخوف، تأوهت بألم وحاولت التكلم، غير أن يد الصياد الغليظة امتدت إليها أيضاً، وعلى مرأى من العصفورة الصغيرة، فصلت جسد رأس الأم عن جسدها. 
شاهدت الصغيرة فعل الصياد، وأصابها الدهش والفزع، وبالكاد حملت جسدها الواهن وحلقت عالياً بجناحين ضعيفين. 
ومن يومها لم تعد الصغيرة ترى في الصيادين سوى تلك اليدين الغليظتين اللتين فصلتا رأس أمها عن جسدها.   
  
الضحايا 
لو لم يخرج إلى الشارع شاهراً سكيناً تَقطر دماً وهو يصيح بهستيرية:  لقد غسلت عاري..
لكان الأمر غير ذي بال بالنسبة لأهل الحي، فقد اعتادوا، وفي كل يوم تقريباً، سماع الصياح وهو ينبعث من داخل دار هذا الرجل: صراخ فتاة وهي تستنجد بكلمات غير مفهومة، ورجل يصيح ويشتم، لينتهي كلّ ذلك؛ بجلسة سمر أمام باب الدار وقد التفَّ حوله بعض الجيران، تبدأ بسيجارة، ثم بكلمات المواساة بمكافأة الله له وجزائه لرعايته أخته المسكينة، والتي لا ذنب لها في ما أصابها من جنون. 
وتدور كؤوس الشاي وتعلو دوائر دخان السجائر ويتشعب الحديث. 
كرّر الصياح وهو شاهراً سكينه كالمجنون، وانتظر كلمة تشجيع أو مواساة.. طال الزمن واستطال ولم يحدث ما كان ينتظره. كانت أصوات التفجيرات القريبة هذه المرة، قد مزقت غشاء السماء وأدمت هواءها، فانفض الجمع من حوله، وهرول بعيداً عنه كقطيع خراف داهمه ذئب، وبقي هو وحيداً؛ ممثلاً في مسرح مهجور.  
  
حديث الحرب والحب : 
عندما دخل إلى بيت جاره الذي لم يسبق له أن زاره من قبل، استقبله جاره بحرارة وقاده إلى غرفة واسعة، كانت تنبعث منها الأصوات العالية، وهناك ألقى التحية بأدب جم، فلم يرد أحد التحية، لا بأحسن منها ولا بمثلها، كان جميع الحضور، من رجال ونساء، قد تحولوا إلى أفواه وآذان، وكانت الأصوات العالية والمتداخلة، تردد الترنيمة ذاتها: الحرب الدائرة في البلد والمنطقة وانعكاسها على حال الناس، سأله الرجل الذي جلس بالقرب منه، السؤال ذاته الذي يتكرر في كل مكان: في البيت، والشارع، والتلفاز، والمقهى: هل تعتقد أن الحرب ستنتهي قريباً؟ لم يفكر طويلاً، أعاد الجواب ذاته الذي يتردد في كل مكان: في الشارع،  والمقهى، والبيت، والتلفاز: نعم، لو شاءت الدول الكبرى: أمريكا. روسيا.  ووجدها فرصة للتسلية، وودّ أن يكمل، حتى تنتهي مراسيم عقد القران الذي دُعي إليه، والذي بدأ بأخبار الحرب.  استمر الجميع في الحديث ذاته، وتابع هو أيضاً الكلام مع الجالس بقربه الحديث ذاته. 
كانت الأنفاس المنبعثة من الأفواه، الفاغرة وغير الفاغرة؛ ترافق الأصوات العالية وهي تتحدث في موضوع الحرب، ما حدث فيها وما سيحدث من بطولات ومؤامرات وهزائم وانتصارات: روائح جوع ودخان وأسنان منخورة، فأحس بالضيق الشديد يطبق على أنفاسه، واستحالت الدقائق إلى ساعات، وطال الزمن أكثر من المعتاد، وودّ لو ينتهي الأمر بسرعة، ويدعو أحدهم الحضور إلى قراءة الفاتحة. مضى وقت ثقيل كالرصاص قبل أن ينقلب المشهد رأساً على عقب، ويتبدل حاله، من حال إلى حال، كان دخول هذه المرأة إلى الغرفة كفيلاً بحدوث كلّ ذلك، امرأة ليست كالنساء، لا تعني أحداً سواه. يختلط فيها الواقعي بالخيالي. كالسراب في العيون الظمأى.  سأله الرجل اللحوح الذي جلس بالقرب منه سؤالاً عن الحرب. فهز رأسه للرجل وابتسم..تمتم الرجل بكلمات قليلة وصمت.  برقت عيناه التي اتجهت نحوها بنظرة زائغة وانبسطت أسارير وجهه، ابتسمت عيناها لعينيه بنظرة حلوة وسريعة، اعقبتها بسهم أطلقته من عينيها بعد أن مسحت المكان بنظرة تفحص، انتفض قلبه العصفور فجأة، وحار في أمر الرد بالمثل، وأخفى ارتباكه بأن التفت إلى جاره اللحوح وسأله عن حاله، فنظر الرجل إليه باندهاش، وتمتم بكلمات ضيق لم يفهمها. ضم كفيه وضغط على أصابعه وهو يرسل إليها نظرة استفسار، وعلى الفور رسمت على شفتيها السمراوين ظل ابتسامة وأسبلت جفنيها المزنرين بسهام سوداء، كثيفة ودقيقة، وأعادت مرة أخرى مسح الجالسين بنظرة تفحص خاطفة.  همست فتاة كانت جالسة بالقرب منها بكلمة في أذنها، فمالت برأسها نحو الفتاة في حركة جعلت وجهها الذي أنير بما عكس ما في داخلها، يقابل وجهه، سرعان ما بادلها الحركة ذاتها، الابتسامة والنظرة والوله، كوجه أمام مرآة، ليخفي بعدها ما ظهر على صفحة وجهه في لمح البصر، لحظة فعلت هي ذلك. ومال برأسه نحو الرجل الجالس بجانبه، بالتزامن مع ميلها نحو الفتاة الجالسة بالقرب منها، وابتسم له بود وارتباك، فلم يبادله الرجل الابتسامة نفسها، كما فعلت الفتاة الجالسة بقربها.  طال الحديث بينهما، تحدثت خلاله؛ اليدان والوجهان والعيون والأصابع، وحتى الزفرات والأنفاس. وعندما قُرئت الفاتحة، وعلت الزغاريد، انقطع حديث الجالسين عن الموضوع ذاته، وغادر الجميع المكان وهم يرددون عبارات التهنئة والمباركة للعروسين…   أمّا هو، فقد بقيَّ أسير ذلك المكان. 
  
مجلة الرافد 
عدد نيسان 2020 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…