البيت الذي أكلته العاصفة في ميزان (ق. ق. ج)

 

صبري رسول
 
الصّديق رشاد شرف أبدى إعجابه بـ«الميزان النّقدي» لدي رغم افتقاده إلى مقياس الدّقة في قراءة النّصوص، ربّما كان محاولة منه في يجعل الإعجاب رشوة لي، لمعرفة المعيار النّقدي لنصّه المعنون بـ«البيت الذي أكلته العاصفة» إن صحّ التّعبير.
تحيَّرت في جنسية هذه القصة، أهي قصة قصيرة، أم (ق. ق. ج)؟. لأنها تتأرجح بين الاثنتين، ففيها عناصر تشدّها إلى الأولى، وفيها أخرى تجرّها إلى الثانية.
لكنّني سأقف عندها بوصفها، ق. ق. ج، فكلّ عناصرها تبدو لي من هذا الجنس عدا طولها الذي يزيد عن طول ق. ق. ج الذي لا يزيد عن مئة كلمة في حدّها الأقصى.

أهم ما يميّز القصة القصيرة جداً عن الفنون الكتابية الأخرى، إضافة إلى الأحدث والشخصيات القليلة، هو لغتها القوية، المنتقاة بعناية فائقة، التي تتميّز بكثافتها، وإيحائيتها ودقة المفردات المستخدمة، لنرَ هذه السمات في هذه القصّة بعد قراءتها. 
انتقاء المفردات: 
 هنا سأوضّح بعض المفردات ومدى تناسُبها الدّقيق في أداء المعنى في سياق النّص. بدأت القصّة بـ«ذات مساء خريفي، كانت الرياح غاضبة». في بلادنا، سوريا، العواصف لا تكون في الخريف، وملامح الأشخاص والقرية والبيوت تدلّ على أن الحدث في إحدى القرى الكردية، فهي غالباً تكون في الشتاء، وليس في الخريف، ويُفضَّل أن يكون الاستهلال القصصي بفعلٍ يدلّ على نشاطٍ ما، حركة، لشدّ القارئ؛ والعبارة تلك «ذات مساء خريفي» لا تشدّ المتلقّي إلى المتابعة، إنها توحي إلى إحدى حكايات الحكواتي “كان ياما كان”. 
دلالة عبارة «كانت الرياح غاضبة» قد لا تكون ذات قيمة كبيرة، مقارنة مع «كانت الريح قوية، كانت الرّيح عاصفة». فالرّيح، كاسمٍ مفرد، تدلّ على القوة والعنجهية، فتكسّر، وتجرف، وتهدم، أما عند الجمع فتدلّ على الخير والرَّحمة. هناك لغويون ترصَّدوها في القرآن فوجدوا أنّ لفظة الريح (المفردة) حيثما وردت في القرآن، دلّت على العذاب. «وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم»، (الذاريات41) وحيثما وردت لفظة الرياح (مجموعة) في القرآن، دلَّت على الرحمة: «وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين» (الحجر22). (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (الروم46). وهناك استثناءات في الأمر طبعاً.  
في العبارة الثانية «والسماء ترسل زخاتٍ من المطر، فتقذفها في كل الاتجاهات وتزداد هيجاناً» نلاحظ ضعفاً في استخدام زخات، صحيحٌ أنّ الزخات أقوى وربما أخطر من المطر، في المعنى اللغوي، لكنّها تستغرق فترات قصيرة جداً، وفي مصطلحات الطقس تعني أخفّ وأضعف، فاكتسبتْ بذلك معاني أخرى لا تدلّ على الخطورة والخوف. 
«كلماته المبتورة» أعتقد أنّ حالة الرّجل المطرود من البيت في ليلة عاصفة ستجعل كلامه تأتأةً، وليس البتر، فالبتر هو القطع، (لستُ جازماً هنا) 
الاقتصاد والكثافة اللغوية: 
القصّة القصيرة جداً لا تحتاج إلى التكرار، بل إلى الكثافة والإيحاء، في العبارة الآتية نلاحظ تكرار (بيتنا، طردنا) وكذلك مفردة (جار) تكررت أعلاها. فيمكن اختصارها (طُرِدنا؛ زوجة ابننا الوحيد لا تريدنا في البيت) بدلاً من «يا جار، طُرِدْنا من بيتنا… ابننا الوحيد طردنا… زوجته لا تريدنا في البيت». 
أخطاء لغوية: 
هناك هفوات نحْوية، وأخطاء تؤثر على جمالية النّص، وتخدشُ عذرية المتعة فيه، كاستخدام الفعل للمثنّى المؤنّث، «الحيرة والخجل تسبقان» والصحيح للمثنّى المذكّر. نجد في سياق هذه العبارة «العاصفة كانت تشتد، وبابنا الخشبي يزداد صريراً وأنيناً، ونباح الكلاب تعلو في ليل القرية» أنَّ الكاتب استخدم فعل “يعود” للمثنى، بينما ضمير الملكية للمنزل يعود للجماعة. «وتعودان إلى منزلكم، والصحيح (منزلكما)». وفي عبارة «ونباح الكلاب تعلو» جاء الفعل لفاعل مذكّر بينما اُستُخدِم للمؤنث (تعلو). 
الصَّرير هو صوت الباب أثناء فتحه أو إغلاقه، أمّا الصوتُ الذي يُصدِره الباب أثناء ضربات الريح فهو الصَّفير. 
حقيقةً لا أعرف ما الذي يجعل الكلاب تنبح في ليلة مطيرة؟ 

خاتمة القصة القصيرة جداً من أهم أهداف الكاتب، إذا لم يكن الهدف الأول والوحيد، فيسخّر النّص كلّه لإيصالها إلى المتلقي، وهناك اختلافات كثيرة بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً، فالأولى قد تأتي  مقفولة، أو مفتوحة، أو غير ذلك، أما خاتمة القصة القصيرة جداً تُعدّ أقوى عنصرٍ في النّص. إنها العنصر المدهش. 
في هذه القصة جاءت الخاتمة مفاجئة، غير متوقعة، حقَّقت أهدافها في تسليم الرّسالة، وهنا متعة القصة الفنية رغم ألم النهاية « فُجِعَ الأبوان ببيتهم المهدوم الذي لم ينج منه أحد». كان بمقدور الكاتب جعلها إيحائياً لتكون أكثر قوة، لكنّه قفلها بصيغة مباشرة واضحة «… الذي لم ينج منه أحد». 
تمكّن الكاتب من ضخّ القوة والمفاجأة لنصّه في الخاتمة، فامتصّ الترهّل في بعض مفاصله. عبارات أخرى رغم قلّتها مَنحتْ النّصّ جماليتها وعوّضت جزءاً من الهفوات المتناثرة فيه: (تفرّسني والدي. نكست رأسي كأني أنا المذنب. باللوحة السفلية). 
يمكن القول في (ق. ق. ج) أنّ علامة الترقيم من أهم مكوناتها فهي تمنح الدّقة لعلاماتها، ويجعل سيمياء النّصّ أكثر عمقاً، وإهمالها أو سوء استخدامها يسيء إلى فهمه. 
—————————–    
(القصّة منشورة في صفحته على الفيس بوك Rashad Sharaf، وفي جريدة كوردستان العدد 631).  

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

سعيد يوسف

في القرن السادس قبل الميلاد، كان العالم الاغريقي على موعدٍ مع ولادة كلمة جميلةٍ في حروفها، سلسة في لفظها، جليلة مهيبة في معناها، رحبةٌ في تعريفاتها، مفتوحة في موضوعاتها. لم يدُر بخلد أحد وقتذاك أن هذه الكلمة سوف تعبر الآفاق وتجتاز القارات والمحيطات لتغدو من أشهر الكلمات، وأكثرها تداولاً في لغات العالم قاطبة، إنها…

اكرم حسين

في صبيحة صيفية أشرقت فيها الشمس كجمرة ذائبة فوق مدينة النورين، والسماء صافية كمرآة لا تعكس إلا زرقة لا يشوبها اي شيء . سكنت المدينة هدوءها المعتاد ، إلا قاعة المؤتمرات التي تموج بالوجوه التي أتعبتها السهرات وأرهقتها الكلمات، وجوه حفرت في صفحات الكتب ما تبقى من عمر، وجاءت من أقاصي المحافظة…

تتقدم هيئة تحرير ولاتي مه بأصدق التهاني إلى الكاتب والصديق العزيز صديق ملا بمناسبة نجاح العملية الجراحية التي أجراها في مستشفى Klinikum Herford بألمانيا، سائلين الله أن يمن عليه بالشفاء التام، وأن يديم عليه نعمة الصحة والعافية.

ويسرنا أن نطمئن على سلامته، ونتمنى له عودة قريبة إلى أهله وعائلته، وإلى ساحة الكتابة والإبداع، ليواصل…

تنكزار ماريني
مقدمة: تفكيك نظام الفهم التقليدي

من خلال مقاله “موت المؤلف” (La mort de l’auteur) المنشور عام 1967، أحدث المنظر الأدبي الفرنسي رولان بارت واحداً من أكثر التحولات الجذرية في المنظور في تاريخ الدراسات الأدبية الحديثة. يوجه نصه نقداً لفكرة هيمنت لقرون طويلة: وهي أن معنى العمل الأدبي يمكن استنباطه في المقام الأول من شخصية مبدعه،…