ما هو آت فات « إلى خ . ح: ليس هو العنوان الأخير »

إبراهيم محمود

هذه الأرض التي تحبل بي
تقذفني مشوَّهَ السماء
لا شيء يضمن حتى الآن أن يكون لاسمه موضع إمضاءة، ولصوته هواء لا يتنصل من تردده..
هذه الأرض الشبح الذي يُدخلُ وضحَ النهار في عتمة الليل المدلهمة
أحملها تمساحاً لا يكف عن مهاجمة أحلامي البسيطة
وفصْلي عن طُرقي التي دفعتُ من أجلها كمَّاً وافراً من النجوم
لعلّي أقدّر المسافة بيني وبين فجر أخطط له منذ ألف عام وعام
بيني وبين أول خطوة لا تنزلق في هاوية الوقت
بيني وبين نفَسي لا يكتمه  رمل متربص بي
بيني وبين أصدقاء أسرى آت أهدر فيهم عمراً طويلاً
بيني وبين رغبة ٍ كتاب يسكنني بحرفه منذ ما قبل الخليقة
أي أرض هذه التي تتنكرني في اللحظة التي تقيّد اسمي في قبوها المسكون بالكوابيس
أي أرض هذه التي تريد إرغامي على تصديقها أنها بمثابة ولي أمري وتنهرني كلما نطقتُ بعشبة طرية، حيث تبكي التربة خصوبة معتقلة بأكثر من اسم مجهول في الصميم
أو نبع جامح، أو نجمة تلاقَينا مصادفة في لحظة من حطام أخير؟
أي أرض هذه التي ألزمتني بهواها وهي ترضعني كثيراً رماداً معدوم الدفء، وتفطنني بعاقول يهددني في عقر دار ليست لي، وهي لي أساساً، وإن تنصلت منها قهراً مكيناً، على هامش درب ضيق يلكزني صمتٌ جانبي في خاصرتي أن ابتعد بجوار مَسْتر ترابي يحجب الرؤية عني، على رجراجة تدور بي لأفْق وجه ٍ آت أفق لاءات، وأقطع حبلي المشيمي الملتهب عن أمسي الملغوم..
يا لهذه الأرض التي لطالما نعنعْتها وزنبقتها ونرجستها في وريدي بامتداد خريطة جسمي، فتعرضت لأكثر من تصلب الشرايين، وفقر الدم، وأعطيتُ دماً بداعي أخوة النسب، زاد في غربة رجليّ عن جسمي، وكفيّ عن معصمي، وعيني عن رأسي، لأكثر  من وعيد يجردني من أبسط عشبة بالكاد تسند طولها الشبري لتصلني بأرض كتاب مهترىء الصفحات، الأرض التي جبلتها في امتداد دمي ومشارف روحي، علّي أظفر منها بلمسة من نسيم منبعه جبل لم يفسد ذراه ذرق أو شحوار هابط من السماء، كما لو أنني لم أكن يوماً وليد هذه الأرض، وهي عصارة كل نبض يقدّمني لجسدي المكابِد ؟
أنا ابن هذه الأرض! أي أب هذا الذي يده من سوط، ورجله من ضباب والصدى صراخ التاريخ المكتوم، وأنا معدوم الاسم مسلكاً، مشيول الظل الذي يعنيني أمره؟ أين هي الأم التي أشم رائحة إله يتحدث لغتي من راحة يدها، وأتلمس في صدرها السماوي أكثر من شمس وقمر يحفظان اسمي، كما ردّد ذلك في أذني كثيراً وأنا جنين؟
أين هو الأخ الشقيق الذي أنغمر بظل روحي فرحاً بوجوده في مصير لا يعكره خراب قائم، ولا يدفعني بغتة، وأنا بكامل صحوي في بئر خربة ، خانقة، عصية على حسب السنين، وما أكثر آبار هذه الأرض التي قيّدت بها.
ابن! لكم تناهى إلى سمعي قول: يا للقيط المشئوم، وما صدر عني لم يكن سوى النفخ في رماد راقد منذ طويل رغبة مجمدة؟ أي أرض حين تحمّلني منّة الإقامة في جانب منها، والضوء الذي يغمر عيني ملح كاو ٍ، والحرف الذي أتهجاه لسعٌ يشعل ألماً في كامل الجسد، وليس لي من جهة شجرية لا يُشك في الفخاخ المنصوبة عليها، كي أطلق عليها قلباً طلباً لراحة بعمر نسمة عابرة ؟
أي غريب أنا عن نفسي الحطام، عن هوائي الركام الرطب، عن النملة التي ألفتُ منظرها، وأنا أحتضن هذه الأرض، وتتراءى صخراً أصم، بثقوب لا يُطمأن إليها، بطرق تخرجني منها، بسماء محجبة بدبّان ودخان متزوبع هنا وهناك، وأبصر حولي، أينمى تلفت من يُزكون باسمها ولسانهم معطوب، وصوتهم معطوب، ونوعية حديثهم الذي يتباهون به، هباب يصدم الهواء نفسه، وأنا مسكون بجرحي المتقيح؟
أتراني عاجزاً عن تسمية الرماد رماداً، الحجر حجراً، البوصلة المعهودة بوصلة،  الصقيع الطارىء والمعمر في عز الصيف صقيعاً، الحفر المعبأة بأتربة وروائح قانصة حفراً، والجهات التي صودرت من مضامينها جهات ؟
أتراني، وأنا سليل هذه الأرض، فإذا بها صليلاً على الرأس كثيراً، تهويلاً في الروح كثيراً، تكبيلاً لأفق الرؤية كثيراً، وأنا المكلَّف بكتابة سماء لا يعاندها غيم أبلق، ولا يتاخمها رمل منفلت الزمام، وآت يتنفس صباحاً وورداً وشجراً وصوتاً يهذب هواء المكان، مرفق بكامل ظله، وطيور تهتدي إلى أغصانه دون جهد يُذكر.. أتراني النكرة إلى هذا الحد، لأرى البلبل حشرة، والحصان دوداً، والنجمة فحمة نتة، والنهر مصراناً خارج نطاقه، والجهات مغاليق معتمة، وفي الذي يرتسم باسمي، كما عاهدت الجبل الذي تتوأمْنا معاً، والنبع الذي تعلمنا الدفق في الحياة معاً، والتربة الخصبة التي ترعرعنا على هواء طلق، وماء أليف، وفضاء مرفَّه رحابة..؟
أي أرض هذه التي تعترض فمي كلما أطلق العنان للساني جهة الأفق البعيد حباً بآت مرحَّب به، هذه التي وجّهت إلى ظلي لأتوه جسداً معدوم اللغة، وجهاً منزوع المحيا، كرمى المهرولين بأسماء فعلية ومزيفة في دمها كما يرغبون، وبي تاريخها الذي يُعدُّ لحقب كانت، وحقب قيد المجيء والانتظار منذ غابر غابر الزمان؟
أين كائن جبلتُ به، لأكون المتقاذف بي في أرض زُعزِع عنها أطلسها، وجُزَّ عنها لسانها القويم، بحضور قيّمين على حبْلها السرّي، وهذا الصوت الذي تشجرت بهُ مأخوذ بركام متصرفي الركام إجمالاً..
أي آت في الضوء الكسيح للمعروض، يكفل شدَّ أزر ما كان، في كتاب الزمان الأخرس بعلو مرئي من الجهات كافة ؟؟!!
  

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

كتب الدكتور عادل الأسطة منشوراً قصيراً في صفحته على الفيسبوك حول رواية “تمويه” للكاتبة عدنية شبلي، أتى فيه على لغة الرواية، والصحيح أنه قدّم ملحوظات مهمة حول لغة الرواية، وأبدى اهتماماً بالغاً بهذه اللغة، وحق له ذلك؛ فاللغة عماد أي عمل أدبي أكان سرديا أم شعرياً، بل إن العمل الأدبي هو اقتراج…

صبحي دقوري

كولن هنري ولسون Colin Henry Wilson كاتب ومفكر وروائي إنكليزي، وُلد في ليستر بإنكلترا في 26 حزيران/يونيو 1931، وتوفي في كورنوال في 5 كانون الأول/ديسمبر 2013. كتب في الفلسفة، الأدب، التصوف، علم الجريمة، علم النفس، الموسيقى، والظواهر الخارقة، حتى صار واحدًا من أغزر كتّاب بريطانيا في القرن العشرين. تذكر موسوعة بريتانيكا أنه ألّف أكثر…

أعلنت منشورات رامينا في لندن صدور رواية «نموت دائماً متأخّرين» للكاتبة السورية لينا رضا، في عمل روائي جديد يقترب من أكثر المناطق هشاشة في التجربة الإنسانية، عبر سرد نفسي وتأملي يتناول المرض، المنفى، العزلة، وأسئلة الموت والنجاة، ضمن فضاء روائي يضع شخصياته على تخوم القرار الأخير.

وتنطلق الرواية من مركز علاجيّ غربيّ يستقبل مرضى ومتقدّمين بطلبات…

صبحي دقوري

ليس الاختلاف نقصاً في نظام العالم، ولا عيباً في بنية الحياة، ولا شذوذاً عن قاعدة الخلق، بل هو القاعدة الخفية التي يقوم عليها كل شيء. فما من حركة في الطبيعة إلا وفي أصلها فرق، وما من ولادة إلا ووراءها تباين، وما من فكرة جديدة إلا وقد خرجت من احتكاك فكرتين، وما من مجتمع…