التشكيلي محمد سعدون وإختزال روح المكان

غريب ملا زلال 

الفنان التشكيلي محمد سعدون من الجيل الذي يرتدي مصدّات بها يتفادى على وجه الخصوص المغامرة التي تتطلب شجاعة ما، فسعدون يتحاشى و إن بصعوبة غير معلنة تجاوز المألوف فهو صامد أمام متغيرات تعصف سريعاً بكل شيء بما فيها تلك الحدود الفاصلة بين الإنسان والمكان الذي ينتمي إليه، ولهذا نرى أن هذا الإنتماء عند سعدون يحمل درجة عالية من النقاء حيث يجسد في جلّ أعماله ما ينتمي إلى هذا المكان و يتنفس به من تراث وعادات وفولكلور، فبقي مراقباً لعوالم جديدة من منظور إعادة الإقتران بالحراك العام والكشف ببراعة جمالية عن نبض التراث الكلاسيكي للجزيرة السورية والكردي على نحو أدق مقتنعاً أن هناك كنوزاً مازالت تنتظر من يمسح عنها الغبار وتحتاج إلى بحث كبير بالتوازي مع رسم الفنان لنفسه هدفاً يعمل جاهداً و بمتعة أيضاً لتحقيقه، ويفعلها سعدون كثيراً بالتزامن مع توجهه لترتيب فوضى شخوصه وتنظيم علائقها دون أن ينزع عنهم الزمن بل يجسد بالحركة و بنزعات عقلانية بها يحاول سعدون أن يتحرر ولو جزئياً من هيمنة المقاييس المجتمعية مع وجود شروط ملائمة لإرتياد فضاءات تنضح بالتراث الجميل وهذا ما دفع سعدون إلى إيجاد مرآة للصعود مع توفر شروط الضرورة لذلك وعلى إعتبار البيئة المحلية مصدراً أساسياً لأعماله يتوغل في شرقيات المكان وروحها الحميمية وبثقافاتها ومكوناتها المتصلة بالقيمة الحضارية والفنية للإسهام في بلورة مفهوم الواقعية في الفن والتي باتت تعيش في إغتراب شبه تام . 
والمعادلة الإبداعية عند سعدون تتلخص بنقل التراث وروحه وتوجيهه نحو صحوة نهضوية بتقنيات خاصة مغالباً بها واقع الحال بسماكات ملموسة يعمل عليها بحدود يعلنها سعدون بإختيار حالات محلية يشتغل عليها بمستوى البحث عن تساؤلات الإجابة عنها تلخص وقفاته الكثيرة والطويلة أمام مسارات هي بمنزلة رواق يغريه بالدخول بوصفها مفهوم إجرائي يستعين بها سعدون في إحضار نصه الغائب / الحاضر و بها أيضاً يحدد مكونات هذا النص و العائم بين الواقع الحكائي بنسبة عالية و المتخيل بنسبة أقل، و في هذه الحال فإن المتخيل يُكسر أمام طغيان الواقع الخاضع لنهايات واضحة تكون خياره ضمن حركة عناصر متفاعلة في صداه، فسعدون يستغل المتاح له و هو كثير زمانياً / مكانياً، و ريفياً / مدينية، فليس من قبيل المصادفة أن يخطو سعدون إبداعياً و بتعبيريته الواقعية و التي تخفق عنده بقوة الإقتران بالحكايات الشعبية المختلفة، بالذاكرة المتلحفة بنفحات إنسانية و المحاورة لسياقات الواقع بهواجسها المتدثرة بحصيلة من مشاعر الناس عبر لغة تؤثر سعة الحياة، فهو يضع ريشته على الجذور الممتدة بين الناس بشكلها الدرامي الجميل و الذي يدفعها إلى حوار و جدل لكشف ملامحها الأساسية، عبر رغبته في بوح السر على بياض عمله والذي ينطوي على رؤية عقلانية دون نزوع تعميمي أو تبسيطي، فهو يحاول أن يختزل روح المكان في عملية عودته للتراث الشعبي الكردي المحكوم بالتواصل الكبير مع الناس دون أن تكون لحكايته هذه نهاية واضحة، رغم محاولته تركها مفتوحة .
يذكر أن محمد سعدون من مواليد مدينة عامودا سنة 1964، درس ومارس وعشق الفن التشكيلي عن موهبة.
عُرضت أول أعماله عام 1988 في مدينة عامودا، بالإضافة إلى مشاركاته في عدة معارض أخرى آخرها في مدينة ديار بكر في تركيا عام 2010.
يقول الفنان واصفا تجربته التشكيلية “أنا أرسم شخوصا لا يكررهم الزمن مرة أخرى، وجوها غريبة وفلكلورية، أرى من خلالها الأساطير القديمة وحكايا الأجداد، ومثال لوحة ‘علي بك’ من خلال تراسيم وجهه الشرقي وعمامته، ومثل هذه الشخصيات لا تعود وتبقى في ذاكرة منسية لذلك لا بد أن ترسم لتبقى”.
ويضيف “أرسم المرأة كعنصر تعبيري ورمزي وجمالي، لأنه في الحضارات القديمة تمثلت المرأة بالألوهية كآلهة الجمال ‘فينوس’ عند اليونان، كما أن اسم المرأة جاء تعبيراً مرتبطاً بالحرية والوطن والأم والحبيبة والأسطورة والحلم، وحين أرسم المرأة فإنما هو تعبير عن الانتظار والفقدان، وهي أحد العناصر المساعدة لتكوين اللوحة وتحقق القيم التصويرية في أي لوحة فنية ويتم طرح مواضيع كثيرة عن طريق رسم لوحة لامرأة أو وجه نسائي”.
ويرى الفنان أن “التراث الشرقي مملوء بالحكايات والقصص الجميلة، فحاملات القش والطبيعة ونسوة الحصاد والعاملات في الحقول والمحراث القديم والأساطير القديمة، كلها لوحات فنية تدغدغ الذاكرة”. 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فواز عبدي

في شقة صغيرة في مدينة دورتموند، جلس دارا أمام شاشة الكومبيوتر يتصفح أرشيفاً رقمياً عن معرض دمشق الدولي. لم يكن يبحث عن شيء محدد. فقط كانت لديه رغبة عارمة في أن يربط بين ذاكرته الممزقة وبلدٍ لم يعد يعرفه إلا من صور باهتة وأخبار تأتي من بعيد محمّلة دائماً برائحة من آثار الحروب، وأحاديث…

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…

بهمن قوبادي يرصع قمة جبال هوليود بفيلمه الجديد الاشجار تنظر
بعد سلسلة أفلامه التي حازت على عدة جوائز ضمن مهرجانات السينما العالميه ،
مهرجان سيباستيان – اسبانيا
مهرجان روتردام – هولندا
مهرجان فلورنسه – ايطاليا
مهرجان كان السينمائي – فرنسا
مهرجان تورنتو – كندا
حيث شارك في تلك المهرجانات بأفلام تركت بصمة في عالم السينما ، كفيلم:
وقت الجياد المخموره و قد ترجم…