قوة الحب:

أحمد إسماعيل إسماعيل

نشب في الخمسينيات من القرن الفائت شجار في حي قدوربك بالقامشلي بين الأومريين والمحلميين. 
سرعان ما تحول الى معركة بالعصي والحجارة والسكاكين اشتركت فيها النساء والرجال من كلا الطرفين ..ولم تستطع الحكومة حينها إيقافه إلا بعد دخول قوات عسكرية كبيرة مدعومة بالمصفحات. 
أما السبب فيطول شرحه ويكفي أن نشير إلى أن لسياسة فرق تسد التي جلبها معه البكباشي عبد الناصر دورها في إشعال نار هذه الفتنة.
حينها كان أبي يعمل في محل خياطة “الجوادر ” في سوق البلد..فذهب إليه أحدهم وأبلغه أن معركة كبيرة تجري في الحي وأهله طرف فيه. وعلى الفور أغلق أبي باب المحل. وقبل أن ينطلق نحو الحي أعلمه صاحبه بتفاصيل ما يحدث وهوية المتصارعين.
ومن فوره استدار أبي نحو محله ودخله وجلس.
ليرد على دهشة صاحبه:
لن أذهب وأقاتل.
إذ كيف سأقاتل المحلميين وزكية خطيبتي التي أحبها منهم.
طبعا نال والدي على موقفه هذا توبيخات كثيرة دون اتهامه بالجبن، فقد كان اسماعيل أوسي معروفا بشجاعته.
لتكافئه أمي بأخلاص نادر في حياته وبعد رحيله المبكر وهي في الثلاثين من عمرها.
بعدها هدأت النفوس وساهم والدي في تجسير العلاقة بين الطرفين وفاز حبه…ولكن تمزق الهوية الذي ألقى بظلاله علينا له حديث آخر..
مناسبة هذا القول يا سادة يا كرام هو سرديات هذا الزمن عن تخندق الزوجين أو الخطيبين في أول مشاحنة تنشب بينهما أو بين أهليهما وإصرار الأهل على إشراك الزوجين أو الخطيبين في نزاعاتهم.
…..
إلام يعود ذلك ياترى؟ 
هل يرجع إلى غياب الحب بين الطرفبن وهشاشته؟
أم الى غياب الوعي لديهما؟
أم إلى “قلة الأصل” كما يقال؟
أم إلى أنانية الأهل وحمقاتهم نتيجة الردة العصبية التي أبتلينا بها؟
تذكرت هذا الموقف وأنا أتامل صورتي والدي.
قليلا من الحب
كثيرا من الاحترام
وكثيرا كثيرا من الحرية.
ملاحظة
الفارق الزمني بين الصورتين كبير، أعتقد أن صورة أمي التقطت بعد حوالي عشرين سنة من وفاة والدي الذي رحل سنة 1973 ولم يبلغ الاربعين.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فواز عبدي

شهدت تركيا بعد انقلاب عام 1980 العسكري واحدة من أقسى الفترات في تاريخها الحديث. فقد فرضت حالة طوارئ طويلة، وانتشرت عمليات الاعتقال والتعذيب والمداهمات الليلية، وصارت الحياة اليومية، وبشكل خاص في مناطق كردستان، محكومة بالخوف والرقابة الشديدة؛ حيث كل زاوية تنبض بالرهبة: خوف من زيارة صديق، من الاحتفاظ بكتاب، من كلمة تقال في مقهى،…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

لَيست الأمكنة مُجرَّد جُغرافيا صامتة، ولا هي حَيِّز مُحايد تتحرَّك فيه الشخصياتُ كَيفما اتَّفَق، إنَّها كائن حَي ، يتنفَّس الذاكرةَ ، ويتشكَّل بالزمن ، ويُعيد تشكيلَ الإنسانِ في الآن ذَاتِه .

في أدبِ كُلٍّ مِن الروائي الفِلَسْطيني إبراهيم نصر اللَّه ( وُلد 1954 ) والروائي التُّركي أُورهان باموق…

ماهين شيخاني

في كوردستان، لا يُولد الأديب وفي يده قلم فقط، بل يولد وهو يحمل سؤالاً ثقيلاً:

كيف أكتب… وأنا لم أؤمّن خبزي بعد؟

ليست معاناة الأديب الكوردي رومانسية كما يتخيل البعض، وليست تلك الصورة الحالمة لشاعر يجلس تحت شجرة ويكتب عن الحب والحرية.

الحقيقة أكثر قسوة:

الأديب هنا يعيش بين جبهتين:

جبهة الحياة… وجبهة الكتابة.

الأديب الذي يعمل خارج حلمه

في الصباح،…

قصة: م.علي كوت

ترجمة: فواز عبدي

5 أيار 1986/ ماردين

أخي العزيز (…..)!

قبل أن أبدأ رسالتي أهديك تحياتي الحارة وأقبل عينيك السوداوين. يا أخي، أرسلت لك عشر رسائل وها هي الرسالة الحادية عشرة. ولم نتلق منك أيَّ جواب! لنعرف على الأقل إن كنت مازلت حياً وسالماً. حتى ترتاح قلوبنا. دموع أمي لا تفارق عينيها! تجلس كل يوم، تبكي…