حديث عن اللغة الأم وغيرها

إبراهيم محمود

في الندوة الحوارية التي حمَلت عنوان” الشاعر بين لغتين: اللغة الأم ولغة أخرى ” والتي أقيمت على هامش معرض أربيل الدولي للكتاب ” 26-4-2024 ” من قبل جامعة صلاح الدين في أربيل، وأدارتها الأكاديمية الدكتورة سارا زيد محمود، بنجاح” الساعة الثالثة عصراً”، والذين شاركوا فيها هم كرد، ويكتبون بلغة ثانية غير لغتهم الأم: الكردية: القانوني والقاضي الأستاذ بختيار حيدر، الذي يعرَف بنصوصه الشعرية المكتوبة بالعربية، والدكتور بسام مرعي، وهو يترجم عن الروسية عدا كتاباته الكردية إلى جانب العربية أيضاً، وأنا: إبراهيم محمود، الذي يعتمد اللغة العربية كثيراً في كتاباته المختلفة، ويترجم عن الفرنسية والكردية إلى العربية، وله كتابات بالكردية كذلك. في هذه الندوة تنوعَ الحديث حول الموضوع الجديد- القديم” اللغة الأم ” والموقف منها، وبالنسبة إلى من يكتب بلغة اخرى،
 وفي الفسحة الزمنية المحددة ” 45 دقيقة ” وبحضور جمهور من محبي الثقافة والأدب ضمناً. حيث تركزت الأسئلة حول مفهوم اللغة الأم  ومكانتها الاعتبارية والثقافية في حياة المعنيين بقضية الكتابة بالذات، والعلامة الفارقة فيها: صلتها بالقومية أو بالهوية، وأي شعور يتملك الشاعر، كمثال حي في سياق الإبداع ، بصورة خاصة، حين يكتب بلغة أخرى، والهدف من وراء ذلك، وكيف يمكن التعامل مع هذا النوع الحساس من العلاقة : اللغة الأم ولغة أخرى..
لن أكون مستعرضاً لما قيل من قبل المشاركين، مثلاً شعور حيدر وهو يمارس كتابة الشعر بالعربية وهو كردي، وكيف يعيش الحالة الإبداعية لحظة الكتابة، وهو قانوني، وكذلك الحال مع الدكتور بسام الذي أنار تلك العلاقة، من جهته، بين دلالة اللغة الأم ولغة أخرى، بأمثلة تخص الثقافة التي يعرَف بها أكثر: الروسية، وصلة الروسية كلغة رئيسة، في فترة الحكم السوفيتي، باللغات الأخرى” في آسيا الوسطى، مثلاً ” ولم يخف شعوره تجاه اللغة وتقديره للغة الأم وأهمية التفاعل معها.
وهكذا الحال مع ما توجهتُ إليه. .. وهنا يمكنني أن أركّز على إشكالية الحديث عن اللغة الأم وربطها بلغة أخرى..
ما أكثر ما قيل ويقال حول ذلك، وكردياً، بصورة خاصة.. وفي منحى تعبوي على أكثر من صعيد..
( من اليمين: د. بسام مرعي، د. هاوكار حمه شرف- د. سارا زيد محمود- ست حنان صديق أحمد-أ. بختيار حيدر- أ. شيرين الخطيب-أ. إبراهيم محمود-أ. خالد جميل محمد. في كافتيريا المعرض “
اللغة الأم مفهوم ميثولوجي وله تاريخه،  قبل أن يكون مدفوعاً إلى الواجهة في سياق آخر.. إن أرجعناه إلى بداية ما” لسان آدم، لسان من ؟ ” أي لغة أم لآدم، لنتحرك هكذا، وبرج بابل؟؟
المهم، هناك ما يتجاوز الجانب البيولوجي، وفي عالم اليوم، تنوعت العلاقات وتوسعت، ونصف سكان العالم أصبحوا ثنائي اللغة، والكرد هكذا ..
في حالة واحدة، يمكن أن أشدد على اللغة الأم وربطها بقضية وجود: عندما يكون وجودي متوقفاً عليها، وتشكل العلامة الفارقة لهويتي القومية، دون ذلك، يكون المسار مغايراً. الاكتفاء باللغة الأم: الوحيدة مأساة كبرى. اللغة الأم لا تُذكر إلا بوجود لغة أم ثانية وثالثة …إلخ.
واللغة الأم ليست بسيطة، إنما مركَّبة، فهي في البيت غير ما هي عليه في المؤسسة أو في الكتابة الفعلية.. وهذا التنوع يشير إلى مدى سعة دائرة هذه العبارة وعمقها الدلالي والتاريخي.
كردياً، ما أكثر الذين يراهنون على اللغة الأم بوصفها خاصية الهوية، ولكنهم لا يمنحونها تلك الكينونة الحية مكاناً وزماناً، إنما يركزون على مجرد اللسان دون التركيز على البعد النضالي الاجتماعي، السياسي، الاقتصادي، النفسي والفكري…إلخ .
حساسية الكردي جهة اللغة الأم مرتبطة بوضعه السياسي: تقاسمه بين مجموعة أنظمة، لتكون لغاتها: العربية- الفارسي- والتركية معبّرة عن استبداد قومي في الحال، وهو لا يجد أي مضايقة حين يكتب بالانكليزية أو الفرنسية وغيرهما.. للتذكير: جلادت بدرخان كان يكتب بالفرنسية، وكاميران” أخوه ” كان يكتب بالألمانية الفرنسية كذلك.. وليس من حساسية من قبلهما تجاه هاتين اللغتين.. 
الأمثلة حول ذلك كثيرة: اليهودي يشعر بأنه كان الضحية الكبرى في التاريخ على وقع الهولوكوست.. ورغم ذلك فإن شاعراً يهودياً مثل بول سيلان، كتب بالألمانية” لغة جلاديه النازيين ” كما أفصح عن ذلك.. دريدا المفكر اليهودي، كتب بالفرنسية، ولكنه حمَّلها بصمته اليهودية…
إبداعياً، ثمة انفصال عن مفهوم اللغة الأم لحظة الكتابة بالنسبة إلى الشاعر، وهو يكتب بسوية خاصة به، ويستطيع أن يحمّل اللغة، أي لغة، إن امتلك القدرات اللازمة، ما يريد نقله خارجاً.
كما في حال سليم بركات، الذي تمكن من أن يودِع العربية أحاسيس الكردي ومشاعره وهواجسه، إلى درجة إشعار العربي نفسه بالحيرة من لغة هي لغته ولم تعد لغته في تركيبها.. هكذا يمكن تحرير اللغة من وصائيتها القومية أو ” الأمّوية ” كما لو أنها ليست لغة أي” أحد “
وأنا من هذا المنظور، لا أجد أي حرج في الكتابة بأي لغة، طالما أستطيع تحميلها معاناة لا تتوقف علي أنا شخصياً إنما تعنيني كردياً، وبمعناه العام..
ثانية أؤكد، أنه بقدر ما يجري التحدث بلسان اللغة الأم يتم الابتعاد عما هو إبداعي..وما أكثر الذين يصرّحون بأنهم من دعاة” اللغة الأم ” دون تفريق بين خاصيتها الاجتماعية والفكرية والإبداعية.
من يبدع تحت مظلة اللغة الأم، كما لو أنه في حضن أمه، يصيبها بالهزال.. والأمثلة كثيرة..
ومؤسف جداً أن هناك من يعتبر أن مجرد حديث أحدهم عن أنه يستطيع التعبير عن كرديته بأبعادها المختلفة بلغة أخرى، تخلياً عن هذه اللغة وخيانة لها.. وبؤس الفهم للعلاقة هذه..
وما أريد التأكيد عليه هو أنني لا أخفي كرديتي، إنما بعيداً عن ” العراضة والمنافحة، كما لو أنني بمجرد تلويحي بلغتي الأم، أستحق الانتماء إليها وعبْر الإبداع..
وفي عالم اليوم حيث اتسعت الحدود، عالم السوشيل ميديا، صار من السهل اعتماد لغات مختلفة في الكتابة، واللغة الأم اليوم، ليست كحالها بالأمس. المفهوم نفسه زاد توسعاً وثراء أبعاد ..
إن لغة الآخر ليست لغة الآخر، كما يزعَم، إنما الآخر الذي يعنيني، إن تفهمت نفسي، ويعنيه، إن تفهمت حقيقة العلاقة بيننا، وبالطريقة هذه نصبح أكثر امتلاء بما هو إنساني..
إنه الاعتراف بجملة التنوعات والاختلافات المتكاملة والمتفاعلة مع بعضها بعضاً..
من هنا يمكننا الانطلاق.. من هنا يمكننا التفكير والتدبير.. لنعيش في ذمة الأمومة الكونية بجلاء..
تفاعل الحضور الثقافي كان لافتاً.. وهو ما يعزز ما توجهتُ إليه وتوقفت عنده في ” الختام ” !

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…