لم يكن حلما

آهين أوسو

(واااا عليوووو وريدااااا)
الجملة التي طالما سمعها أهالي تلك القرية المنسية ؛القابعة على ذلك التل البعيد .صوت خشن مليء بالعنف .
إنها رقية السيدة الستينية التي تزوجت خالو خلف الرجل الهزيل ذو الظهر المنحني والوجه المليء بالتجاعيد .
تجاعيد وجهه تحمل تعب سنوات قضاها تحت شمس الصيف وبرد الشتاء .
رقية لم تكن راضية بزواجها منه لذلك قضى معها عمرا من المناوشات والازعاجات.
يقضي نهاره وهويسرح بأغنام القرية وعند عودته للمنزل تستقبله ابنته العانس في الدار، وتطلب منه خلع نعليه وتسلط عليه خرطوم الماء صيفا كان أم شتاء لأنها تخشى أن يوسخ البيت.
يجلس خالو خلف في زاوية الغرفة كأنه غريب، يستجدي منهم رغيف خبز يأكله مع كأس اللبن لتصرخ في وجهه ابنته قائلة (الآن” تزهرمت” ألم تشبع بعد؟ ).
_ إنه نصف رغيف لم يسد جوعي.
-أليس لدينا مانقوم به سوى إطعامك.
يبلع الخال خلف لقمته الأخيرة قبل أن يمضغها ويغرق في صمت طويل .
خوفه من علي ابنه الأكبر كان يعصر أحشاءه وماتبقى من كرامته.
مظهر علي الخارجي كان يوحي بقذارة أخلاقه فقد كان طويل القامة عريض المنكبين. يحمل على جبهته العريضة حاجبين غليظين، أما رأسه فلا يحمل سوى بضع شعرات. 
صلعته تلمع تحت أشعة الشمس. غزارة في إنتاج الشعر وسوء في توزيعه.
نعم إنه غليظ القلب فظ الكلام جفص الأسلوب صعب التعامل. متوحش في تصرفاته جل مايقوم به هو التهجم على والده ليبرحه ضربا، ويجعله يرضخ لأوامر والدته الخبيثة.
-رقية: مابك ياعلي أراك غير مرتاح؟.
-علي: أشعر بآلام في أحشائي،الطعام لايهضم ، أشعر بثقل في أمعائي كأني أبلع حجارة.
– ولم لاتزور الطبيب ؟
– سأفعل فالوضع لم يعد مريحا.
أما خالو خلف فلازال يقبع في تلك الغرفة الصغيرة الأشبه بسجن. ليس فيها سوى سرير يكتسيه الصدأ،تفوح منها رائحة الموت بجميع أشكاله ،يكسر عتمتها مصباح صغير . يداه مشدودتان إلى السرير.
نعم هذا ما آل إليه وضعه في الفترة الأخيرة
لم يكن صوته يفارق أسماع أهالي القرية ،كانت آهاته تملأ أرجاء القرية،وكان كلما زادت آهاته، وأنينه ارتفع صوت عليو فوق صوته ليتحول أنينه إلى غصة تجف في حلقه.
– اصمت وإلا جئتك وحطمت عظامك 
اصمت يابن ال………
أقسم أنني اذا وصلت إليك أذقتك من الضرب مالم تذقه من قبل .
هكذا كان يرد على صرخات والده .
تمر الأيام ليكتشف علي أنه يعاني من السرطان ،سرطان القولون الذي لا يستهان به.
تحولت رقية بعد سماع الخبر إلى جثة هامدة لم تستطع تحمل الخبر،سقطت أرضا لتنهال عليها كؤؤس الماء وتنهال اللطمات من جميع الجهات .
– ماهذا ياربي ؟
– ماذا أسمع لا لا … لايمكن … هذا غير صحيح 
إنه كبيرها.فلذة كبدها. كيف ستقضي عمرها من دونه؟
 إنها لاتستطيع العيش من دونه فهو المدق في يدها والذي كسرت به عيون أهالي القرية وعين زوجها أولهم .
تدهور وضع عليو خلال بضعة أشهر فقط ليتحول إلى كومة من العظام يكسوها جلد رقيق ،حاجباه الغليظان لم ينج منهما سوى بضع شعرات لم تستجب لنداء الكيماوي ،صوته الأجش ماعاد يسمع ، عيناه الواسعتان غارتا في وجهه. التصق جسمه بالفراش، وكان كلما طرق أحدهم الباب قام بتغطية رأسه لئلا يراه أحد في هذا الوضع .
رقية تموت بشكل بطيء ،تذوب كقطعة شحم على صفيح ساخن .
هي عدالة السماء إذا التي حولتهم إلى ذلك الحال .
توفي خالو خلف بعد مرض عليو بشهر واحد ،وظل عليو يصارع السرطان ماتبقى من أيامه ،لم يذق طعم الراحة إلا في تلك الليلة التي تحدث عنها أهالي القرية بقولهم( şelîpanbû
حبال من المطر تصل السماء بالأرض،لايسمع إلا صوت المطر ،السواد يغطي القرية كلها حتى إنك إذا وضعت إصبعك في عينك لن تراها .
أقسم أحدهم أنه وفي تلك الليلة الظلماء رأى خالو خلف بأم عينه ،رآه يمشي نحو منزله كعادته بذاك الظهر المقوس وثوبه الذي كان يمشط الأرض، رآه من بعيد ولم يتجرأ على الاقتراب منه لكنه واثق أنه هو.
– نعم رأيته بعيني اللتان سيأكلهما الدود لست خرفا ولم أجن بعد أقسم أنني رأيته كان يمشي الهوينة كعادته فقد كان رجلا هادئا طوال حياته تحسبه لايمس الأرض بمشيته لشدة هدوئه ،رأيته ناحية المقبرة متجها نحو منزله وذلك عند عودتي بسيارتي من القرية المجاورة ،لمحته عندما توجه ضوء السيارة صوب المقبرة .
هذا ما قاله ذلك الشخص مع ولوج الصباح ليتفاجؤا جميعا بخبر وفاة عليو .
صوت رقية كان يهز القرية كلها وااااااااا عليووووووو لكن هذه المرة لا ليقوم بضرب والده. إنها المرة الأولى التي ينجو فيها خالو خلف من هذه الصرخة المشؤومة ومن ضرب عليو.
رحل عليو لكنه قبل رحيله أخبر والدته أنه رأى أباه ليلة البارحة في منامه ،رآه فاتحا ذراعيه ليقول له ( أعلم أنك تتألم ،أعلم أنك لم تذق الراحة منذ زمن ،تعال ياولدي تعال إلي فلن تجد الراحة إلا بين ذراعي )

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فواز عبدي

هاتفني صباح هذا اليوم ليخبرني أن كلبه قد هرب. وحين سألته عن السبب، قال:

إنك تعلم كم كنا نعتني به، وندللـه.. لقد صار كأحد أفراد عائلتنا ولا نستطيع مفارقته.. إننا..

قاطعته:

لا أعلم إن كان لديك كلب. وعلى حد علمي فإنك كنت تكره الكلاب..

قال: صحيح. ولكن بعد عودتي من الخليج، وبعد أن أتممت هذا البناء، طلب الأولاد…

صبحي دقوري

تتقدّم البشرية اليوم نحو منعطف لا يشبه ما سبقه إلا في الظاهر. فمنذ الثورة الصناعية الأولى، والإنسان يخاف من الآلة، ويظن في كل مرة أنها جاءت لتسلبه عمله ويده ولقمة عيشه. غير أن ما يحدث اليوم مع الذكاء الاصطناعي أعمق من مجرّد دخول آلة جديدة إلى المصنع أو المكتب. نحن لا نواجه آلة تحمل…

ماهين شيخاني

ليس خلافاً أن تُدعى قامشلو، أو قامشلي، أو قامشلية، أو حتى زالين.

فالمدينة، كالجوهرة، تتراقص على ألسنة أبنائها بأشكال مختلفة، وكل لفظةٍ منها تحمل عبقاً خاصاً، ونغمةً تليق بمن ينطقها. وكما أن اسم “حسن” يتحول بين الناس إلى “حسنو” و”حسني” و”حسو”، دون أن يفقد جوهره، فكذلك مدينتنا تبقى هي هي، مهما تنوعت حروفها على الشفاه.

المشكلة…

صدر حديثاً عن منشورات رامينا في لندن كتاب «حياة مليئة بالأحلام» للكاتب هِنير سليم، بترجمة عربية أنجزها سعيد حكيم. وفي هذا العمل الروائي يواصل هِنير سليم استكشاف أسئلة المنفى والهوية والذاكرة واللغة، عبر سرد تتعانق فيه السخرية السوداء مع التأمل الإنساني العميق، وتتقاطع فيه التجربة الفردية مع قضايا الانتماء والاقتلاع والبحث الدائم عن المعنى.

تبدأ الرواية…