قصيدة الباب

إبراهيم محمود
أيها الباب الباب
ركّز معي جيداً يا باب
لا يغرّنك فصلك بين فراغ وفراغ
أنت مجرد باب
باب وليس سواه
من خشب، حديد، ألمنيوم
وأي مادة أخرى
مفتاح في حجم إصبع
 ربما أصغر وأقصر
يمرّغ أنفك في الذي لا تريده
يحركك وأنت صامت
فإن عصيت
فثمة في انتظارك
ركلة، قبضة، مطرقة، أو غيرها
لا تتمترس وراء صلابتك
لا صلب إلا ويُكسَر
لا تتباهى بثباتك
لا شيء يخرج عن حكم الحركة يا باب
أعمى أنت حين لا ترى أبعد من ثقبك
لا ترى إلا خلفك
هل نظرت أمامك مرة؟
لا تتباهى إلا بعلوّك
هل تحسست أسفلك مرة ؟
مفتون أنت بقفلك
وعينك على مفتاح معدٌّ له
ربما القفل يعميك عن نفسك
والمفتاح يعميك عن رؤية الآخر
***
يا باب
يا باب
ذاكرتك البعيدة فضاء واسع وشجر
كم أنت حالم وتحلق بعيداً
كم جرى انتهاك أرومتك
وقد حوَّلك المنشار خشباً
وأحالتك المسامير باباً
ومُنِحْتَ لوناً دون أخذ رأيك
وأصبحت مصلوباً دون حراك
وتتحرك وتثبت رغماً عنك
وأنت ماض ٍ في مديح نفسك
وتجاهلت ذاكرتك القريبة
ليجري العبث بك
مقيَّداً من زوايا أربع
هلّا صحوت من مكانك؟
***
بائسٌ جداً جداً أنت أيها الباب
تاريخك بؤس من اللحظة التي
أبصرتك عينٌ
واشتهتك بلسان مسمار
لا مصافحة مع مسمار يا باب
ربما امتلأت نشوة
باستدعاء صور لك
وأنت باب تصد ريحاً
وأنت مهْدٌ تريح كائناً صغيراً
وأنت جسدٌ تصل بين طرفين
وأنت دمية تفرح صغيراً
وأنت عكازة تسند طاعناً في السن
واستبعدت صورة نار في انتظارك
***
لا عتب عليك يا باب
ربما ألبستُك ما أعياك فهمه
هكذا هي سيرتك
أن توجد في عهدة غيرك
أن تُعطى غيرَك دون اعتراض
أن يقطَّع فيك وأنت صامت
أن يُرمى بك في العراء
وأنت هادىء في قرارة نفسك
أن يجري تثبيتك أشلاء
وأنت كما لو أنك لست أنت
أن توهَب قيمةً مؤقتة
ولا تبالي بأنك في ذمَّة سوق
من لحظة تسميتك بذرة
شجرة .. وهكذا
***
كم أنت طيّب يا باب
كم أنت متفان ٍ يا باب
وفيك علم العناصر الأربعة
وأنت محاط علماً بالحياة
وأنت تحفظ تاريخاً عن ظهر قلب
طاعتك وحدها ليست استسلاماً
مخلص لأصلك الأبدي
ومن يطلق عليك أسماءه
لا صلة لك  إطلاقاً بتشبيهاته
أنت يا باب
يا باب
 بكل أسمائك الخاصة
براء منه
وحتى أنا فيما قلتُه فيك
تُمتدَح بك الأرض والسماء
وأنت شجر
تمتدَح بك المداخل والمخارج
وأنت باب
تُمتدح بك النار
وأنت خشب ملقىً فيه
***
سلام لك وعليك
مذ كنت بذرة
مذ كنت شجرة
مذ أصبحت باباً
وأنت تستحيل هشيماً
وتحلُّ رماداً تذروها الرياح

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم محمود

“إلى إبراهيم يوسف طبعاً من شرفة مشتركة بيننا “

لأول مرةْ

سأرفع صوتي

مدوّ صداه

مداه مسمَّى

تسامى

إلى عتبات المجرَّة

وأعلنني طائراً في سماء تراني

كما لم أكن قبل في شرح ظلي

كما هي روحي

وفي لحظة العمر مُرَّة

أنا جمْعُ كرد

أحدّد جمعَ اعتبار

هنا في المكان

ملايين صوت

ملايين حسرة

وأعني بشارة ثورة

لهذا

سأحفر كرديَّتي في غد ٍ مستدام

على كل جذع لنبت ٍ

وفي كل صخرة

ومنعطف للزمان

وقمة…

صبحي دقوري – باريس

يُعَدّ هنري غوهييه أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في ترسيخ تقاليد كتابة تاريخ الفلسفة في فرنسا خلال القرن العشرين، لا بوصفه صاحب نسق فلسفي مستقل، بل باعتباره مفكّرًا اشتغل على الشروط المنهجية والمعرفية التي تجعل من تاريخ الفلسفة حقلًا فلسفيًا قائمًا بذاته، لا مجرّد فرع تابع للتاريخ العام أو لعلم…

تقديم عام للكتاب

يأتي كتاب “القراءة: قصص ومواقف” للكاتب الفلسطيني فراس حج محمد (2026) كمشروع فكري وأدبي طموح، لا يكتفي بالحديث عن القراءة كفعلٍ تقليدي، بل يغوص في أبعادها الوجودية والاجتماعية والنفسية. ينتقل المؤلف عبر فصول الكتاب من التأمل الشخصي إلى النقد الثقافي، ومن السرد الذاتي إلى التحليل المجتمعي، مقدماً رؤية شاملة ترفض التبسيط السائد في خطاب تمجيد…

إبراهيم محمود

هنا حيث انت كُباني
هناك
كما أنت أنت كباني
مرتّلةُ حجراً باركته السماء
مكلَّلة أملاً أعلنته السماء
وصاغت بها المعاني
تحيلين بردك بُرداً
تحيلين جوعك وُرْداً
تحيلين صمتك ورداً
وملؤك كردية مذ تجلى الإله
ومالت جهات إليك
وهابك ناء وداني
هي الأرض تصعد باسمك
أعلى كثيراً من المتصور طبعاً
سماء تشد خطاك إليها
كعادتها، وترفل في الأرجواني
وباسمك حصراً
كما أنت
تاريخك الحي باسمك
أعني امتشاق حِماك المصاني
سريرك في أُفُق الأمس
واليوم
والغد
كرديّ
دون ارتهان
أراك كباني
كما…