جكرخين في ذكرى رحيله الـ ( 23 )..!

 دهام حسن
 
أحيت بعض الفعاليات الثقافية بمشاركة سياسية، الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل جكرخين، الشاعر الأكبر حضورا، والأكثر صيتا، على صعيد كردستان، وعلى امتداد القرن العشرين تقريبا. ( 1903ــ 1984) عاش جكرخين حالة من الفقر والعوز الشطر الأكبر من حياته، كما عانى الاعتقال والملاحقة فترات… كل هذا لم يهن من عزمه وهمته، بقدر ما شق عليه جفاء بني قومه له في حياته، وقد جهر بذلك غير مرة, لكنه تنبأ صادقا، بأنهم سيحتفون به بعد رحيله، وها نحن نشهد حقيقة ما تنبأ به…
  كثير من الأخوة يتناولون نتاجه الشعري بالنقد والتحليل، وهذا شيء جيد، وجهد مشكور، يستحق صاحبه الثناء؛ لكن فريقا من هؤلاء كثيرا ما يعمد للحط من شأن جكرخين، والنيل من شهرته، بشيء من التحامل، وقليل من التأني، عند وقوفه على بعض الوهن والهنات في شعره، والمعلوم أن هذه الهنات تسري على جميع من يكتبون الشعر دون استثناء، ولا أحد يفلت منها، أو بمنجى عنها، نقول في هذا المدار: لا يمكن الحكم على شعر جكرخين، بمعزل عن الواقع، أو بتره عن سياقه التاريخي؛ بل هنا، تكمن عبقرية جكرخين.! من غير المنطقي أن نقارن شعر جكرخين، الذي عاش في بيئة فقيرة، متخلفة، جاهلة، بعيدة عن دور التعليم؛ فلو أنك قطعت عشرات القرى لما وجدت واحدا يفك الأحرف، أجل.. لا تصح مقارنة شعر جكرخين، بنتاج شاعر عاش في أوربا، أو حتى في القاهرة ودمشق.! فللحكم على صحة وقوة فكرة ما، ينبغي ألا تقارن بفكرة أخرى، بل مقارنتها بالواقع.! عندئذ يأتي الحكم بمنهجيته صحيحا ملموسا.. وهنا نأتي على بعض الحالات، التي تميز بها جكرخين، وربما تفرد بها، في مجالات الشعر والفكر، وجكرخين الإنسان..! ــ كتب جكرخين الشعر، ونبغ فيه، عندما كانت الأمية مطبقة، حيث نشأ، وترعرع ؛ وثقافة جكرخين لا تتعدى بعض مبادئ علوم الدين، التي لا تغني ولا تسمن، وذلك، في فترة تلمذته على أيدي بعض الملالي في عامودا… ــ تميز شعر جكرخين، بوضوح العبارة، وسهولة الفهم، وقربها من ذائقة الجماهير الشعبية الكادحة، برؤاه ومقاربته لمقاساة هؤلاء، قلما تجد مثل هذا عند شاعر آخر؛ بخلاف البعض ممن يقحمون الألفاظ الغريبة المقعرة الجوفاء، كمن يريد أن يظهر مهارته اللغوية, أو حتى تستقيم القافية… ــ تجلى نبوغه الشعري في غرضين اثنين على الأخص، هما: الوصف والغزل، وكثيرا ما كان يجمع بينهما كما يحلو له، عندما يتشبب بكردستان، فيجعلها عروس الدنيا، حينها تتفتح قريحته، وينطلق في فضاءات الخيال، ليتغنى بالتالي بجمال طبيعة كردستان، حيث الفراديس الجنان، والحور العين، وصفاء الينابيع, وتغريد الأطيار… ــ جكرخين دعا بني قومه، للإقبال على العلم، دعا المرأة أيضا، للتعلم، وحتى قيادة السيارة، وأبدى عطفه نحوها، وتأسف أن لا تكون متعلمة، في وقت كان طلب العلم يعد ترفا، و تقليعة، أو ضربا من الكماليات بالنسبة للأسرة الكردية، وله بيت مشهور في دعوته للعلم أرجو أن أوفق في الترجمة: ( إذا ما انتفى العلم، لما تقدم أحد، ولتفشى كثير من العلل والأوجاع ).. ــ جكرخين ـ ربما ـ لاحتكاكه بالشيوعيين، ونضاله في صفوفهم، واطلاعه على ثقافتهم، مال إلى العلمانية، وهذه النقلة في نظري، أعتبرها مأثرة لفكره النير المتطور، وقفزة كبيرة ومتطورة إلى الأمام؛ في الوقت الذي كان من الصعب، أن تجد يافعا، لا يصوم ولا يصلي، ولا يؤم المساجد؛ ناهيك عن الكبار في السن، ولم يكن هناك أي تهاون اجتماعي تجاه تاركي الصلاة، وكان يعد أمثال هؤلاء، زنادقة ومارقين…ومن هنا أيضا، ربما، جاء هجومه اللاذع للمتدينين الجهلة.. ــ جكرخين، كان منحازا للفقراء والكادحين، وناضل من أجلهم، وعادى الملاكين، ورجال الدين، لكنه, رغم هذا ! لم يفقد احترام غالبيتهم له، تقديرا لشاعر يته، واحتراما لتاريخه، وخلفيته النضالية.. ــ كان جكرخين ، معززا محبوبا، من قبل مسيحيي القامشلي، بسبب فكره النير، وعلمانيته، ومقته للتعصب، كان حضاريا متحررا في سلوكه، متمدنا في زيه، حتى أن داره التي عاش فيها شطرا من حياته، ويرقد فيها اليوم رفـاتـا، وهبتها له إحدى الأسر المسيحية دون مقابل.. وأخيرا..! لا أريد أن أثقل على القارئ بالإطالة، وأختمها بهذه الحكاية الطريفة، وهي ذات مغزى وفائدة .. في النصف الأول من الستينيات، من القرن الماضي، وفي أحد نهارات الصيف اللاهب، كنت في محل للكوّى يعمل فيه كل من كوركين ملا حسن وعلي لوقو، يقومان بكي البالات، وإذا بـ ( سيداي) جكرخين يطل علينا فجاءة، فاقتعد كرسيا صغيرا، وفاجأني كوركين بكلامه متوجها إلى جكرخين قائلا: هذا قريبك ( وهو يقصدني ) يكتب الشعر، فالتفت إلي، وقد أخذني الحياء والخجل، عندها عرف أهلي، وعندما علم أني أنظم الشعر بالعربية، قال لي ليتك تكتب باللغة الكردية، مهما كتبت لن تبلغ شأو ( امرؤ القيس، أبو فراس الحمداني ،وربما آخرون..) وعندما عللت له، أن لي محاولات شعرية بالعربية، ثم أني لا أحسن اللغة الكردية، عندها رد قائلا: هذا صحيح، فإني لو لم أتقن اللغة الكردية, والعربية،( وشيئا من التركية أو الفارسية ) وأعتذر ما كتبته مابين قوسين لأني غير متأكد من أيهما، أعني التركية والفارسية، وأعلم أنه قد قدم من تركيا صغيرا، ثم دار الحديث، وإذا به يقول: إن الملالي أكثر وعيا منا، فعندما وجدوا المنفعة في الدين انداروا إلى الدين، لكي يكتسبوا رزقهم من زكاة أهالي القرى، وعندما ولت المنفعة، أي لم تعد في الدين منفعة الزكاة، هجروا الدين قبلنا، ثم أشار بيده باتجاه سوق ( الفاتورة ) قائلا: غالبية من في سوق هم من الملالي، وفي هذه الأثناء، جاء سائق سيارة، ووقف بسيارته إزاءنا، فسأله جكرخين إن كان بمقدوره أن يأخذه إلى البيت في طريقه، فاعتذر السائق، بأنه لن يمضي في هذا الطريق، وقد ساء ني من السائق هذا الموقف السلبي، وبعدها بلحظات، ودعنا جكرخين، ومضى وأنا أتعقبه بنظرات، وإذا به يأخذ الشارع ، بذاك اليوم القائظ، ماضيا بهمة باتجاه البيت، رافعا هامته عاليا وكأنما..! وكأنما يتحدى الشمس..!

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…