قول على قول.. تعقيب على الحوار مع الكاتب أحمد طايل..

دهام حسن

في حوار مع السيد أحمد طايل كاتب من مصر، أجرى الحوار الصديق حسين أحمد الذي تمرس في هذا المجال، فاحترف صنعة الحوار؛ طرح المحاور مجموعة من الأسئلة تناولت حقول معرفية عديدة… كان لا بد لنا من وقفة سريعة، وتعقيب صغير …
بدا لي من خلال الحوار، أن الأخ أحمد طايل، نشأ في بيئة محافظة، تحت رعاية أب ذي حشمة وكبرياء، صارم بعض الشيء  في معاملته، أحمد طايل، لم يكمل دراسته، كتب الشعر في سن مبكرة لفترة، ثم هجره الشعر، انقطع عن الكتابة،  لفترة طويلة ثم عاد إليها، احترف مجال الحوار، حيث وجد فيه نفسه…
ليت الأخ طايل، استمر في ميدان الحوار فحسب، ولم يتخطه، ربما أجاد وأفلح فيه، لأن الميادين الأخرى، بحاجة إلى عدة أخرى، بحاجة إلى خلفية معرفية أكثر، وجهد إضافي، واطلاع سياسي واسع… وهذا ما لا يمتلكه السيد طايل للأسف…
الضعف في التعبير والركاكة يطغيان على مجمل  الحوار، فضلا عن القصور الواضح والجهل  في الجانب المعرفي، والتي سنقف عند بعضها لاحقا، ناهيك عن الأخطاء النحوية الكثيرة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يقول السيد طايل: (قدمت لمصر اسمان، والصحيح اسمين) (فتحت عيناي ، والصحيح عينيّ، فالتاء في ” فتحت” هي تاء الفاعل) (مع جلساؤه، والصحيح مع جلسائه) ، (ولا يتكاسلوا والصحيح لا يتكاسلون، فـ لا نافية غير جازمة كما يفهم من سياق العبارة) وأخطاء عديدة أخرى مبثوثة في ثنايا الحوار…
بدأ أحمد طايل بكتابة الشعر، في سن مبكرة، ويبدو لي أنها كانت بداية غير موفقة، وفق النموذج الذي أدرجه في الحوار وهو التالي: (على الجبين كتبت أنشودة حب لم تكتمل /  لفتى قال أن هذا الحب أبدا يعش / كتبتها للأعين التي بالحب لم تكتمل ــ ربما لم تكتحل ــ /  وفتاة  قالت أن من الحب أخاف، أخاف، وأرتعش) الوهن والضعف واضحان في المقطّعات الشعرية، النص خال من الإحساس، كما يفتقر إلى صور وأخيلة، فلا يثيرك بشيء، ثم  لماذا .. جزم يعش، ألكي تستقيم مع أرتعش، المتخذة  كقافية؛ طالما المقطع الشعري غير موزون، فلماذا هذا التكلف الخطأ، لأن الصحيح هو يعيش، دون جزم… وإذا ما تناولنا الجانب المعرفي، يقول أستاذ طايل في أحد ردوده ما يلي : (لابد من ترسيخ وتوحيد الأفق الكتابي للمبدع والمثقف العربي، ليصبح منهجا واحدا.) ما هذا يا أستاذ طايل، كيف نوحد الأفق، ونوحد المنهج، وبالتالي نقضي على التناقض والاختلاف، أليس بالتناقض، تتقدم الثقافة، ويبدع المثقف؟ هذا يعني أننا نحكم على هؤلاء أن يعملوا في إطار محدود، مقفل، أي نحكم على النتاج الإبداعي بالموت، أليس ما تدعو إليه هو ما فعله النظام الشمولي السوفييتي في السابق، و ما تسعى لتعميمه الأنظمة الاستبدادية في المنطقة اليوم، فهم يريدون منهجا واحدا، يرسمونه بسقف محدد، لن يسمحوا بتجاوزه، فلندع المبدع يهيم، ويحلق في فضاء الفكر والثقافة كما يشاء دون رقيب، نتركه لقناعاته وضميره، وحسبهما من رقيب… لكن الخطل الفادح والكبير الذي أوقع الأستاذ طايل نفسه فيه هو رده على استفسار طرحه الصديق المحاور حسين أحمد، عن مصريين من أصول كردية، وذكر له بعض الأسماء فكان رده المخيب كما يلي: ( أخي الفاضل لنضع باهتمامنا الأول والأخير، إن انتماءنا جميعا، للكيان العربي، وأتمنى من المثقفين العرب، وأصحاب الشأن الثقافي، أن يتبنوا هذا الأمر، ويؤكدوا عليه ويرسخوه، لدى الكل بالعالم، إننا جميعا، نحمل الهوية العربية، ونتمنى للثقافة العربية، وأيا كانت الانتماءات والثقافات، فكلها تصب بمعين واحد، اسمه الثقافة العربية، وأنا أؤكد لك أن الجميع يعتز بالثقافة الكردية، التي هي جزء من الثقافة العربية، ونعلم تماما مدى رسوخها، وإن بها من الرموز والأسماء العالية الهامات والقامات الكثيرين، الذين نتشرف بأنهم، أولا وأخيرا ، ضمن أبناء المنظومة العربية، وكل ما ذكرت إن كان ينتسب إلى جذور كردية، فإنه يحمل هوية العروبة، قبل أي تصنيف آخر.)
بداية أخي طايل، أنا واثق، أنك محب للشعب الكردي، وتضمر له كل المشاعر النبيلة والود الأكيد، وليس أدل على ذلك من قولك، من أن الجميع يعتز بالثقافة الكردية، مع ما فيها شيء من المبالغة المستحبة لدى مطلقيها، ثم تدلل على ما بها من قامات باسقة، وعلى العموم تشكر على هذه المشاعر الصادقة، لكن..! يبدو لي، أن قصورك في الجانب المعرفي، هو الذي دفعك بالتالي  لاقتراف أخطاء، جهلا بالحقائق التي لم تقف عندها للأسف..!
أولا، الثقافة لا تنحصر في العمل الكتابي وحده، فالزي واللغة وما حمله لنا التراث، من تقاليد وعادات وخصوصيات ، تدخل في إطار الثقافة، وهذا ينطبق على كل الأمم بمن فيهم الكرد.. فللكرد أيضا ثقافتهم، وخصوصيتهم، ولهم أرومتهم، تمتد في جذور التاريخ، فبالتالي هم ليسوا عربا، وليست ثقافتهم هي الثقافة العربية، صحيح أن الثقافات تتداخل وتتمازج، لكن تبقى هناك فوارق موجودة، أخي طايل، إنك تنسب الكرد إلى  العربية، أو أنهم عرب، والسؤال الذي يطرح نفسه، هو لمن تنسب الكرد في تركيا وإيران وهم بحدود ثلاثين مليون نسمة، وجميعهم لايعرفون  العربية، وجميعهم يتكلمون اللغة الكردية، والكرد فيهم الإيزيدية والزرداشتية، فإلى أية ثقافة أو قومية ينتمي هؤلاء ، فالكرد كسواهم  شعب، منتم إلى القومية الكردية…

 من جانبي أحترم جدا القومية العربية، وأعتبرها قوميتي الثانية، وأنهل يوميا من ثقافتها الثرة، لكن ! هذا شيء والحقيقة التاريخية والعلمية شيء آخر، وأجزم أنك لم ترد الإساءة لا إلى شعبنا الكردي، ولا لثقافته، لكن عدم إطلاعك على حقيقة الواقع الكردي أبعدك شيئا عن الصواب…

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

تنكزار ماريني
تحيةً للقارئ:

لقد سألني الكثير من الأصدقاء عبر الماسنجر، والواتساب، والمكالمات الهاتفية: “لماذا لم تحضر المؤتمر الأول؟”

بصراحة، أشعر بالخجل أن أقول إنه بعد أكثر من 40 عاماً من الكتابة، اتصل بي شخصٌ غير كاتب وقال لي: “ندعوك كضيف إلى مؤتمرنا، مؤتمر فيدرالية الكتاب الكُرد في الشتات (الدياسبورا)”.

لقد تفاجأت حقاً، ولا أريد أن أطيل القصة أكثر،…

أصدرت منشورات رامينا في لندن الترجمة العربية لرواية «غليان التراب» للكاتب الكردي أحمد ياسين بَندي، بترجمة شَمال آكرَيي، في إصدار يقدّم إلى القارئ العربي عملاً روائياً يلامس واحدةً من أكثر التجارب الإنسانية قسوةً، ويقترب من أسئلة الأرض والاقتلاع والذاكرة والهوية، عبر بناء سردي يوازن بين الحكاية والتأمل، ويمنح الشخصيات مساحة واسعة للكشف عن مصائرها في…

د. محمود عباس

لو عادت بي الحياة إلى بدايتها، فلن أختارها كما عشتها، ولن أكرر كثيرًا من طرقها وأخطائها. أقول ذلك في الرابعة والسبعين، لا جحودًا بما منحتني الحياة، ولا تنكرًا لما حققته، بل لأن في الذاكرة عثرات ما زلت عاجزًا عن الإفلات الكامل من ندمها.

خرجت من نصران، قريتي الصغيرة في غربي…

صبحي دقوري

يحتل دني ديدرو مكانة استثنائية في تاريخ الفكر الفرنسي الحديث. فقد كان فيلسوفاً وروائياً وناقداً فنياً ومترجماً ومفكراً موسوعياً، لكنه كان، قبل كل شيء، صاحب تصور جديد للمعرفة ودورها في المجتمع. لم ينظر إلى الثقافة بوصفها ترفاً ذهنياً أو امتيازاً يقتصر على العلماء والطبقات المتعلمة، بل عدّها قوة قادرة على تحرير الإنسان من الجهل…