إلى شهناز وشيرين معا…

عبدالصمد محمود

شهناز: لأجل عشق أبدي
شيرين: لأجل صداقة سرمدية

صمت مقرف، تمد الشمس أذيالها بفضول نهم نحو الغرفة, الصباح الوليد, أطلق قطاه من فخاخ الليل, حيث بدأت ترانيم يوم جديد تعزف على أوتار بالية, أما أغنيات المساء فما زالت تدفئ صدرك, مرت أيام عديدة ولكن الركب ما برحت تتألم والآذان باتت لا تفارقها طنين الأمس.
أنت…
تمد يدك بتأنٍ مفرداً السبابة حتى تلامس بشغف شفتها اللمياء, ثم ترده وتلثم السبابة في عرضها وكأنها قد خرجت لتوّها من كوز عسل.
يشرق وجهها بابتسامة ساذجة وهي جالسة قبالتك, وقد تركت ساقيها يتدليان من السرير كرقاص ساخطٍ  يتحرك بغير اكتراث.
تحدق في عينيها, تقترب أكثر وتمعن النظر في الحدقة, فيتألق فيهما وميض ساحر, وعندما ينقشع الضباب ترتسم لك صورة تنكشف سيماها كلما حدّقت في حدةٍ، وأخيراً تستطيع أن تقرأ الملامح, إذ هي ساكنة كأنها خشب موات, ترى شعرا أجعد وبشرة سمراء، ووجهاً أمرد قد لعبت فيه حدود الشفرات حتى صقلته.
ومن أعماقك يخرج صوت هامس غير مسموع.
أهذا هو أنت ؟؟ …. أأنت عبدالصمد ؟
تجيب على سؤالك وبتردد فيه تكبر وإباء.
لا لا …. عبدالصمد أقوى من هذا !! .. ولكن….. نعم نعم هو أنا عبدالصمد.
صوتك المخنوق يخذلك، أنت فاقد الطاقة, لا حركة لك تقهقه بقوة ساخرا ساخطا, ولكن لا يسمعك أحد.
تكمل حديثك إليه:
أنت….. ولكن يا إلهي لماذا يبدو عليك الإرهاق، كأنك لم تنم ليلة أمس كفاية, تسخر من ذاتك وتهز رأسك في اشمئزاز من تعليلك الفج هذا.
كأنك لم تنم…… وكيف ستنام !؟
تأنب نفسك لأنها تدخل في مواضيع لا حول ولا قوة لك فيها، وتتابع حديثك مع الخيال الشاخص الذي ما زال يتألق بصفاء في عينيها.
حسناً الآن أعرف أنك عبدالصمد……. أنت إنسان لا يشبهك أحد . أنت أفضل من الآخرين, ولكن هذه نظرة استعلائية, لنقل إذاً إنك مختلف عن الآخرين، إذا لم تكن أفضل منهم، على أي حال.
تعود ثانية تسخر من ذاتك.
لأنني…… هل يعني هذا أن أكون أفضل أو أسما….. لو سمعني فريد لأقلقه ذلك كثيراً لأن مجرد التفكير يوحي إلى تغيير مهم في شخصيتي  آآآه ……… فريد، تصمت وبعد أن تذكرت فريد.
وفجاةً يأتيك صوت متناغم رنان
عبدالصمد……. هـ ……. ـاي, ماذا جرى لك إلى أين وصلت؟
يوقظك صوتها، وتتحرك الصورة في الحدقة, ثم تعتكر ولا تعود إلى توازنها فترد حائراً  ها…….. لالا… أنا كنت فقط أتمتع بالنظر في عينيكِ
تنزل بانسياب مشوق، تطأ الأرض برقةٍ، و ترفل في ثوبها الوردي الشفاف، وتقف أمام المرآة بشعرها الرَّجِل الطويل, وأنت تظل جامداً, تنتابك قشعريرة باردة… تتذكر شيرين وتضحك باستهزاء، تلتفت إليك متعجبة في ذهول!
تهمُّ بالنزول وأنت تنطق بكلمة (شيرين) بحركة لا شعورية. تسمعك وتجيب: شيرين… أية شيرين؟
آ… شيرين ما الذي ذكرك بها الآن؟… صحيح ما أخبارها؟
تبدأ تزر قميصك دون اكتراث، وتمشي إليها، تلف يدك حول عنقها من الخلف، تحتضن ردفها في صدرك تشعر بدفء غريب، تشدها أكثر إلى صدرك، وتحدقان معاً في المرآة، تجيبك بنغمة هادئة.. لا عليك دعك من شيرين زيرين الآن, تبتسم، تبعد يدك عن عنقها وتنسلّ من بين جوانحك في دلع وغنج، وتقول: إذاً سأذهب لإحضار طعام الإفطار.
تجلس أمام المرآة, تسحب الجرار تتناول قلما ودفترا ثم تبدأ الكتابة
العزيزة جداً… شيرين
مهلا…. مهلا. أنت التي تغرف من بحر…… مهلا … لقد أوجعتني رسالتك المؤرخة في…….
أنا من براني الوجد وأدركتني أسنّة النأي، وها أنت تطلين عليَّ في لوم وعتاب.
مهلا أيتها العزيزة فإننا للأقدار طوع إماءة، وللزمن لحظة لا تذكر.
لقد قرأت رسالتك طويلا. وأمعنت فيها النظر، وعملت فيها الفكر حتى جرى بين الأجفان الوسنُ، فخرجت بفكرة مهمة عن الموضوع, قرأتها بتمعّن وسأفهم كلّ كلمة بل حتى الحروف ستنطق, وسأفهم لغتها، عشت كلماتك بأحاسيسها ومشاعرها، فكلماتك تعرف أن تضحك مثلما هي تغضب، لذلك تأكدي من أنني سأعاني نفس لحظاتك التي كتبتِ فيها الرسالة, وسأكون مدركاً تماماً لعواطفك لأننا تذوقنا العشق في كنف الصباحات الهادئة.
أنت الآه وأنا الزفرة، شهقنا عنف الأحزان وطربنا للأحلام حينما غابت الأعاصير، وأطل الصبا بشمائله , اكتبي فهاأنا ما زلت على عهد الحزن والجوع ووفاء الأقدار،ويبيت الزمن موبوءً بالهزيمة والاندحار, ويأتي غريباً ملثماً بأثواب الليالي السوداوية، يدخل بوجهه الكالح فيظلم الأفراح ويطفئ شموع الأعياد , انه قميء يركن إلى الأحزان و حقول الضياع , يمد لسانه إلى كل الزوايا، ويقطع دم التراجع والانكسار, إنه زمن حبلى بالآلام والمفاسد، يقف أمامي على منصته الصدئة ويدندن أغاني البغض والانتقام , صوته الهزيل يشل الأسماع، يقبض على دمي بكلاليبه النارية ومن ثم يتركني بعد لحظات جيفة موات.
أيها الزمن عهدتك صاحبا مسالما ولكنك اليوم توقد للدمار ساحات و ساحات , تترك خلفك الثكلى و أثافي الحرمان وتحيل الآمال إلى رماد تسحق بعنف بقايا الحزن و السكينة، تسحق الأحلام، لا يجمع نثرها إلا الجليد وزمهرير النواح.
مهلا ….. أيتها الأميرة المتغطرسة، أعلم أنك جبارة وقوية، أعلم أنك لا تقهري, تأتين دون موعد، توقظين قطيع الألم في أعماقي، وتدخلين دون استئذان عالمي الجديد.
 أحسك ألما وجوعا وهلاكا، أحسك هوى وشوقاً، لقد برني كرك الذي لا يهدأ، و أقفرني من دم ونبض
آهٍ أنا الموات الجامد ……. فهل سترحمين ؟؟
هكذا هو أنت يا أبا هلبست ……. فما رد شيرين ؟
 

10/12/1991

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…

ماهين شيخاني

ماذا أفعلُ بالحياة
إذا لم تكوني موجودةً معي؟
أيُّ معنىً
يبقى للأيام
إن غابَ وجهُكِ عنها؟
بماذا أملأُ الصباح
إذا لم ينهض صوتُكِ
في نافذتي؟
وكيف أقنعُ الشمس
أن تشرق
وأنتِ لستِ هنا؟
ما جدوى الطرقات
إن لم تؤدِّ إليكِ؟
وما فائدة الوقت
إن كان لا يحملُ اسمكِ
بين دقائقه؟
أأعيشُ لأعدَّ
ساعاتٍ باردة؟
أأمشي
وفي القلبِ مقعدٌ
فارغٌ بحجمكِ؟
الحياةُ من دونكِ
ليست موتًا…
بل شيءٌ أكثرُ قسوة:
أن أتنفّس
ولا أتنفّسُكِ.
فإن لم تكوني معي،
فكلُّ هذا العالم
مجردُ غرفةٍ…

جان دوست
كاتب وروائي

تحظى دمشق الشام كحاضرة مركزية ورمز حضاري وملاذ آمن وأيضاً مكان جميل بمكانة سامية في الوجدان الكردي. وتأتي تلك الأهمية حسب اعتقادي، من أنه كانت أحد حصول صلاح الدين الأيوبي توطيد حكمه وترسيخ بنيانه فيها، فأولاها اهتماماً بالغاً وبنى فيها المدارس والمساجد، وأهتم بأمور الحجاج الذين تمر قوافلهم منها وخاصة قافلة الحج الشامي…

صدرت أربعة كتب جديدة، للباحث : إبراهيم محمود، مترجمَة عن الفرنسية،الأولان : إعداد وترجمة وتقديم لنصوص ذات صلة بموضوع الكتاب، وآخران : بحثان كاملان، مرفقان بدراسة ، وإضافة نصوص، وتعليقات وتقديم، نشرتها في مجموعها دار ” أهوار- بغداد: العراق “، وفي طبعة أنيقة، وقد صمم أغلفتها المعبّرة، الفنان العراقي المعروف: كريم سعدون، والتصميم الداخلي الحِرَفي…