(كَيَديْ محتاج) لعارف حمزة : حوار الأفكار

  إبراهيم حسو ‏

تنفتح كتابة عارف حمزة على أكثر من طريق فهي اولا تقصد دلاليا حرفنة المعنى وتطويقه وجعله رهينة السياق الشعري أي وضع المعنى على حواف الصورة لتنكمش المسافة بين الدال والمغزى.

وهي ثانيا تتجه نحو تنظيم هذا المعنى وتدجينه ضمن ألعاب لغوية يعرف الشاعر جيدا مفاتيحها، وهو الذي يبرمج اغلب نصوصه السابقة (قدم مبتورة 2004) على هذا المنوال، ولو سبرنا قي كتابه (كيدي محتاج) الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب بدمشق، ستخطفك تلك النصوص الطويلة، و قد تأسرك تلك الأصوات التي تنبعث من بين الجمل التي تقترب بدورها الى محاكاة الجسد لتصبح الاعضاء الحسية جزءا من هذه الاصوات و تغدو منجذبا اليها دون المستطاع الفكاك منها، ثمة سحر ملتبس ينبعث في هذه الاصوات الراكضة بحرية غير معهودة بين الكلمات، ليتخطى المجهول و يتصارع مع صداه، في تناغم منطقي مع الفكرة التي تذوب مهلا مهلا بين شقوق ذلك الحاجز اللغوي المحض:
انه التذكر في لحظة ضعف . ‏
قطرة دم صغيرة ‏
على منديل. ‏
ليس سهلا. ‏
ليته كان سهلا. ‏
كان الشوق حياة بأكملها ‏
الحب كان تفصيلا، ‏
اصبحت مؤلمة هذه الحياة ‏
اصبح الشوق ‏
مثل حملات التأديب. ‏
يكتب عارف كما يشعر بالضبط، وتبدو مشاعره بجلاء ضمن منمنمات لغوية منظمة ومتناسقة تحيط بها الافكار المتناثرة على شكل زخات جمل تنشأ من تلقاء نفسها لتكون هي الحدود الفاصلة بين السرد النثري والسرد الشعري، كتابته نتاج الحوار المباح الاستهلاكي العادي المسوّق الذي لا نبال له ونعيره نظرا او اهتماما، لكنا نشعّره ونجعله مصدرا لمشاهدة شعرية أو ما يسمى الانفتاح على المعابر الرئيسة للعبارة والفكرة، ويصبح الشعر هنا وثبا نحو الحياة بأدوات الحياة نفسها: ‏
بدت، ‏
كأنها من اللآلئ ‏
على أعمدة عالية من الرخام، ‏
كأنها مبنية بالانفاس، من الولع ‏
من بخار الحب، ‏
كأنها قطعة مشوية بين جسدين، ‏
هذه القطعة من الحياة … ‏
(كيدي محتاج) كتاب شعري مختلف بنثريته اللامعهودة، يثير أكثر من حساسية في الشعرية السورية سواء في تعاطيه لأفكار أو مواضيع انسانية جد خاصة ذات خصوبة فكرية أو في استثارته اللغوية والصورية التي تبهر القارئ العربي الجديد كما جاء في كلمة (الهيئة العامة للكتاب). ‏

 (كيدي محتاج) قصائد نثرية ‏
للشاعر محمد عارف حمزة ‏
مطبوعات الهيئة العامة للكتاب ‏
دمشق 2007 ‏
———–
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
السبت 1 آذار 2008

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني

عاد متأخراً كعادته.

بل أكثر من كل الأيام.

كان يشرف على إصلاح المنزل الذي سيعود إليه بعد إحدى عشرة سنة من الخيبة. كل من خرج من داره رحل، تاه، غاب، أو استقر في منفاه البعيد. أما هو، فبقي عالقاً بين ذاكرة الحجر وألم الصدر.

سكن شقة في الطابق الثالث، في حارة قريبة من السوق. مكان لا يصلح…

ماجد ع محمد

إذا ما كنتُ قد استهجنتُ يومًا طريقة أحدهم في عدم تحمُّل مسؤولية النطقِ بأي موقفٍ أو نظرةٍ أو كلمة في شأن اجتماعي أو سياسي أو ديني أو اقتصادي، وإحالة ذلك الرأي أو الموقف أو الكلام الذي يتفوَّه به إلى شخصية مشهورة أو نفرٍ من عامة الناس ولا يجرؤ على تبني أي شيءٍ مما…

عبدالجابر حبيب
كبارُ القدر

قال الوزير:
“أنتم كبارُ القدر.”
ضحك المتقاعد حتى سعل،
ثم بحث في جيبه
عن ثمن دواءٍ يليق بهذا “القدر” العظيم.

****

زيادة

حين قبض راتبه الجديد،
ظنّ للحظة أنّ الدولة تمازحه،
لكنّ معتمد الرواتب قال بجدية:
“هذه الزيادة بعد دراسةٍ مستفيضة.”
عاد إلى البيت،
أخفى المبلغ عن أحفاده…
كي لا يضحكوا على وطنٍ بأكمله.

*****
تكريم

كلما تحدّثوا عن “تكريم المتقاعد”،
تحسّس الرجل جيوبه بخوف،

******

خريف العمر

قالوا له:
“أنتَ الآن في خريف…

زار وفد من إدارة منتدى الكلمة الحرة، يوم الاثنين الموافق 25/5/2026، مقر مؤسسة البرزاني للثقافة والفن – مدرسة ملاي جزيري في مدينة عامودا، حيث اطّلع الوفد على الدروس التعليمية المقدمة للطلاب، الذين يتجاوز عددهم عشرين طالبًا.
وخلال الزيارة، حضر الوفد جانبًا من الحصص التعليمية التي تُقدَّم باللغة الكردية، في إطار الجهود المستمرة للحفاظ على اللغة والثقافة…