دعوني أرو كيف أنهم (يصفعون) نوروز

أيهم يوسف
Eyhem81@hotmail.com

ما كان يطمئنني عليه , بعد أن علمت بأنه مصاب بطلق ناري في رأسه , قلمه الذي ظل محتفظاً بجيبه طوال لحظات الإسعاف , و ذلك الهمس الذي لم يفارق مسمعي و هو يرد بصوت خافت وسط الزحام: لا تخف ….. و بنبرة أعلى  فأعلى , كي يزيدني يقيناً, حتى كاد يصرخ  بأقوى ما يملكه من حبال تمده بطاقة صوتية , ثم استئنافه الذي كاد يصعقني دويه : لا تخف , لا تخف, أما عرفت الرصاصة إلا ان تخترق تلك الكتلة الحديدية التي تقع في أعلى قامته ….. أما كان ينبغي على مقترفي تلك الفعلة أن يعلموا انه يملك لساناً أذكى من رصاصهم الذي يخترق الجسد و قلماً كان يرافقه لحظة بلحظة.
 لكن ما كان يخيفني و يرد عني اطمئناني, تلك الغمامة الموزعة بدخانها بين الحشد و التي تترقب صدور الأوامر من رجل الأمن, كي تنقض عليهم بسلاحها الخفي و تنقل إلى ما لا أعلم روح أخي و رفاقه الجرحى.
هذيانات كانت تشدني حذوها و أخرى تغرقني ببركة من دماء يذرفها جرحى نوروز 2008 , حتى لم أعد أعرف لأيهم أوكل جرح أخي كرم . لكن حينما يكونوا على دراية تامة بأن كل شاب من شبابنا سيملك عين و أذن ترى الحدث و ترصده , سيدركوا حينها أين يصيبونا بطلقاتهم في المرات القادمة ….. نعم , كي يخرسوا فينا صوت الحق في نقلنا رسالة المضطهدين , و أمال الصغار في أن يتعانقوا و يتعاركوا في كنف الربيع حيث الطبيعة الغناء تبسط لهم ذراعيها ليركضوا متى و أينما شاؤا دون أن يصدهم في حركاتهم و ركضهم أي حاجز من حديد .
حيث علم بأني ذاهب للسوق , طلب مني أن أجلب له ربطة الخصر كي يوثق بها لبسه الكردي (الشال و الشاب) في الصباح التالي, حيث كان من المفترض أن يحضره و هو في طريقه إلى صاحبه الخياط بعد انتهاء من الاحتفال الليلي بقدوم نوروز , حيث قال : أريد رباطاً أسود و أبيض اللون …… كي يتخلل حديثه و هو في غمرة مزاحه مع الإخوة و الأخوات ألف ابتسامة كانت ترتسم على وجهه و نظارته التي ما كانت تفارق عينيه لبضع ثوان لولا أنها ضاعت وسط ركام الطلقات التي انهالت عليه و أخوته الجرحى و الشهداء , بعد أن سقطت من أعلى جسده و دهستها أقدام البشر و هم في كرهم و سعيهم لتفادي التصادم برصاص الغدر .
 نعم كان ثمة فرح يرتسم على وجهه , و هو يتبادل المزاح مع أمه المريضة و التي أقعدتها المرض منذ شهور , ليداري حزن الأم على عدم قدرتها صحياً من أن تشارك أبناءها فرحة النوروز في الإعداد و التجهيز و القيام بالترتيبات اللازمة لليوم العظيم الذي سيقضيه الجمع بطول نهاره في سهل قرية – علي فرو – التي تستقبل زوارها كل عيد بثوب أخضر اللون و  ورد أحمر و أصفر اللون .  
ساعات عصيبة أحرقت الأعصاب في المشفى إثر وداع شهيداً محمداً تلو الآخر , و كأنه نودع قرابيناً كما كان يفعله الهنود الحمر في سالف الزمان على غير عادتهم و هم فرحين , عندما كانوا يحتفلون بتقديمه للإله كمية مع كمية من الدماء تزهق على أرض ساحة الاحتفال كي يغفر عن خطاياهم التي ارتكبوها , لكن يبقى السؤال الذي يشغل البال : هل كان القتلى ممن اقترفوا هذه الجريمة يفرحون و يمرحون كما كان يفعل الهنود اثر سفكهم لدم القرابين و إسرافهم في النظر إليها و هي تلفظ أنفاسها الأخيرة إثر صعود الروح , و هل انهم يقدمون على ذلك فرحاً بهذا المشهد العصيب ……..؟
أسئلة أخرى كان يود أن يسألها كل من أعد للعيد ثمة تجهيزات ثم أقدم حزيناً إلى إخفائها و المشي في جنازة الشهيد في اليوم التالي, حيث الغصة تأكله: لما اختاروا هذا اليوم للاحتفال بالقتل…….؟ هل من أجل أن يعكروا صفو المسلمين بعيد المولد النبوي الشريف و ذلك بقتل محمد ’أم من أجل إخماد شمعة نوروز , أم أنهم أرادوا أن يهدوا الأمهات في يوم عيدهن باقة من ورود تشييع جنازات أبنائهن , أم ماذا بعد التعميم الذي أصدر بشأن العطلة الرسمية من 18 إلى 21 آذار احتفالا بعيد المولد النبوي الشريف و عيد الأم و عيد القيامة …….؟
ما أن تلتئم الجراح و تعود الحياة إلى مجراها الحقيقي , و تعود طيور الألفة إلى التغريد على أغصان شجرنا , و بقدوم النوروز في العام القادم , هل نجرؤ على أن نسأل أنفسنا : هل من يملك الشك باليقين أنه لن ننسى شهداء نوروز هل سنتذكرهم و نقيم لهم حفل أعراس و نقدم لهم الورد و نغني لهم في هدوء النسيم أغنية الشهيد , هل سنوفي لأمهاتهم فجوة الفراغ التي خلفها أبناؤهن إثر استشهادهم , من سيقوم بالمطالبة بدمهم و ممن سيكون الطلب , و هل سيقوم بالإصغاء و الإيفاء بالحق , و ما هو الثمن , هل هو الاحتفال عشر أم عشرين سنة قادمة من الاحتفال من دون قتل , هل انتهت مدة صلاحية دم سليمان آدي على حسب تعبيرهم , فأخذوا بثلاث من أهله فدية للاحتفال في السنين القادمة , ترى كم من الأعوام سنحتفل من دون إراقة الدماء لقاء قتلهم هذا  ……؟

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…