أدب مترجم

«الجفاف , مقبرة السنابل الجماعية»

   محمد علي علي

 ” جاء الربيع الطلق يختال ضاحكا   من الحسن حتى كاد أن يتكلما “
جاء الربيع ، وليته لم يأت ولم يتكلم!
جاء الربيع مغتالا للحسن ، مختل النسمات، محتال القسمات ، محتار الأوصاف، ليضحك علينا مختالا !جاء الربيع متنكرا بكفن الخريف، وبحداد الشتاء وموت الصيف .جاءنا الربيع بالجفاف والجفاء،بالحزن والعزاء ، بالكفن الأصفر ، كسرطان في ثدي الأرض يسري.
جاء الربيع طلقة ! اغتال رحيق الوردة من النحلة وبهجة الفراشة من البستان، ومونة النملة من الحقل ، ولقمة العيش من ثغر الحياة.

ورودنا أفراحنا تعطرت بمرارة الموت ، وفراشاتنا أحزاننا تطايرت فوق المقابر الجماعية للسنابل الفتية ، التي ماتت ،حالمة بجدائل ذهبية كأشعة الشمس، طمرتها غيوم من الغبار و التراب ، فضاعت من السنبلة سينها ، وبقيت منها ” بلا”  ، بلا حياة ،و بلا أثر !
وسنبلة موءودة مازال يئن صداها ، تسأل أمها الأرض المنتحبة :” بأي ذنب أموت وأدفن – يا أماه – في ربيع العمر ؟  “
ينبت فينا جرح كلما ذبلت سنبلة ، وكلما اندمل جرح ذبلت زهرة ، فروحنا بستان من الجروح ، فيها من الأرجوان ما يكفي للأكفان ، فيها من الموت ما يكفي للمقبرة أن تزهر ببراعم لا تنتهي من الأموات . فالموت يزهر في كل الفصول، الموت ينتظر على كل الدروب ، الموت يحيا في كل القلوب والبيوت !
وحبوب سنبلة تجف اليوم ، ستملئ الوادي غدا جوعا ، وحبوب سنبلة تموت غدا ستملئ الروابي دموعا بعد غد، ودموع الجوع نيران تلتهم يباس أيامنا ، ستملئ “الأنفس الميتة “حسرات لن تنحسر لهيبها في بقية الأيام،
وسنابلنا … أكبادنا ! تسقط هاماتها على الأرض، شاحبة الوجوه ،فارغة الرؤوس في كل سنبلة ألف حكاية وحكاية :
حكايات عشق وخيانة ما بين الأرض والمطر، حكايات عشق وفراق ما بين الليل والقمر، حكايات عشق واشتياق ما بين البيدر والسمر .
 في كل حبة قمح دم، وفي كل قطرة دم نزف  لجرح لن يندمل من القروح ، في كل حفنة قمح أرغفة خبز تساقطت من رحم البيدر كأوراق الشجر .
يا أيها البيدر المعتق ،المعطر برائحة الشمس والعرق ،يا مهد الحصاد، ماتت سنابلك الخدج قبل أن تنام في أحضانك ،
يا أيها البيدر ، يا خيمة العزاء !
ماتت صغارك قبل أن تصغي لأزيز الحصاد، اندثرت هباء في مهب الريح، وموالا حزينا على أفواه الجياع .
العين ترى ، لكنها لاتروي عطشا ! العين تدمع ، لكنها لا تزهر وردة !
العين تبكي ، لكنها لاتدري لما نبكي دما على سنبلة تموت أو تحتضر، وليت المطر يبكي علينا ،ليت السماء تبكي علينا ، فالبكاء رحمة وبركة ، علها تخفف ألم الفجيعة ، ومرارة الموت في خيمة العزاء على “جيل ” من السنابل ، التهمها وباء الجفاف وهي في عنفوان الصبا وريعان الشباب ..!
      ألا ليت المطر يهطل يوما     لأخبره بما فعل الجفاف بالشيّب والشباب !

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى للكاتب: welateme

ما ليس قاموساً

  إبراهيم محمود   لو أن قاموساً وُضِع بآلاف الصفحات طي عنوان كهذا " مهجة القاموس في بهجة الاسم المحروس " يعنيك…