سعود جميل دريعي في أتون الزمن المر؟

 

سيامند إبراهيم*
على ضفاف الخابور ضمد القمر جراحه, وراح يسير بأناة في دروب يبحث عن وجه قمري آخر يشبهه, وجه جميل يشع نوراً, يبتسم, يضحك, القمر الذي يختزن في قلبه آلاف قصص العشق, ومئات الحكايات التراجيدية, لكن فجأة يتغير لونه ويلثغ جراحات سطرت على صفحة قلبه الأبيض, ست سنوات مرت وأنا أستعيد الزمن المقهور, الزمن الذي أمسى صديقي وحبيب قلبي الكاتب والناقد سعود جميل دريعي(1) في غياهب النسيان, في (الأرض الصامتة), كما قال الشاعر الإنكليزي, زمن مر ونحن نلج أتون هذه الحياة التراجيدية, الزمان الذي يحملنا على راحته ويمضي بنا كالسحاب الراعف, سحاب يئن تحت وطأة أوجاعنا, يشمئز من قلوبنا الثكلى, من وجوهنا الكالحة, يمضي ويضحك ملأ شدقيه يلفنا ويوسدنا تحت فضاءات هذه السماء الرحبة.
سنين مضت, ولا نعرف قيمة لهذا الزمن, الزمن الذي نحتفي به في كل موسم من مواسم العطاء, تعود بي الذاكرة إلى ما قاله الأستاذ العقاد في السجن يقول إن الزمن كالتراب نحاول أن نكنسه ولكنه لا يذهب، وكان طه حسين يقول إن كلمات الوداع طويلة أو قصيرة حسب من الذي نودعه( 2) لكن الوداع المميت حدث لصديقي سعود وهو ينتظر أن يحصل على بطاقته وهويته السورية, مات وهو يحلم بأن يكتب باسمه الحقيقي في وطن تضيق آفاق الحرية على أرضه.
أتذكر الزمن الذي نعيشه, وهذه السنوات الكئيبة التي مرت ونحن نودع الكاتب سعود جميل دريعي الذي حمل اليراع بقلب أخضر وعيون حالمة لغد مشرق ينطلق في آفاق الكتابة, ونخرج من حيثيات الأسماء المستعارة, سعود الذي نسيه حتى الأصدقاء المقربين في مدينة الحسكة, أتسائل ونحن في عصر التكنولوجيا كيف نعيش خارج الزمن؟ بعد سنة من رحيل هذا الشاب, استوقفني أحد أصدقائه, وحياني وسأل عن صديقه أيضاً, وأصر على زيارته مساءً والاطمئنان على أحواله وأحوال أولاده؟
بالفعل يبدو أن البعض كصعايدة مصر فإلى الآن يظن البعض منهم أن الرئيس جمال عبد الناصر ما زال حي ويحكم مصر, ولازالوا ويدعون له بطول العمر!؟ وهذا هو حال صديقي الحسكاوي الذي لم يسمع بموت صديقه أبداً, قابلني بحرارة وقال ما رأيك أن نزور منزل الأخ سعود في المساء,
قلت:” ماذا سنأخذ معنا له, قال بعض الفواكه وبعض الحلويات.
قلت ” نشتري بعض الحلاوة ونوزعها على روحه الطاهرة
وقف صديقنا ملياً وقال لا سنأخذ الحلويات إلى منزله لنأكل بعض منها معه.
استغربت كثيراً وتأسفت وقلت له دعك من الحلويات؟ فماذا إذا أخذنا باقة من الورد إلى قبره؟! كاد أن يغمى عليه وقال هل مات صديقي.
قلت نعم لقد رحل الأستاذ منذ عام, عندئذً أجهش بالبكاء ولم ينبس ببنت شفة ولم يعرف ماذا يقول؟! نعم إنه الزمن الذي دعا البعض أن لا يسأل الأخ عن أخيه المادة التي أوصدت قلوب البعض, وزرعت الكراهية والتعالى على الأصدقاء وعدم السؤال والاطمئنان على أحوال وصحة الآخرين
____________
كاتب وشاعر كردي سوري
Siyamend02@yahoo.com

(1) سعود جميل دريعي- كاتب وناقد تشكيلي مواليد قرية الشور الشرقي 1960, كان رئيس الوفد الذي دخل القصر الجمهوري في نوروز 1986 في دمشق, كتب باللغة الكردية دراسات نقدية في مجلة آسو, وباللغة العربية في مجلة كولان, و له مسرحية مشتركة مع المثقف خوشناف سليمان, وله العديد من الأشعار باللغة الكردية, توفي في مدينة الدرباسية أثر جلطة قلبية, ودفن في مدينة الحسكة.
(2) الملك فيصل والسلطان فؤاد: يعيش يعيش؟! الزمن: مقياس الحركة- – مقال للأستاذ أنيس منصور- العدد 9980 – جريدة الشرق الأوسط-26 آذار 2006

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…