النفط .. والوطن.. والهجرة

محمد غنيم

ما بين أولى إيطاليا وثانية أمريكا ينتهى الحلم، حيث أن هدف الفرد ينصب منذ أن يشب (على الهجرة أو السفر) وقد يعطل مجهوده داخل بلده ويحصره فى اتجاه واحد هو كيفية الحصول على المال من أجل السفر.
ما بين أولى إيطاليا وثانية أمريكا ينتهى الحلم، حيث أن هدف الفرد ينصب منذ أن يشب (على الهجرة أو السفر) وقد يعطل مجهوده داخل بلده ويحصره فى اتجاه واحد هو كيفية الحصول على المال من أجل السفر.وإذا كانت مشروعية السفر حقيقة قائمة فإن مشروعية التكلفة مبالغ فيها حيث أن ما يدفعه المهاجر أو المسافر يصل الى خمسين ألف جنيه يجمعها من وطنه إما يبيع أرضه أو ذهب أمه وأخوته أو بالاستدانة

ثم يبحث عن طريق اللا مشروعية فى السفر حيث أن المنافذ الشرعية قد سدت أمامهم لما أصابنا من تبعات أحداث سبتمبر وكأنها صنعت من أجل القضاء على حلم الفقراء لما خلقته من واقع مجافى للحقائق داخل بلدان المهجر(الأوروبية والأمريكية) هذا الواقع الذى تمثل فى سوداوية الأساليب التى أنتجتها هذه الدول فى معاملة المهاجر إليها والنظر إليه بعيون معصوبة صماء وجعلته محل الشك والارتياب والنظر إليه بنظرة عنصرية لا تمت الى اتجاه الشعوب فى السير باتجاه العولمة وتوسعة إطار الحرية.
فقد اتهم بالإرهاب واللصوصية والانحراف وأوصاف أخرى هى فى الحقيقة ليست فيه ولكنها رد فعل لعدة أسباب:
المهاجر لا يجد من يستقبله ويوفر له العمل خاصة إذا كانت هجرته غير شرعية ويهيم فى الشوارع لا يستطيع العناية بنفسه أو ملابسه فيبدو فى هيئة مذرية، وإذا استمر حالة طويلا على هذه الحالة فلا يجد أمامه إلا طريق الانحراف
نظرة الأخر بعد أن امتلأت بالشك لا تقع إلا على العيب ثم تضخمه حتى يصيب جميع الأعين بالرمد.
حصار نفسي رهيب يوضع فيه المهاجر لا يتخلص منه إلا بعد أن يجد عملا ومكانا وشعبا يحترمه، فيبرع فيما يكلف به من عمل ويصبح مثالا جيدا للفرد المهاجر.
هذا المثل لا يلفت نظر المجتمع الذى أصيب بلوثة الميديا التى تسعى من أجل حصار العرب أينما ذهبوا.
لماذا العرب بالذات؟
هناك مقوله بأن الأرض العربية بئر يغرف منه الغرب والعرب عطشى وأن هذه المقولة التى تشخص الواقع والتي يراها كل عربي ولا يستطيع التعبير عنها بالرفض أو بالإيجاب تصيب الإنسان الذى يغترف من هذا البئر بالحق أو تشعره بأنه يأخذ مالا حق له فيه فيختلق الأفاعيل حتى يبرر لنفسه مشروعية ما يأخذ.
العرب عطش وأبارهم تنهب
أبنائهم. نفطهم. تراثهم. أوطانهم
هذه هى الحالة الراهنة..
التاريخ يقول أننا نتعرض لمثل هذا فى كل كتبه التى تطوى جيلا بعد جيل، لم تحدُ آفاقه إلا فى لحظات الشعور بالخطر وقد كانت هذه هى النقطة الهامه(الشعور بالخطر)
دعوا العرب لا تشعر بالخطر.. من يتعرض منهم لخطر نحن ندافع عنه حينئذ ستحدث الفتنة ولن يتجمعوا.. أنها لعبة الأذكياء فى مواجهة لعبة الأغبياء.
إذا كان العرب متدينون العبوا بورقة دينهم ألهبوا مشاعرهم .. أوقعوهم فى خطأ حتى نجد مبرر للتصدى لهم أنهم لن يفطنوا لشيء.
شبابهم الذى هو الوريث الشرعي لأبارهم فكروا فى كيفية صرفهم.. لا تجعلوا لهم فائضا فيما يملكون.. استغلوا فهمهم الخاطى لعلاقتهم بدينهم وكبتهم وافتحوا أمامهم طرق الجنس والعرى وازرعوا بينهم الفتنة .. غذوا الفتنة بين طوائفهم.. بين الشيعة والسنة بين الكاثوليك وبين الأرثوذكس.. بين المتمسك وبين المنحل، لا أقول أن هذا الفكر هو فكر المؤامرة ولكنه مقدمة أدت إلى نتيجة وسواء كانت بفعل فاعل أو بسبب صراعها مع الطبيعة أو مع نفسها.. المهم أن هذا ما وصلنا إليه.. ما الحل؟
الحل يكمن أولا فى التشخيص.. تشخيص الحالة إن لم نكن قادرين على الاعتراف بحقيقة أخطاءنا فلن نصل إلى حل وبالتالي فإن حركة الزعامة غابت ربكة الأحداث هى الأخرى ولم تفطن الى دور شعوبها فانفصلت الزعامة عن الشعب ولم يصبح أمامنا منهج نتفق عليه جميعا.
منهج دينى ملخصه: الله واحد.. أحكامه واحدة يلتزم بها كل الفرقاء أصحاب الدين الواحد.
الشعوب والقبائل خلقت للتعارف لا لتتنافر والهدف واحد هو: الوصول بالإنسان الى أسمى غاياته فى إطار الحب وتبادل المنفعة، اللغة واحدة، والأرض واحدة، والمصالح واحدة، والنظرة غائبة، والشك سائد إذن لابد من الحركة:
الحركة نحو الاتجاه الصحيح.. الوحدة العربية كالاتحاد الأوروبي
السوق المشتركة كالسوق الأوروبي..
العملة الواحدة كالعملة الأوروبية..
هذه المطالب الثلاثة التى هى ركيزة البداية الصحيحة سوف تلقى مواجهات صعبة..
أولها: الخارج لا يريد تحقيقها
وثانيا: أننا نختلف بشأنها
والثانية هى التى تهمني وتهم كل إنسان عربي.. وهى لماذا نختلف على الأسس البديهية..
هل لأننا لم نصل بعد إلى سقف ثقافي نجتمع تحته أم لأن كل من يملك شئ يخشى عليه من الأخر ويدخره ليكترى من يدافع عنه؟
هل نعتبر بمقولة أمهاتنا(زيتنا يجب أن يكون فى دقيقنا) أم نسير حسب منطق(فرق تسد)
هل هناك من يقتنع بأن المال مال الله وأنه يجب أن يوظف لعيال الله؟
كلها تساؤلات لن تؤدى الى نتيجة طالما أن الشعوب لا تملك أمر نفسها.. ولكن ألا يعتبر المتسببون فى هذا الوضع أنهم من أبناء هذه الأرض وأن التنازل عن السطوة والتصرف بمفردهم فى مقدرات الشعوب العربية سوف يجعلهم زعماء زعماء بحق تقف الشعوب بجوارهم وتفتديهم بأرواحها إذا ما حدث لهم مكروه.
لست باحثا عن المدينة الفاضلة فى قاع الغرق الذى غرقنا فيه ولكنى فقط أريد أن نبدأ فى الحركة نحو الأمام.
إذا كان الدين واحد.. فالذي أعرفه عن دينى يعرفه الأخر عبادة الله والعمل المخلص
إذا كانت الثقافة واحدة فلنتبنى ذلك بلسان واحد هدفه حرية الفرد وكرامته.
وإذا كانت الأرض واحده فلماذا لا نلقى القيود؟ لماذا لا نتكامل أو حتى نكون قوة واحدة فى مواجهته اقتصاديا وفكريا وعسكريا حتى يحترمنا
إن الذى يحتفظ بأموال الشعوب حتى يأتى بالأخر ليحرسه فسوف يأخذ ما لديه ثم بعد ذلك يأكله كما يأكل الذئب القاصية من الغنم.
بهذا يحق لنا أن نهاجر ونسافر ونلقى بفلذة أكبادنا فى خضم البحر.. ثم نجلس وظهورنا الى حوائط منهارة نلطم الخدود ونذرف الدموع.
نحن فى يدنا إنقاذ الأبناء.. إذا ما عدنا الى حراسة آبارنا بأنفسنا عندئذ لن ندفع بأبنائنا الى تحقيق حكمه فى السفر. 
——–
*أديب وشاعر ايطالى من أصل مصري
ورئيس مجلس ادارة جريدة الجمهورية والعالم
www.ghonim.com
http://www.newsofworld.info/

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا

” يسعدني ان اهدي كتابي لمن يقرأ أعماق الكلمات ومابين السطور كما احسه في قلبي ، إلى الصديق الغالي الأستاذ نصر محمد مع المحبة ”

بهذه الكلمات أهدتني الصديقة الشاعرة ريما فاضل محفوض ابنة السلمية هذا الديوان عندما التقيت بها وزوجها الدكتور عبدالعزيز غيبور وابنتهم ريتا في مدينة فانا آيكل الألمانية ، وكان…

فواز عبدي

انتهيت قبل عدة أيام من ترجمة مونودراما “خجي” إلى الكردية؛ اللغة التي نطق بها سيامند وخجي، ولأن المونودراما قدمت رؤية جديدة للملحمة الشعبية، ولأن الكاتب نظر إلى الحكاية من زاوية مختلفة، أحببت أن أقدم هذه القراءة محاولاً الوقوف على بعض الدلالات التي يفتحها النص.

تدخل مونودراما “خجي” (وهي نص من خمسة نصوص مونودرامية في كتاب…

المختار علم الدين بن رزوقة

يتنازع النقد الأدبي المعاصر طموحُ التحرر من التبعية للمفاهيم الغربية ورغبةُ التأصيل لخصوصية التراث العربي والإسلامي؛ وفي هذا الفضاء السجالي، يبرز مصطلح “الفنتازيا الإسلامية” الذي طرحه الكاتب والناقد الفلسطيني فراس حج محمد بوصفه محاولة شجاعة لتحقيق “السيادة السردية” واستثمار الميتافيزيقيا الغيبية في البناء التخييلي، إلا أن هذا الجمع بين مرجعيتين تتجاذبان…

أفين بوزان

يؤرّقني الشتاءُ .. لأنني
كلما فتحتُ نافذةَ المساءِ
رأيتُ غيابكَ عارياً تحت المطر
وكان قلبي معطفاً مثقوباً
لا يردُّ عن جسدي بردَ الذكرى
ولا يخبّئ ارتجافَ العمر.

أمرُّ على الزجاج
فيلحقني ضبابُكَ ..
كأن يدكَ القديمةَ ما تزالُ
تفتّشُ عن اسمي
في الجهاتِ المبللة
وأكادُ أكتبُكَ…
لكنني أخشى
أن يعودَ الحبرُ إليَّ
على هيئةِ امرأةٍ قاتلة.

يا غائباً تركَ المعاطفَ للريح
والشوارعَ لخطانا
والليلَ لي وحدي
ماذا أفعلُ بالطرقاتِ
التي حفظتْ خطاكَ
ولم تحفظْ…