يومٌ كَأيَّامِ لذَّاتٍ

  عمر كوجري
 
    في هذه البلاد التي تسمى مجازاً بلاداً، لايختلف اليوم الجديد عن أخيه اليوم السابق في أي شيء سوى أنه يوم وكفى، يضاف إلى رصيد أعمارنا التي لم نعرف كيف نربيها، فأهرقناها على قارعة الضياع والصعلكة في الشوارع القذرة أملاً بتغيير ما ولو في ضغث الحلم.

    أيامنا تمضي نركلها بأرجلنا .. وأحياناً كثيرة نكبها كما يكبُّ فلاح كسول حنطته المليئة بالذؤان في وجه الأرض بقرف وملل.
      عندنا حتى تشبع من أكل البرغل عليك أن تعمل فقط دوامين أو ثلاثة، وإذا ابتلتك الآلهة بداء الكتابة فالوقت المناسب هو أن تكتب وأنت لاتقوى على فك شجار أو تلاحم جفنيك .. ستقاوم سلطان النوم فرأسك أيبس من حيطان البنك المركزي .. لكنك سترفع راية ملونة إيذاناً بالاستسلام المهين لذلك السلطان .. الذي يهزم أكبر السلاطنة .
     في هذا الجو الضاج بالقلق أكر سبحة أيامي .. لافرق بين أن أكون في الأربعاء أو الجمعة أو الأحد أو غيره … المهم إني في هذه اللحظة من الموت السريري أصب لدمشق كأساً كي تسهر معي وأنا أبحلق بتثاؤب في هذه البيوت التي تسمى مجازاً أيضاً ” بيوتاً”
     هذه دمشق التي أطلبها لتظلل عري أشجاري .. هذه دمشق التي تفر من بين أصابعي وتنسل من فراشي لتعاقر النبيذ مع” إياهم”
   وأنا أذهب إلى العمل في صباحات الفقراء الملآى بالأحلام المهيضة علي أن أسير قرابة الكيلو مترين كرياضة إجبارية حتى أحشر ماتبقى من نفسي وجسدي في ذلك الذي يسمى” تجاوزاً ” مركوباً .. حافلة أو سَمِّها ماشئت .. أوف كم أحزن عندما أرى الناس الغلابة يهجمون بفجيعة إلى السرفيس!! يقعدون بأحضان بعضهم ، يقتعدون المساحة .. القبر .. وبشهامة وأنفة يلفون أحزانهم ليدخنوها في أقرب موقف.
وماإن أفتح باب السيارة أو أُلْفظ منها لفظاً حتى أرى قطيع السيارات بدخانه الأسود يعوي في وجهي، ويلعن أنفاسي وأفطاسي . .. وباعة البسطات .. والشرطة .. وسيارات الستيشن ..  وأقول بيني وبين نفسي : غداً سأحزم أمتعتي وأعود كسير الجناح إلى الكوجر..أهلي الذين تركتهم ذات يوم … سأعود إلى غنمي، وخيامي، والكلاب التي تحرس القطيع وحكايا الكوجر عن الحروب التي كثيراً ماخاضوها بين بعضهم البعض .. سأعود إلى صفير الرعيان
وأغانيهم الكوجرية الحلوة ..” وزارو حيران وشاميرانه شاميرانه مالا باركر”  وكبش المرياع الذي يقود القطيع بزهو .. المتميز عن خلانه وأقرانه بذلك الجرس الحنون الذي يحمله كوسام في عنقه .. ترنك .. لنك .. ترنك .. لنك …  
سأعود إلى الحلابات الجميلات وهن متحررات من حمالات الصدر.. ياإلهي!!.. سأعود إلى لَبَنِي الصافي، وزبدتي ” ومشكي ولوركي وكولافي وشزكي”
لكن زعيق سيارة قادمة كالوميض وصوت مكبحها الداعر يجفلني وأنا بين مكذب ومصدق أنني “مازلت على قيد الحياة وسائر الحكام”
هوذا يومي الحافل بالسيارات وعوادمها.. وبعدم الشبع من النظر إلى الشاميات بواجهاتهن الأمامية الجميلة والخلفية الجميلة أيضاً .
    دائماً أقول: في ذيل هذا الأسبوع سأعيش يومي الجمعة والسبت مثل البني آدمين .. سأستلقي على كيفي، وسأستيقظ على كيفي .. وسنقتل أنا و”هي” سبعين كافراً صنديداً ليلة الخميس .. وسنغوص في مياهنا .. فيأتي الجمعة على عجل لأستيقظ حانقاً .. فلن أستلقي على كيفي ..ولم أقتل إلا كافراً كسيحاً .. وأمامي غابة من اتصالات الأخوة الكرد لأحضر ندواتهم ولقاءاتهم وطهور أولادهم و.. و..و.. وبعد قليل ستتصل معي أم مصطفى العراقية لأصدَّ الغباء عن ولدها في لغة الضاد .. وأم محمد وأم شفان وأم كاسترو .. وكلهن يطلبن أن أدرس أبناءهن وبناتهن ..
والأولاد يطلبون حديقة تشرين ومدينة الألعاب وحديقة الحيوانات .. ويهاتفني
“الروائي” الأمي من مدينة الرشيد محتجاً على تصحيحاتي لروايته “العظيمة” ، ويتبين لي أنه أمِّي بامتياز في لغته القحطانية ، وعندما أصحح له تعجله .. وأخطاءه الغزيرة يرجوني ألا أكلم ” ثلاثة أيام أنسياً” .
أترك كل هؤلاء وأذهب إلى تلك الشيعية الرائعة أدفع الغباء عن ابنها .. ولابد من الذهاب إلى السيدة زينب ، فأمر من خلال مقام السيدة بين الجمع الذي جاء لعاشوراء الأحزان والحسنين فأرى الأخوة والأخوات الأفغان والهنود والإيرانيين واللبنانيين والأتراك .. وبالطبع العراقيين .. الجميع يندب ويبكي ويضرب على صدره .. الجميع مستقل عن الجميع .. يقول الحاج التركي لمجموعته بصوت متهدج كسير حزين :
كروكه يار سنكو باز توجيرا
آمن ميدي دج دي آكيرا
جان دران كه ل بيكومه
منزلن منزلي بور
كوره كوديرزن جور
ويصدح الأفغاني أيضاً لمجموعته المختلطة التي لا تنتعل حذاء لافي صحن المقام ولاخارجه.. وما إن ينتهي حتى يدب البكاء والعويل في الجميع رجالاً ونساء وشيوخاً.. وفي المقربة أصوات الحزانى البكائيين من المغنين العراقيين يبكون كربلاء والحسنين …  وثمة فيديو يعرض شريطاً في غاية الإثارة وجلب التجهم يصور رهطاً من الشباب وهم يضربون على ظهورهم فتفرفر الدماء من أجسادهم، ووجوههم تيمناً بالحسين الشهيد .. وفي مكان قريب من كل هذا ” خارج الحرم” أرى بعض الحجاجات  الشابات لابسات ما أثير من ثياب .. وأظهر للعين كل تحدب وتكور.. أراهن وهن يجلسن على الرصيف، ويشربن الأركيلة .. ويتضاحكن ..
أنا مازلت هناك وأم مصطفى تغمز لي بموبايلها أن : تأخرت عن ولدي مصطفى !!
وأنا أفصل الموبايل ، وأحث الخطى باتجاه منزلها القريب، أبصر واحدة في ثياب الحداد تلقطني .. غامزة ”
هي :هل تريد أن تجلس ؟؟
أنا: ببلاهة أين أجلس .. لا لاشكراًَ لا أريد الجلوس
هي: تعا نجلس أنا وأنت … ولن نختلف 
أنا: ليست بيني وبينك مشكلة أيتها الصبية حتى نتفق أو نختلف ..لاتوجد هنا حديقة ولامكان للجلوس ..
هي : نجلس يعني .يعني .. سيكو سيكو “بلهجتنا”
أنا : أوه شكراً .. أيتها الماجدة …  البارحة قتلت سبعين كافراً، والرماح النواهل لاتقطر لادماً ولاغير الدم …
و أعود من يوم عطلتي  من العمل مَوْهِناً” أي في منتصف الليل” كما يقول صديقنا الفرزدق الذي أبصر الأطلس المغبر مترنحاً من الجوع .. أعود وأكون قد قرأت بعض الشعر والقصص في السرفيس .. السرفيس مكتبتي المفضلة ..
ما إن تعانق قدمي باب البيت حتى أفتح الانترنيت لأقرأ رسالة صديقي من الـ غوتنبورغ أن:
ابسط ياخال ، لك رقم موبايلها .. إنها ترعة .. نهر يسيل طلاوة و..و .. فَكُلْ حلاوتَها صحة على قلبك … فأركضُ صباحتئذ .. وإلى الآن لم آكل شيئاً رغم أنني في يوم جمعة جديد …
دمشق
  28- 4- 2007

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…