حوار مع الشاعر جوان نبي

أجرى الحوار: جنكو شريف

كثيرا مانشعر بالأسى عندما نسمع الموسيقى بلا كلمات ونشعر بها أكثر عندما نسمع الموسيقى بلا موسيقا.
تذكرت هذه الجملة وأنا أقرأ جوان نبي فتساءلت بماذا نشعر عندما نقرأ كلمات مليئة بالموسيقى ؟!..
لا نبالغ عندما نقول بأن جوان نبي ذاك الشاب قد وضع بين طيات كتابه موسيقى الكردية القديمة و الحديثة, كما إنه قد أخذ من أفواه الصغار والكبار أغلب كلمات الحنان والحب , ومن العشاق نظرات الشوق والحنين.
جوان الذي تعرفت عليه في غفلة من الزمن , قد أدهشني ليس فقط بشعره , بل أدهشني بكل ما في شخصيته من شاعرية , لطيف .. هادئ .. حنون ..
فهو لاينتمي إلى مدرسة أدبية واحدة بل يقطف من كل مدرسة فاكهة ..
حين تقرأه تتذكر (باوند – رامبو – ميلر – بروتون – كويللو – خاني – جزيري ………)
جوان الذي هكذا عرفته, الآن وحول مجموعته الشعرية (بارد كالخوف) لي معه الحوار التالي:

لنبدأ من عنوان مجموعتك الشعرية (بارد
كالخوف) فالبرد كحالة هل يخيفك, أم أنك تحبه؟
للبرد ما للخوف ليكون العنوان أغنية لفهرس أعلن التردد والقلق راية ونفسه قصيدة هي أم القصائد الأخرى ,نفسه مرآة لي لأكون أنت حين القراءة, سأقول لك : المسألة ليست بردا ولا خوفا إنه اكتشاف لصداقتهم ,هذا الاكتشاف الوليد الشرعي للإحساس في فراش المراقبة كان للقاء العنيد بين البرد والخوف, الذي مازال رغم تناولي لحبوب دامتيل الصحية.

المكان ,الإشارات يبدو أن لها دلالات أخرى؟

نعم فالباب المغلق لا يغني الأغنية ذاتها حين يفتح ولا يوجد قانون يعتبر مثلا الربيع رمزا للجمال أو المكان مخيفا وللأسف نحن نحكم على شخص بالسعادة من خلال  ابتسامته, مبعدين أنظارنا عن دموعه أو رعشته فأنت كمصور للمشهد و بتوجيه الكاميرا إلى تفاصيله ستجد أنه يتغير بأجمله, أما المصور بكاميرته الثابتة إلى البطل   ربما يفهم المشهد مغايرا لحقيقته وله الحرية أما أنا فلي رأي في ذلك.

تمزج الغياب بغياب أخر ليكون جديدا وأنت من يقول (أنت موجودة, فقط أين هي قدميك؟)

دائما في قصائدي أحاول كتابة أحلام الأشياء مع ذاتها باعتبارها الأصدق في التعبير عنها, هذه الأحلام المكبوتة هي مرآتها تظهرها غير واقعية وهي الواقع حقا وكذلك الشعر فهو صياغة للواقع بلا واقعية ليكون الواقع الذي نتمناه, لخلق فضاء للتأمل حتى لا تغدو القصيدة عاهرة, تمنحك ذاتها دون جوازات سفر أو إطفاء الضوء. فنحن نتعامل مع واقع نمتطيه إلى حلمه لنعرفه تاركين التأويل للقارئ الذي يعتبر ضيف القصيدة برأي ومن الطبيعي و الكرم أن لا تتركه القصيدة ليغادرها على عجلة, بل تبطئ في تسخين القهوة رغبة منها في إبقاءه أكثر.

ما من شيء يجعلنا عظماء أكثر من ألم عظيم  فأي بكاء تقصد؟ 

البكاء وكأنه والكتابة  توأمان في الحياة القاسية هذه فدائما هناك ما نزرفه حين الكتابة سواء كان أمسا جميلا لا يعود  أو غدا لا يكون كما نرومه أو …..
فنكتب ما لا يكون كرغبة أخيرة ونزرف أحلامنا  ليدخل البكاء القصيدة  كأهم أبطاله, أحيانا باسمه وأحيانا في حقائب الكلمة.  
ولكن هل حقا يجعلنا البكاء عظماء ؟
 وهل للألم أن يكون إله الجمال؟
تلك هي أسئلتنا لحياة لا تدعونا إلى لحظة سعيدة لنكتب قصيدة فرح.   

طرق عمياء للمضي من كهوف الخلوة إلى الأربعاء وهناك تسأل أستراها أم لا وملامح الأربعاء ؟

بغرض التوضيح لا أكثر القصيدة ذاتها هي ملامح الأربعاء وهي بذلك معنونة  بالإضافة إلى عنوان آخر (الأربعاء نوروزي  الجميل)

اللعبة مع اللغة دراجة لكن لعبتك كانت لطيفة
 حقيقة اللغة هي اللعبة الأكثر خطورة في الشعر وأنا ألعب معها بقدر ما أحاول إظهار طاقاتها المخزنة وغير المستعملة فلغتي هي لغة الشارع أكتبها كما هي تاركا لها حرية الجريان كنهر يغدو مجنونا حين الربيع, ليهدأ في الصيف, يقف عند سد ويحارب حين هبوطه من أعلى شلال ما وأنا هكذا أتمناها, لتكون كالحياة التي أريدها بسيطة, لتكون كالهواء للجميع وهي لغة تحمل في داخلها رؤى وصورا شعرية رائعة وهنا يكمن ما يمكن أن يكون مهما لا سيما إذ عرفنا اغتراب القارئ عن الشعر ولغته القاموسية الصعبة فالبديل إذا هي لغة بسيطة وجميلة تطرق كل باب,تدخل كل بيت و بها  نقول ما نريد أو نكتب بها قصيدة عميقة لها رؤيتها.
 واللغة البسيطة هذه كانت وراء كل حركات الشعر الحديثة كاليونانية واليابانية مثلا  أو كما قلت سابقا إن قصائدي كالإنسان الكردي تحمل في داخلها ألف وجع وقلق وحزن وتردد وترتدي ثيابا بسيطة.

تقول و لا تقول أبي لم أراك ؟
-وهكذا هو الشعر يقول ما نريده ولكن بحروف أخرى من اللغة ذاتها متجاوزا بذلك  المباشرة التي هي وجع القصيدة الكردية.
 ولكن لماذا أبي, أمي, أخوتي واحدا تلو الأخر, قطط حارتنا, النمل صيفا في بيتنا وغيرها من أشياء تخصني أكثر من غيري.
تلك كانت أسئلة الكثيرين بين منتقدين قالوا إنها أشياء تخص كاتبها لما يكتبها لنا؟ ومؤيدين قالوا بأن أجمل الأشياء هي أكثرها خصوصية ومنهم من كتب عن ذلك وقال: جوان نبي من الملكية الخاصة إلى المشاع الأبدي.
برأي وباعتبار أن الكتابة هي الأنا فلنا أن نكتب عن أكثر الأشياء قربا, لأقولني لك
كما أنا وكما أتمنى أن أكون أو أينني من أبي, أخوتي أومن الحياة بأجملها لأكون أنت حين القراءة كما قلت بداية. 
وهنا لا أنكر رغبتي بأن أكتب أشياء تخصني لأكتشف نفسي فأكشفها لك وأجمل كتابة برأي هي الخاصة حين يرى الأخر (القارئ) نفسه فيها. 
 وهنا و دون أن أنسى تعب القصيدة الكردية من القضايا الكبرى أقول لا يوجد ما لا يستحق أن نكتب عنه والقصيدة الجميلة هي قضية كبرى وعامة برأي.

اللاشعور يسقط صورة فلسفية تشبه الأسطورة ولكنها تبقى صورة؟
-طبعا تبقى صورة ولن تتحول إلى فيديو ولو جئنا ببرنامج ميديا بلاير. واقترابها من الأسطورة معللٌ كوني أحاول كتابة خيال الشيء أولا أو حلمه وهو طفولته أو معناه في هذا الضباب وأحاول ثانيا توظيف التراث الكردي بملاحمه الغنائية وأمثاله الشعبية في قصائدي.
هذا التراث الجميل بقدر عمقه والغني يظهر سعة خيال الكردي في تعامله مع المحيط وتعريفه للغائب والخالق لدهشته, لرؤيته ,هذا التراث وكونه أحد أبطال مشروعي  الشعري أجاهد في خلق تواصل بينه وقراءاتي للشعر العالمي ليكون كالماء, أحاول أظهار جماله ودوره فأكتشف رقة أحساس الكردي وعمق رؤيته .

وفي النهاية الأنبياء ,السماء, القطط, الكلاب ماذا تعني لك؟

-تعني لي ما تعنيه لأي شخص يعيش ويحترق معها ليصل إلى أحلامها, إلى خريفها ,مراقبا لها ولدلالتها حتى الاكتشاف وهو متعتي الخاصة كما يقول سلفادور دالي .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…