زنبقة الكرد تتألق في رحاب الشعر .. قراءة في بعض قصائد الشاعرة الكردية فدوى كيلاني

بقلم : حواس محمود

لست أدري- حتى الآن-  ما السبب الذي لفت نظري إبداعيا تجاه الشاعرة الكردية فدوى كيلاني ، أنا أقول إنها الحاسة السادسة التي وفقني الله إياها في صوابية الادراك ودقة التوجه وصدقية التبصر
من بين العشرات من الشاعرات الكرديات اللواتي بدأن مع بزوغ فجر الشبكة العنكبوتية “الانترنت” تنبثق زنبقة الكرد الرائعة فدوى كيلاني لتثبت شخصيتها الشعرية وقدرتها الإبداعية ومعرفتها الثقافية، وهي تتواصل مع اتجاهات وفعاليات ثقافية وأدبية وفكرية متعددة ، إنها تعيش مغتربة في أرض الإمارات العربية المتحدة
تكتب الشعر والمقالة والتعليق أما بالنسبة للشعر فهي تبدع في الشعر
 فـ”الشعر دم الحياة ، الشعر روح الانسان وحيويته، الشعر رقصة الألم لحظة الإبداع ، الشعر ماء الديمومة ، نعم انه الشعر ذلك الفن العظيم الذي يفعل مفعوله في الانسان كالسحر، والذي يبث فيه روح الحياة بعد أن يكاد يستسلم لمرارات الدنيا المزدحمة على بوابات روحه ” (1) وكما يقول جان كوكتو ” الشعر ضرورة وآه لو أعرف لماذا؟ “
هنا محاولة هادئة للاقتراب من النص الشعري لفدوى كيلاني من خلال قصيدتين  من قصائدها
في قصيدتها ” شهادة تعريف” هنالك صور شعرية جميلة جدا ففي مطلع القصيدة تقول :” أنا أخدود حفرة عميقة لا يملؤها الا ماؤك، احتاج شتاءك في هذا القيظ الطويل ليزهو جلدي بالقصيدة”
إنَ الصورة الشعرية لديها صورة مبتكرة ، والشعر عندما يكون قادرا على المفاجأة والإدهاش تتحقق نسبة الشعرية الكاملة فيه وبخاصة في الشعر الحديث ، انها تربط بين مفردة  الشتاء والصيف والجلد والقصيدة، هذه المفردات التي لا يجمعها في الواقع الدلالي الا التناقض والتنافر لكنها بقدرتها وأدواتها الإبداعية استطاعت الجمع ، والربط الحميمي بين المفردات السابق ذكرها ، وهذا يسجل لها في خلق تكنيك شعري متفوق يستطيع أن يدهش القارئ ويباغته جماليا  ، وهاهي تستخدم كلمات جميلة ورائعة مثل “انتظار قامتك المطرية” فدوى بارعة في خلق الصور الشعرية الموحية والدالة على عمق المعاني بشكل مذهل وإعجازي، فالقامة المطرية صورة تعطي طاقة روحية مرتبطة بمحسوسات مادية تتآلف لتشكل لوحة الإبداع الشعري بكل انسيابية وبساطة وشفافية
تقول الشاعرة “اقترب…. عربتي النعناع …… انى ….. نظرت ….. والحوذي بانتظارك …. انتظر !” إنها ليست صورة شعرية وحسب وإنما لقطة سينمائية مليئة بالدلالات والإيحاءات الشفافة القادرة على جذب القارئ والاستسلام لطاقة القصيدة الروحية الهائلة ، التي من شأنها أن يشعر القارئ بالمتعة الشعرية واللذة الروحية
وفي قصيدتها “ما لم يبح به دجلة” تحاول استنطاق النهر الذي يتميز بالفاعلية والحيوية في منطقة كانت حبلى بالحوادث والحروب والويلات والبطولات
” مدينة تغفو
على وجع الانكسار
سماء لا تمطر من دن الانتظار
سماء من حنو تحت قدم الجبل وعناق النهر الحكيم “
 نعم إنها مدينة تنام على الانكسارات التي حدثت مرارا وتكرارا لشعب أبى الا أن يقاوم (حتى جاءت لحظة الانتصار) إن الجبال الحنونة تأخذ حنينها من سماء محتضنة تحت أقدامها مع عناق النهر الحكيم – دجلة- إنها صورة شعرية  رائعة فالجبل شيئ أرضي له قدرات محدودة روحيا ، من أين يأتي بالحنين؟ ، انه يأتي بالسماء المخبئة تحت قدم الجبل العظيم الذي قال الكثير ون عنه بصيغة الجمع ” لا أصدقاء للكرد سوى الجبال”
تتابع فدوى تألقها الشعري فتقول :
“صمت
صمت
صمت
وأنا امرأة ترقب عبر الحدود
تعتكف الحلم

 أنى نسج الصمت لي كفنا
لأحيي البرد
في أوصال جمري “
إنَ المكابدة القومية والمعاناة الكردية الطويلة للشعب الكردي المنعكسة في ذات الشاعرة كيلاني ، إنَ هذه المكابدة تتجسد شعريا بامرأة تتأمل، تترقب ،تحلم عبر الحدود وتنتظر الصمت إزاء ما حدث ويحدث لكي يصنع كفنا لقتل الجمرات الحارقة بإحياء صقيع البرد حتى تبرد وتخفت نيران الجمر المعاناتي الكبير
لنقرأ المقطع التالي
 “ويسيل لعاب المباغتة
على حرمة جدائلي
حيث جوارحي مثخنة برائحة النتن الجديد
جسدي مخالبه خريطة الزوال
حين استعيد رائحتي الأولى
أنهض أغاني من سلال الغبار”
إنها قمة الخصوبة والحيوية والدفق الشعري الحميم ، من صحراء الغبار من صحراء القحط والقمع  ومحاولات كسر الإرادة ، تعمل الشاعرة على خلق إرادة جديدة هي إرادة الصمود والحياة وذلك عندما تتحول على يد شعريتها الرائعة سلال الغبار إلى أغاني الحلم والأمل والتفاؤل
كان هذا بعض الانطباعات النقدية لقصيدتين من قصائد الشاعرة الكردية فدوى كيلاني استطاعت الشاعرة – من خلالهما- أن تعبر  عما تكابده من معاناة فردية وجماعية وهي متواجدة في وسط مجموعة صغيرة من الشاعرات الكرديات ومن القليلات اللواتي تكتبن باللغة العربية  ، والمرأة الكردية- شاعرة أو غير ذلك-  تحتاج للرعاية والاهتمام لتثقيف نفسها وتطوير شخصيتها ، بعيدا عن السلبية الاجتماعية والركون لهالات نفسية ونزعات ذكورية لا تريد الا التمتع الأنوي الضيق وتهمل الحاجات الإبداعية للمرأة – ومن ضمنها الشعر-
——-
هامش(1) : أنظر كتاب المائدة الأدبية- حواس محمود- دمشق 2005  ط1 ص 85
العنوان : سوريا القامشلي – ص ب 859 – حواس محمود

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

رياض عبد الواحد| العراق

يمكن أن نلج إلى هذه المجموعة من منافذ عديدة، أولها ثريا المجموعة/ أقدحُ شررَ الكلام، تحليل الجملة “أقدح شرر الكلام” يمكن تقسيمه إلى ثلاثة مستويات: فونيمي (صوتي)، ودلالي (معنوي)، ونحوي (تركيبي).

التحليل الفونيمي (الصوتي):

الكلمة: “أقدح”

الأصوات الصامتة: (همزة)، (قاف)، (دال)، (حاء).

الأصوات الصائتة: (فتحة قصيرة).

البنية الصوتية: همزة قطع في البداية، يتبعها صوت قاف انفجاري…

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين