صور ممنوعة لامرأة فوق الشبهات

جليل ابراهيم المندلاوي

  وافق الرسام على اعطائها دروسا خاصة في الرسم، ليس من اجلها فحسب بل لولعه الشديد بكل ماهو جميل، فكيف به وهذا الجسد المتناسق امامه والوجه البريء الذي يشع ضياء نحو عينيه وهي تلتهم كل انحناءة فيها، وهذا الشعر.. وتلك العيون.. لم يكن يرغب بأكثر من التمعن فيها كما لم يكن يتوقع منها اكثر من ذلك.. لأنه كان يرى فيها شخصية قوية محال الاقتراب الى معاقل جمالها
اما هي فقد اعجبت بلوحاته الفنية وتمنت ان تضفي على رقة اناملها ابداعا كابداعه، فطلبت منه ان يزرع فيها بذرات الابداع ولم يكن لدى الرسام أي خيار سوى القبول امام هذا السحر الملائكي، اما زوجها فقد اقنعته بسهولة اذ لم يكن يرى مانعا في ذلك، لاسيما وانه كان يرى فيها مثالا للمرأة المحافظة.. ولم يكن هذا رأيه فحسب بل كل الذين حوله من معارف واصدقاء كانوا يحسدونه على حسن خُلقِها وخَلقها..
حين لمس يدها ليسيطر على اناملها لم تتوقع منه الدخول الى قلبها بلا استئذان.. ليدخلها في عالم لم ترَ منه سوى حلم جميل.. لاأحد يستطيع تغيير مسار الاحلام فهي تمضي رغم ارادتنا..
كان يقف خلفها وهو يمسك بيدها ليحرك الفرشاة على اللوحة امامها.. ووضع يده الاخرى على كتفها لتتسلل انامله تحت القميص الحريري، لم يكن ينوي ان يبحر اكثر من هذا لكن الجلد الاملس يأبى الا ان يغري الانامل بمواصلة طريقها نحو الممنوع.. اذ لم يكن هناك مانع امام انامله حتى اصطدمت بالحمالة اللعينة التي تحبس وراء جدرانها سحرا انثويا..
تحركت غرائز عشقه لكل ماهو جميل.. وشجعه على ذلك صمتها اذ لم تستطع ان تقاوم الحلم.. بل لم تكن تريد ان تقاوم تغيير لحظاته.. سلمت ارادتها القوية لأضعف لحظة في حياتها، لحظة لم تشعر بطعم سابق لها.. نشوة حقيقية لعشق حقيقي لم تجرب له معنى الا بين انامله..
امسك فرشاة الوانه وحركها حول كل زوايا جسدها.. لم يكتف بذلك بل رفع الة التصوير التي يحملها معه ليصور كل لحظة من لحظات هيامه ليؤطرها في ذاكرته.. رغم عنفها حين كانت تقاوم.. عنيفة في كل شيء حتى العشق حيث لم تجرع منه كأسا، ماخلا قطرات لاتروي ظمآن من حائط كانت تعتبره ظلا فحسب..
وحين تجرعته كسرت كأس سباتها ورفعت يديها مستسلمة لأنامل لاتعرف الا الرسم، والعبث بتقاسيم جسدها..
طلب منها ان يرسمها كما هي دون اية حواجز تمنع بصره عن جسدها، عارية حتى من خاتم زواجها.. لم تبد اعتراضا رغم انها كانت تطلب اكثر من ذلك..
حان وقت التآمر على حمالة الصدر اللعينة، حين اوحت له بالقبول.. ليحرر ماكان يتمنى ان يلمسه..
لحظات استطاع ان يلتقط لها عددا من الصور بكاميرته البلهاء.. لكنه احتفظ في مخيلته لها بعشرات الصور…
تماما كما يريدها عارية من كل شيء.. ملابسها.. ارادتها.. قوتها..فهاهي امامه اوهن من خيط العنكبوت، يتحكم بها اكثر من تحكمه بفرشاته.. لحظات مرت ارتشفا فيها من كأس واحدة.. لحظات استطاع ان يرسم منها عشرات الصور.. ليحولها فيما بعد الى لوحات فنية تذكره بما كان.. لكنه حاول ان يخفي ملامح وجهها ربما كان يخشى ان يتعرف عليها احد.
لم يجد بدا من عرض هذه اللوحات مع بقية لوحاته في المعرض الجديد الذي اختار له اسم ((ينابيع))، لأنها كانت ينابيع لوحاته.. ينابيع ارتشف منها مالم يستطع نسيان طعمه.. فكانت ينابيع..
لم يتوقع مطلقا ان تحضر زوجها معها الى المعرض.. كما لم تتوقع هي ان يوثق صور ذلك الحلم في لوحاته الفنية.. تلك الصور التي تحولت الى لعنة تطاردها كلما اقترب زوجها من احدى تلك اللوحات والرسام بجانبه يحاول ان يشرح له معنى اللوحة بما يطرد من رأسه اية افكار قد تدفعه للشك والريبة..
لم يشك الزوج ان اللوحات كانت واقعا اذ لطالما كانت صاحبتها بأحضانه لياليَ طويلة تكفي لأن يحفظ خارطة جسدها.. ولكن تلك الخارطة كانت من اسراره الشخصية فمن اين تسربت ليطلع العالم عليها.. وقطع احمرار وجهها الشك باليقين..
هل يصرخ بوجه الرسام ليعرف منه كيف سرق خارطة ذلك الجسد الذي لم يشك يوما ان تلمسه انامل سواه..
فهي كما يردد كل معارفه ومن حوله.. امرأة فوق الشبهات.. وهي اقوى من ان تستسلم، لكن خارطة جسدها تقتله فمن اين حصل هذا الرسام على صورها.. فهي ممنوعة.. كما انها فوق الشبهات.. نظر نحو الاثنين بغضب وهو يحاول ان يجد مهربا لشكوكه.. او بصيص امل في ابعاد هذه الشبهات.. حرك انامله على اللوحة وهو يهز رأسه بغضب..ثم التفت اليهما وهو يبتسم بصورة مفاجئة وهو يشير الى الصدر العاري وقرر انها لم تكن لتتخل عن حمالات صدرها حتى في احضانه.. فردد مع نفسه “لو كانت ترتدي الحمالات لقلت انها هي” لكن همسه وصل الى اسماع زوجته والرسام ايضا اذ كانا يصغيان بقلق لكل مايردده ويهمس به.. فانشرحت اساريرهما وهما يسمعانه يردد تلك الكلمات..
تقدم الزوج بثقة نحو لوحة اخرى ليفاجأ بأن الحمالة قد ظهر طرف منها تحت سرير يجمع جسدين ملتصقين..
jalil_mandelawi@yahoo.com

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

حنان عبد القادر

يُشكل ديوان «في الطريق إلى نفسي» للشاعر لقمان محمود محطة تراجيدية ووجودية تختزل ثنائية الجرح والهوية في مسيرته الشعرية؛ فهو ليس مجرد ديوان يضم قصائد متفرقة، بل هو بيان وجداني يبين فيه الشاعر مرارة المنفى، ويتوزع الديوان على عتبات نصية وشعرية تتخذ طابع المكاشفة الذاتية، حيث يتقاطع الخاص مع العام، ويبحث الشاعر من…

بمزيد من الحزن والأسى، تلقت أسرة موقع ولاتي مه نبأ وفاة المغفور لها، بإذن الله، المربية بني سعادة محمد عباس، شقيقة كل من الكاتبين في الموقع الدكتور محمود عباس والأستاذ عباس عباس.

وبهذا المصاب الأليم، تتقدم أسرة الموقع بأحر التعازي وأصدق مشاعر المواساة إلى الدكتور محمود عباس والأستاذ عباس عباس، وإلى جميع أفراد أسرة…

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وببالغ الحزن والأسى، تتقدم أسرة موقع ولاتـي مـه بأصدق مشاعر التعزية والمواساة إلى الشاعر والكاتب الأستاذ محمد عبدي، أحد كتاب الموقع، وإلى أسرته وذويه، بوفاة والده المغفور له بإذن الله تعالى عبدي بافي محمد، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى اليوم في أحد مستشفيات مدينة دهوك، عن عمر ناهز…

إبراهيم محمود

لَمن يمكنه التصديق فقط، أقول، لم أسمع برحيل الأستاذ المحامي عثمان عثمان، إلا لحظة تصفحي حيثيات أربعينيته في قامشلو ” 31-7/ 2026 “، وبسبب أموري الصحية وظروفي الخاصة هنا. لا اعتراض على رحيله، ومن يمكنه إيقاف الزمن الخاص بعمره، وإقصاء الموت عنه؟ إنما لأنني وجدتني، تقديراً للحظة عمرية امتدت لبعض سنين، ولو لقاءات متقطعة،…