كقارب مليء بالأزهار

عبدالرحمن عفيف

يقول حسّون:
ليتوانيا جميلة ولكنّها بلد فقير
فلنذهب باتّجاه السّويد
بعد أن وددت التزوّج من الفتاة
رفيعة القدّ
المتكلّمة انكليزيّة صحيحة
والتي ضحكت معي أكثر من الفتيات الأخريات
جمعتني مع حسّون سجون وبصل وسكائر مستعارة

وأحاديث نميمة عن الركّاب الآخرين
يا شيخ
تظلّ شيخا وأنت تشرب البيرة على ضفّة
هذا النّهر وتنظر إلى القوارب والأزهار
 وأرجو بركاتك ودعاءك طوال الرّحلة
أكمل حسّون بصدق العبارة.

أكتب
وأنا نافذة بيضاء
أنا البيت المستأجر بدولار يوميّا
على فمي شاربٌ ربّيته في سنة ونصف
وأرتدي بنطلون جينز
جاء معي في مشاوير طويلة
في مينسك وكييف
في كلايبيده وشيرفينتوس.

طلبت من الصّديق:
ها كنيسة صغيرة تصمت في مقبرتها
وامرأة سمينة تبغي غرامي
وأنا أحبّ الفتاة التي تكلّمت بإنكليزيّة صحيحة
في السّاحة أمام مركز البريد
التقط صورة لفشلي أن أقنعها
وركضي مع حسّون في جوانب موقف الباص
وزكام حسّون المفتعل في ذلك اليوم.

وجرى النّهر في النّوم
مرّ بأعشاب مجهولة وبقشّ باق من الصّيف
والغيوم نظرت إلى بعضها بغرام
فنمت في العراء وحلمت
بالكوخ والسوبرماركات التي تتجه إلى أمريكا
وأنّني أعيش في بيت تلك المرأة النشيطة
تبيع السردين والسردين يصلّي أيضا في ليتوانيا
جاء سكرانان يحملان بعضهما البعض
عبر الحلم والنّهر وفي جيبيهما قناني
سكر قذر.

أسمال حملت أسماء تشبه الأسماء اليونانيّة
بحرف السين في آخرها
وكأنّما في كلّ اسم كنيسة خاصّة للاسم
وفنّانون رسموا على الطلاء المتساقط لجدرانها
وماء في الشّوارع ذكّر بها
في أعلى رقعة من كلّ مدينة صليب كبير
تحته كنيسة وأنا درت في العاصمة
زرت خوذ الجنود وأخبار المعارك ضدّ بولونيا
ورأيت الجسور والباعة والنساء المحمرّات
وفي إحدى الأزقّة ذلك الباب
لم يؤدّ إلى أيّ مكان
وثمّ شارع يصعد ويصعد
وموتيل لم يكن رخيصا قطّ.

هكذا بدّلت الأشجار بأشجار كثيرة
كانت عالية في شيرفينتوس والتقط صديقي
صورتها معي
ببنطلوني الشلّستو كعادة الفتيان الروسِ
لكنّني لم أشرب الفودكا التي كانوا
يصيحون أن نشربها معهم
وصورة أخرى على السرير ويدي
على كتف فتاة صغيرة ويدها على ركبتي
وشاربي على فمي وعيناي محدّقتان في العدسة
بقوّة
التقطها طارق يومها.

قال الصّديق:
جننت
تنام على جانب النّهر في النّهار والليل
تحتاج بيتا
تعال أترجم لك بالروسيّة
فذهبت معه وبقيت عند المرأة السّمينة
عشرة أيّام
الخنزير الأسود في الباحة
الخنزير الكبير في وسخه
وقريب للمرأة تلك يساعدها في كلّ شيء
قالت: سأذهب إلى بولونيا بعد يومين
وعليك أن تسلّم المفتاح.
حرّضني حسّون على حبّها ومغازلتها
دونما فائدة.

أكتب وأنا المتجوّل في الباصات الدّاخلية
بعينيّ المتفرّجتين في أنحاء فيلنيوس
عمّال يصلّحون بآلاتهم الحمراء وتراب يرتفع
في جوانب الشّوارع
هوتيلات راقية ترفض أن أنام فيها
لأنّني لا أملك فيزا
أكتب أنّني لا أريد العمل ولا النقود
ولا أيّ شيء آخر سوى
أن أرى سياجات الأبنية التي يتمّ تجديدها
وعليها الإعلانات الكبيرة المتّسخة
وبقع بيضاء أو بنيّة كبيرة
أرجع إلى نقطة البداية في انطلاقي
إلى محطّة القطارات بعد جولاتي
في الأصقاع من المدينة.

أكتب غيمة بيضاء
وحيدة وشفّافة تتكلّم الإنكليزيّة معي في النّوم
ثملان مجنونان يتعانقان ثمّ يتشاجران
ويدا في يد يتّجهان إلى حيث لا أعرف
فيما بعد العصر
والشّمس المشرقة التي تسرد
قلبها الأصفر المتبقّي
كأنّما هي أنفاسي الأخيرة أيضا
وكأنّ ليتوانيا لم تكن
والأشجار العالية وصورتي أمامها
وشاربي الطّويل كأنّي في القرن التاسع عشر
في فرنسا
أكتب جولة من جولاتي بعينيّ البارقتين
بعد الكفّ عن أخذ الحبوب المهدّئة
والتفكير من جديد بتعب
وأنّني متروك
كقارب مليء بالأزهار في هذا الصّقع
من العالم
على سطح هادىء بعد العصر
أجري.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…

بهمن قوبادي يرصع قمة جبال هوليود بفيلمه الجديد الاشجار تنظر
بعد سلسلة أفلامه التي حازت على عدة جوائز ضمن مهرجانات السينما العالميه ،
مهرجان سيباستيان – اسبانيا
مهرجان روتردام – هولندا
مهرجان فلورنسه – ايطاليا
مهرجان كان السينمائي – فرنسا
مهرجان تورنتو – كندا
حيث شارك في تلك المهرجانات بأفلام تركت بصمة في عالم السينما ، كفيلم:
وقت الجياد المخموره و قد ترجم…

لندن – أعلنت منشورات رامينا في لندن فوز الكاتب والمترجم والصحفي فريد خليل بالدورة الثانية من “جائزة چولبر في علوم اللغة الكردية” لعام 2026، بعد اختيار لجنة التحكيم اسمه من بين عدد من المرشحين.

وجاء اختيار خليل تقديراً لعمله في اللغة الكردية والترجمة والإعلام، ومشاركته في مشاريع تهتم بوضع معايير للكردية الكرمانجية وتطوير المصطلحات الإعلامية، إلى…