الدكتور حسن وقطار الشمال الحزين

  عمر كوجري

قبل ثلاثة عقود، كان يزور قريتنا رجل يدَّعي الطب، اسمه«دكتور حسن» في كيسه أصناف عديدة من الأدوية وإبرة وحيدة لجميع المرضى وسماعة طبية وخلطات عجيبة من الأعشاب، وفصص ثوم وشرائح بصل، كان يرتدي طقماً رمادياً وربطة عنق غير متناسقة، لم يُغيِّرْهما كثيراً.
دكتور حسن كان يُصفِّر، ويبدي غيظه من «الملاعين» الذين لم يعترفوا بشهادة الطب التي منحته«مدرسة اصطامبول» هكذا يلفظها، ليرتاح من الشرشحة في قرى الشمال بلا عيادة، أول ما يسأل المرضى: هل ركبت قطاراً في حياتك؟؟ وعلى الغالب يأتيه الجواب بالنفي، فيتأفف، ويهز رأسه، ويشهق: أنت ميِّت لا محالة، أي دواء سيشفيك؟؟ الذي لم يركب القطار راح عمره هدراً. ‏
 لم أفقه سر عشق الرجل للقطار، وعندما مضى بنا العمر إلى بياراته غير الحنونة، اشتعلت وصفة د. حسن في قلبي، أغراني بخوض مغامرة ركوب القطار. ففي صيف العام 1982 قررت أنا وثلة من أترابي المراهقين السفر بالقطار لاكتشاف مكان جديد هو العاصمة .. الحلم بالنسبة لنا. ‏
في القامشلي سأرى القطار كمكان غير ثابت وكبير وعام، وكذلك محرِّض – باعتباره كبيراً- إلى خلق حالة اجتماعية عبر نكهته الخاصة في التواصل الاجتماعي لأول مرة في حياتي، كانت عرباته لا نهاية لها، وشكله باعثاً على دهشة واستغراب لفتى ريفي لا يلمح سيارة في أسبوع، المكان هناك بدأ يفصح عن كينونته، سيل من البشر يتقاطرون في محطة القطار، تبدو عليهم ملامح فقر وسُمرة فاحمة بفعل شمس الجزيرة الكاوية، هناك قطعنا تذاكر الدرجة الثانية بثلاثين ليرة. انتظرنا زمناً ريثما يستيقظ القطار من نومه، وعلى مرأى منا كان يزداد تقاطر الناس بأسمالهم ولحفهم وفرشهم الرثة، رأينا أناساً تسيل النعمة على خدودهم الوردية، تحاشونا، واقتربوا من عربات أجمل من عرباتنا المتهالكة، سمعنا صفيراً قوياً، ركضنا مثل غيرنا لأخذ أماكننا، داخل القطار ضاع بعضنا من بعضنا، القطار كان واسعاً، فيه بشر بقدر سكان ضيعتنا، استقر كل واحد على كرسيه بعد لأيٍ وتعب .. وكان دليلنا لكل ذلك مراقبون فَظَُّون ينبهوننا بالضرب بآلة حديدية على باب المقطورة لنجهز لهم تذاكر السفر، وكانوا يرتدون بذة موحدة.

 

كانت عربتنا مملوءة على آخرها بكل أنواع البشر: عمال- طلاب- عساكر- نساء طاعنات في السن- أطفال، ولم تكن كراسينا المتقابلة مريحة، لكنها منحتنا دفئاً لنتواصل مع جيراننا الإجباريين في الرحلة الطويلة. ‏
اقترح خبيث من فريقنا أن نبدل عربتنا التعيسة بعربة الدرجة الأولى، لم تدم راحتنا فيها أكثر من ساعة، كنا قافلين أذلاء صاغرين إلى ضجيج عربتنا، حيث يتصايح الركاب، ويتراشقون بالسباب، هذا وضَعَ على فخذه آلة تسجيل، ورفع الصوت إلى عنان السماء، هذا يشخر كالقطار.. ذاك نائم وفمه مفتوح كمغارة.. فيما بعد ستبوء محاولتنا بالضحك على موظفي القطار بالفشل لأنهم فرقوا بين العربات الشعبية والعربات الفخمة عبر إغلاق أبواب العربات السياحية في وجوهنا، وهذا ما عمَّقَ إحساسَنا بالفوارق الطبقية حتى في ذلك المكان العام. ‏
ساعة ساعتان ثلاث، لم نصل الشام، وصوت القطار وزموره المزعج يطيِّر الكرى من مآقينا، تستقبل نوافذه المكسورة العجاج الأزلي بين الرقة والدير، يتسلل السأم كأفعى إلى نفوسنا بسبب مواقف القطار الكثيرة، نحاول اكتشاف ذلك المكان الطارئ على معظمنا، نفاجأ بأن في القطار حمامات ومغاسل، ندخلها غير مُصدِّقين. ‏
تشك ترك .. تشك ترك.. تشك ترك، يكلُّ القطار، ويقرر النوم في محطة قيل لنا إننا ننتظر القادم من حلب باتجاه القامشلي، يدب الفضول في نفوسنا، فنكتشف أن في القطار مقهى هواؤه منعش، لكن بعد ربع ساعة نُطرَد منه، وكازوز سينالكو لم يستقر بعد في أمعدتنا. ونكتشف أيضاً فيما بعد أن هناك مقطورات للمنامة تغري العرسان الجدد، والمرضى والمقتدرين. ‏
تستغرق رحلتنا من القامشلي إلى دمشق ست عشرة ساعة، هناك يكون صباح دمشق أكثر زحمة، بعد جهد نطمئن أن فريقنا كامل العدد ، نتوجّه إلى دمّر الجبل، بيت أم عماد، ترتعد أوصال أصدقائنا من رؤية عصابتنا التي اقتحمت سكينتهم، بعد أقلّ من شهرين نعود إلى عجاج قريتنا وحرِّها اللَّهاب ، نختار القطار كَرَّةً ثانيةً وثالثة ورابعة ووو، تتكرر بعض مشاهد المكان، وفي كل مرة جديدة نكتسب مشاهد جديدة. ‏
القطار فيما بعد يصبح وسيلتي المفضّلة، للاستمتاع بجمال صحرائنا. ففيه تعرَّفْتُ على صبايا، وعقدتُ صداقاتٍ مع مختلف أبناء الوطن، وأقنعتُ المراقب بمكوثي مدة أطول في عربة الدرجة الأولى التي لم تسمح لي ظروفي على التمتع بكراسيها الوثيرة. ‏
في القطار استطعتُ أنْ أقرأ عيون الأدب، فعشقتُ كوليزاري إيتماتوف، ارتديتُ معطفَ غوغول، وتمنيتُ أن أكون إنساناً حقيقياً مع ألكسي ماريسيف، وفي القطار قرأتُ تشيخوف كلمة كلمة، وفيه عشتُ مئة عام من العزلة، وأحببتُ في زمن الكوليرا مع ماركيز، وأصبحتُ شيخ البحر مع همنغواي، وتحولتْ أرضي إلى يباب مع ت.س.إليوت، في القطار أعجبت بعيون إلزا. ‏
فيه تسكعتُ مع الهامش والقاع في بلدي، وتعلمتُ التّمرد على القوالب المتحجرة، و بيدي هاتين قتلت آباء الشعر مع محمد الماغوط، صادقتُ المبدعين الأحياء والأموات. فيه راجعتُ كتبي ومحاضراتي الجامعية، ومنحني طول المكوث فيه الفرصة لأنجحَ في موادَّ كثيرةٍ؛ في القطار تعلَّمتُ الصبر وتحمُّل مشقات السفر، ومرات كثيرة كنتُ أقطع التذكرة على الواقف في الأعياد والمناسبات وما أكثرها في بلادنا!!! ‏
ياه منذ متى لم أسافر بالقطار؟! ‏
أعود إلى نصيحة الدكتور حسن الذي بخبرته الواسعة، وإبرته الوحيدة أعطى ميزة القدم المرخية لصغار عديدين، ولم أعرف سبب هيامه وتعلقه بالقطار حين كان ذلك السؤال يتصدر قائمة تحرِّيه عن علل المرضى الذين ازدادت عللهم مع فتوحاته الطبية، والكثير منهم أسلم الروح بين يديه المرتعشتين. ‏
هل كان الرجل على حق؟؟ ‏
وإلى الآن لم أعرف مَنْ منَّا كان طارئاً أو ضيفاً على الآخر أنا أو القطار. ‏
والآن أعرف أن قطار الشمال كان وطناً متنقلاً.. نعم القطار وطن!! ‏
‏ —-
صحيفة تشرين – ثقافة وفنون – السبت 30 آب 2008

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…