هدية الحبيبة سلسلة ألحان الورد في فلسفة الحب والجمال في الإسلام (23)

الدكتور علاء الدين جنكو
 
وعدت زوجتي أن لا أنشر هذا اللحن الذي سأكتب فيه عن الهدية بين المحبين إلا بعد أن أقدم لها هدية لأنها تتهمني دائما بالقصور معها في هذا الجانب ، فلم يحصل أن قدمت لها هدية باستثناء مرات قليلة ولا أدري ما الذي دفعني للإقدام على تلك المرات لعلها كانت ردا على هداياها !!

الهدية هي الدليل المادي الذي يترجم المشاعر المكنونة في القلوب على أرض الواقع ، وهو رسول الحب الذي لا يحتاج إلى دليل لإثباته ، كما أنها تحاكي المشاعر وتلهبها بغض النظر عن قيمة الهدية ، فكم من غني يملك الملايين يفرح وينتشي عندما يقدم له هدية لا يتجاوز قيمتها عشرات الدراهم ؟!!
وقبول الهدية من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من علامات نبوته ، فعندما قدم سيدنا سلمان الفارسي رضي الله عنه ، ووضع بين يديه تمرات في المرة الأولى رفضها صلى الله عليه وسلم لأن سلمان قدمها له على سبيل الصدقة ، لكنه في المرة الثانية قبلها وأكل منها بعد أن بين سلمان  أنها هذه المرة  على سبيل الهدية .
كما أن فقهاؤنا الأجلاء اهتموا بدراسة الهدية وكل ما يتعلق بها حتى وصل الحال بهم أن بوَّبوا قسما خاصا في كتبهم الفقهية وسموه ( باب الهبة ) بينوا فيه أحكامها التفصيلية الدقيقة ..
وفي هذه اللحن لن أتطرق إلى تلك التفاصيل التي تناولها السادة الفقهاء لكني سأقف عند الجزء الذي يخص هدية الحبيبين سواء في فترة الخطوبة أو ما بعد دخول الحبيبين في رياض الحياة الزوجية .
إن ارتباط الهدية بالحب جاء من خلال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: ( تهادوا تحابوا ) ، فالحب والزيادة فيه نتيجة مثمرة للتهادي وخاصة بين الحبيبين .
وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيفية الوفاء للزوجة الحبيبة حتى بعد وفاتها ، عندما كان يرسل الهدايا لصديقات زوجته خديجة بعد وفاتها ، وفاء لحبه لها ، فكان تقديم الهدية للزوجة في حياتها لإرواء الحب بينهما من باب أولى ..

كما حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبول الهدية مهما كانت قيمتها لما فيها من التكاتف ، فالإسلام رفع من شان الهدية مهما صغرت ، فهي لا تقييم بقيمتها المادية وإنما بقيمتها المعنوية ، وما تحمله من معاني الحب والصفاء وحسن السريرة ، فكل تلك المعاني من الأمور التي دعت إليها الشريعة الإسلامية ، وكانت المقصد من وراء تشريع الكثير من أحكامها ومن بينها أحكام الهدية ..
وكان الرسول يثيب على الهدية لأنها تعبير عن الوفاء والإخلاص ، كما أنها الأساس لبناء علاقات جديدة وقوية ، وهي من أفضل الوسائل والحلول للقضاء على ما في القلوب من أحقاد وعداوات وضغائن  .
وأصبحت الهدية جزءا لا يتجزأ من عادات وأعراف وتقاليد الشعوب عامة والمسلمين خاصة .

الخطوبة وطعم الهدية :
ربما لا يشعر الإنسان بحلاوة الهدية وأهمتها كما هي في فترة الخطوبة ، فالخطيبة تنتظر حبيبها ورجل بيتها المستقبلي كيف يترجم حبه لها في هذه الفترة بالذات ، وخاصة إذا كانا يعيشان في بيئة محافظة .
كالعادة في يوم الخطوبة وما يسمى بيوم الشبكة يسارع الخطيب لشراء هدية خطيبته ، وهذه الهدايا تأخذ طابعا رسميا حسب الأعراف والتقاليد ، فعلى سبيل المثال في مجتمعنا الكردي يُهدى للمخطوبة يوم خطبتها خاتم وساعة يد ثمينة .
ثم ينتقل الخطيبان إلى اقتناص فرصة المناسبات وخاصة عيد الفطر السعيد وعيد الضحى المبارك ، ليخترقا كل الحواجز التي تمنعهما من الوصول لبعضهما بهدية يعبر فيها عن عواطفه الطاهرة النقية تجاه محبوبته .
ولا شك أن الهدايا تختلف حسب قرب وبعد الخطيبين ومدى إمكانية اللقاء بينهما .
وغالبا ما يتحرى الخاطب شراء هدايا ظاهرة لمن يحيطون بخطيبته لا تتعدى بهيئتها معاني الحب الظاهر بينهما بخلاف هدية الحبيبين في حالة الزوجية .
وقبل أن أنتقل إلى الهدية في حياة الزوجين ، لابد من تنبيه الخاطب أن لا يبالغ في الهدايا لمحبوبته سواء بكثرتها أو بقيمتها وخاصة إذا كان دخله ضعيفا أو متوسط الحال ، لأن فترة الخطوبة قد تؤول إلى فراق حينها ستكون الهدايا نقمة على الجميع !!
ومن ناحية أخرى قد تطول فترة الخطوبة ، وتتعود الخطيبة على هدايا خطيبها ، فربما أدى عجزه عن تقديم هدية لها إلى إحداث حالة توتر بينهما .

الزوجة وحلم الهدية :
ينشغل الحبيبان بحياتهما ومشاغلهما بعد أن يدخلا في رياض الزوجية ، وفي بعض الأحيان يطغى على حياتهما نوع من الجفاء في العلاقة العاطفية ، فيحتاج كل منهما إلى جرعات عاطفية ، ولا أقوى من الهدية لإضرام هذه العلاقة من جديد ..
وغالبا ما تنتظر الزوجة هدية من زوجها ، وخاصة أن أغلب الرجال يغلب عليهم طابع اللامبالاة في مجال العلاقة العاطفية مع زوجاتهم .
تفرح الزوجة عندما ترى في يد حبيبها وزوجها هدية تذكره بها مع أنها أمام عينيه صباح مساء ، إنها تذكرة من نوع آخر يوحي لها أنها سكنه الذي ينسى الدنيا ومتاعبها وشقائها عندما يدنو منها . تذكرها بأنها العش الوحيد الذي يحنو إليه هذا الحبيب .

والهدية بين الزوجين تجديد للحياة بينهما ، وشكر متبادل على ما بذلاه لبعضهما ، وإشعار بالسلامة لو كانت بعد موقف تعرض له أحدهما ، وتعبير عن الشوق عند اللقاء بعد فراقهما ، وتعبير عن أسف ، لأن الرجال كثيرا ما يخطئون مع زوجاتهم لأنهن أكثر تحملا منهم لشقاء الحياة ومتاعبها .

تقديم الهدية .. فن
يجب على مقدم الهدية أن يراعي الأجواء التي سيقدم فيها هديته ، وعليه ألا يفقد الهدية بريقها وقيمتها بالحديث عنها .
وأهم شرط ينبغي توفيره هو عنصر المفاجأة ، فكم هو جميل ورائع أن تجد الزوجة الحبيبة بين يديها مكافأة من قرة عينها ، وهي لا تعرف شيئا عنها في تلك اللحظات ..

ومن ناحية أخرى : على مقدم الهدية أن يتفنن في تجميل هديته بتغليفها بأجمل الأشكال وكتابة العبارات الجميلة  والأفضل أن تكون كلمات عاطفية معبرة .
أما وقت تقديم الهدية فأعتقد أن ذلك يعود إلى الأجواء السائدة بينهما ، فربما كان أول دخوله للبيت وقتا مناسبا ، وربما اجتماعهما في غرفة النوم آخر الليل أكثر ملائمة .

وما أروعه أن يلاطف صاحب الهدية حبيبه عند تقديم الهدية له ، كأن يصاحبها بقبلة عاطفية وكلمات توحي بدفء المودة التي خلقها الله بينهما بكلمة منه جعلتهما يعيشان أطهر علاقة يعيشها المحبين بين البشر ..

    www.alaacengo.co.cc

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…