نمر سعدي دموعٌ للذيبْ
وإلى الحاضرين الشعراء الفلسطينيِّين في كلِّ شتاتِ الدنيا والشعر)
نمر سعدي
(1)
مطعوناً بزهورِ الحزنِ الأوَّلِ أكمِلُ دورةَ أقماري
أتركُ عطري البكرَ على خطِّ الهزلاجِ
وأعوي في الليلِ وحيداً إلاَّ من عشقي القتَّالِ
أحملُ رأسي في كفِّي.. وأصادقُ قاتلتي
وأقبِّلُ وجهَ حبيبةِ روحي رامَ اللهِ ….
أنا الذيبُ ..العصفورُ الدوريُّ..
المهرُ الجامحُ ..عاطفةُ الأشياءْ
دمي يخضرُّ على أسوارِ القدسِ
ويُنبِتُ دُفلَى ناعمةَ الألوانِ على عمَّانَ
دمي يحمرُّ ويبكي تحتَ صخورِ الوطنِ المعشوقِ العاشقِ
أو يبيضُّ ويغلي مثلَ الشفقِ المصلوبِ
على جلجلةِ اليومِ الآخِرْ
يوجعُني وردٌ شوكيٌّ لا يتسلَّقُ أحلامي الحُبلى
بحدائقِ بابلَ تجري فيها أنهارٌ ظامئةٌ لسرابِ الحُبِّ
أنا الذيبُ على ثغري لونٌ خمريٌّ..
مصبوغٌ صدري بالتوتِ وأزهارِ الصُبَّارِ
على بوَّابةِ هذا العالمِ أهوي من أعلى رؤيايَ
وأبكي في ليلي العربيِّ بصمتٍ مقهورٍ
يتسلَّلُ من أقصى أوجاعي …
أضلاعي أجنحةٌ كسَّرها الإعصارُ
وأشرعةٌ غرقى في يمِّ الأشعارِ
المُنشقِّ إلى قلبينِ ..إلى قمرينِ شهيدينِ
على مرأىً من عينِ التلفازِ
وعاطفةِ العالمِ والفولاذِ المُتحضِّرِ والمُتطوِّرِ
أهذي أو أهوي من صخرةِ سيزيفْ
تشدُّ خيوطَ الفجرِ فيستهدِفُها الأعداءُ الفرِّيسِّيينْ
فسأوقظُ رغبةَ أحلامي وأطيرُ كشمسٍ من حبقٍ
نحوَ الأعلى المجهولِ
وأبدأُ مشواري الأزليَّ
أنا الأرضيُّ أنا
وأنا شبقٌ لسماءٍ حالمةٍ
وأنا الرائي والمرئيُّ ..
الصوفيُّ بلا صوفٍ مصنوعٍِ … وأنا …
محروقاً بالقبلاتِ العطشى.. مسفوحاً كدمائي في كُلِّ الساحاتِ
وفوقَ يدَيِّ الدنيا
أرحلُ كطيورٍ زرقاءَ إلى بحرٍ لا أعرفهُ
مشبوحاً فوقَ سياجِ الكونِ المأفونِ
وفي عدساتِ الكاميراتِ
نبيَّاً للحرِّيةِ
مقتولاً قِتلةَ حلاَّجٍ آخرَ في نارٍ أشعلَها لي
إخواني في لغتي أو ديني
فتبخَّرتِ الروحُ سوى خيطِ دخانٍ أو كلماتْ
لا شيءَ سوى كلماتٍ تصعدُ نحوَ اللهِ….
سوى كلماتْ
وتخضُّ الليلَ التتَرِيَّ كعاصفةٍ الحُمَّى.. وأقولُ
ستقتلُ جمجمتي آخِرَ جنديٍّ من جيشِ المُرتزقةْ
ستقتلُ جمجمتي ألفاً من جيشِ المُرتزقةْ
كخفقةِ نجمةِ صبحٍ تبكيني
وتشقُّ جيوبَ اللغةِ العصماءْ
بوداعةِ زنبقةٍ ونصاعةِ ما في أفئدةِ الشهداءْ
تشتعِلُ أصابعُها وتودِّعُني بلهيبِ الماءْ
وأزرقُ مثلَ نوارسَ طرفِ الأرضِ
وأحمرُ مثلَ شرايينِ الوردِ
وأخضرُ مثلَ شموسِ الحُبِّ
ومسموعاً كالنبضِ الشعريِّ بقلبي
وخطايَ وراءَ الحقلِ المنهوبِ كجوقةِ أطيارْ
وتمُدُّ طريقي نحوَ الجنَّةِ
تحملني روعةُ ما في المرأةِ من أسرارْ
أغفو في رؤيايَ وروحي تحملها الأنهارْ
في بحرِ الفجرِ… ستُبحرُ بعدَ قليلٍ نحوَ سماءٍ فيَّ
وراءَ سماءٍ فيكَ .. وراءَ سماءْ
أجنحتي آخرُ ما يبتلُّ بسرِّ الماءْ .
ولا غُبِنَتْ يومَ الحقيقةِ آصالي
وما شذَّ عنِّي طيبُ ريَّاكِ إنمَّا
تدَّفقَ في جنبيَّ وانداحَ في بالي
إذا قلتُ شعراً تاهَ فيكِ كأنمَّا
هواكِ لمجدِ الشعرِ أفضلُ دلاَّلِ
يضيءُ دمي من سحرٌ لعينيكِ قاتلٌ
ويبسمُ لي من قاعِ طعنةِ عُذَّالي
وتزحمني رؤيا الخلودِ كأنها
تخطُّ دواويني وتنحتُ تمثالي
برَتْ جسمَ روحي رقَّةً.. وبريتُها
قصائدَ لا يفنى بها الشغفُ العالي
فمن من زهورِ الليلِ يقطفُ ضحكتي
ومن في عبيرِ النارِ يعجنُ صلصالي
ومن لحفيفِ القلبِ يرفعهُ كما
بيارقَ من قولي تعانقُ أفعالي
****
أناتكِ ما غنَّيتُ حزنكِ جاوَبتْ
غنائي الطيورُ الهانياتُ بإعوالي
وما أنا نزَّاعٌ لحبِّكِ من دمي
فمالي بنـزعِ الحُبِّ من حيلةٍ مالي
أأنزعُ مسماراً تعلَّقَ راحتي
وشبهَ صليبٍ قد تعشَّقني بالِ ؟
أفيضي عليَّ الليلَ أغرقُ ثانياً
بفيضٍ من الريَّا وشعركِ.. مُنثالِ
سأبحرُ عبرَ المقلتينِ بهِ إلى
جزيرة كنـزٍ ذاتِ خوفٍ وآمالِ
****
وأغمرُ ذكرَ السندبادِ بترحالي
ذريني أكن عنقاءَ يبعثها اللظى
إذا احترقَتْ شوقاً.. من الأبدِ الخالي
****
وسيرةُ مشتاقٍ ينوءُ بأحمالِ
إذا كانَ قلبٌ قد تملَّى بحبِّهِ
نعيماً.. فقدْ شقِيَتْ بحُبكِ أوصالي
وودُّكِ لا يصفو وكنتُ عهدتهُ
ولُبسُكِ من مينٍ يُشابُ بإقلالِ
ولم يخلُ هذا الدهرُ من طالعٍ بدا
ولم يخلُ هذا الناسُ من خادعِ الآلِ
فضقتُ بأيامٍ حوَتنا وطالما
مرحتُ بقدٍّ من مُداها وأغلالِ
ومثليَ لو يمشي بأخمصِ فضلهِ
لأخرجَ جناتٍ من الرُبعِ الخالي
****
ومالي سوى قلبٍ لأطلسَ عسَّالِ
ومالي سوى عينيَّ أنشُبها لظىً
بحقلِ فراشاتٍ يعاكسُني عالِ
كأنَّ سيوفاً من لهيبٍ تسوطني
بعشقٍ نبيِّ الحلمِ أنبلِ قتَّالِ
كأنَّ دمي في شمعِ جسمكِ فضلةٌ
لشمسِ احتراقاتي تضيءُ دجىً خالِ
وتركضُ في قلبي الينابعُ خلسةً
من العمرِ والدنيا كرنَّةِ خَلخالِ
****
فيلذعُني سرٌّ .. وتزهرُ أقوالي
ألَمْ يكُ بؤسُ الحبِّ أمسِ لذاذةً
وينعمُ في دنيا شقاوتهِ حالي
ألا فأعيدي للطفولةِ ساعةً
أطوِّفُ فيها.. كلَّ مبكيةٍ سالِ .

التعليقات (0)