ديوان: «هيأت لك» سبع سنابل من الحصاد الجسدي للشاعرة: وفاء العمراني

محمد الكلاف

وفاء العمراني: ـ عندلة القصر الكبير و فيروزه… تمردت على الشعر و تحررت من قيوده، أعطته من روحها ما جعله ينبض بالحياة و الحيوية و الدينامية… تعيش للشعر أكثر مما تعيش للحياة، تنسج من الكلمات الشعرية خيوطا قزحية زاهية، تضفي جمالها و رونقها على حياتها الخاصة و العامة.

أقامت لنا الشاعرة خلال مسيرتها الشعرية حفلا، سقتنا خلاله أول « الأنخاب سنة 1991» ثم تجرعنا رفقتها حرقة « أنين الأعالي سنة 1992»، و حيث أنها كانت فاتنة، فقد أبدعت في فتنة لامتناهية: « فتنة الأقاصي 1997»، و حين اكتملت لديها اللذة الشعرية، و بلغت ذروتها، بنت من لهيب جسدها المحترق رصيفا، ليرسوا به ذاك القادم من عبق ترانيم الحياة( الرجل)، كتب على واجهته بحروف نارية:  « هيأت لك سنة 2001».
ديوان: « هيأت لك» يضم سبع قصائد شعرية تعج بالموسيقى الروحية، و اللحن اللغوي السليم بلاغيا و تركيبيا صنعت من قصائده زورقا، امتطت صهوة أمواج الأبجديات، أبحرت بحثا بين ثنايا العباب عن البقايا الراسخة من ذاكرة ذاك المسافر العظيم: ( الرجل ).
« هيأت لك»: ـ عالم الإيحاء الباذخ، و التصوير الماجن، و التعبير الصارخ، والإيقاع الموسيقي الدافئ.
لن أنصب نفسي ناقدا يبغي تسليط الضوء على بنية الديوان الشعرية من حيث اللغة والإيقاعات اللفظية، بقدر ما سأحاول أن أبحر عبر الأمواج الصاخبة لأغرق ذاتي في عمق البنية الدلالية و الفنية لكل قصيدة، لأرسم لوحات فنية لهذا الديوان الأكثر فنية… لأضفي على الجمالية الشعرية ألوانا تفتح شهية القراءة، و الرؤيا الفنية لكل قصيدة.
إبحار: توغلت الشاعرة بين أمواج الكلمات الصاخبة، في بحر المتاهات اللغوية، تصارع الذات الشاعرة، ترسل تأوهاتها عبر آفاق الكون اللامتناهي، تدعو الحبيب في صمت عذري، عبر أبجديات الاحتراق…

تلفنا الصحراء في حرير الكلام
مدانا واحد
طويلا نأينا إلينا
توغلنا عنا
أخذتنا الطريق
و ما التقينا
عش يمام صدفتك إلي
في عصفك أحيا
لن أخلعك
و عدي قزحي
و أنا شهية

من قصيدة: « ذكراي منه الغياب » ص: ـ 30 -31

 تنحث من الكلمات جسدا ملتهبا، بعضه يأكل بعضه، تقدمه قربانا لذلك المخلوق العاجي ( الرجل ) في أبهى قماش، ترسم بقطرات المطر صيرورتها، ممتطية صهوة أمواج البحر لرحيلها عبر عتمة الأبد، في إبحار ليلى، تائهة في فلك التمني…

يبغي جدعي فروعه
و يشتهي الليل غمره
لو يأتيني القصي
هيأت العمر له

من قصيدة: « هيأت لك» ص: ـ 18

عرافة دون حاجة إلى فنجان، تقرا بتلقائية شعرية أسرار النجوم، تخط على الرمل كينونتها، جاعلة من الريح سريرا تلقي فوقه بعريها المثخن بالأنوثة الغضة في الغياب، في انتظار البعل الذي ربما يأتي أو لا يأتي.

أتشرنق
كثيرا شهوتي المحال
عالم مدهش ينمو في حياضي
للاتي أن يرسم مغامرته القدسية

من قصيدة: « أريج باذخ » ص: ـ 44 ـ 45

مجذوبة تمارس حضرة القصيدة، ترقص في وجودها، تشبع جسدها غواية شعرية، تبني من القصيدة مسجدا، و من الكلمات محرابا تقيم فيه صلواتها الروحية، تنير أركانه بحروف نارية، تتوسد عند غفوتها أبجدية التيه و الوله… جسد يموت من حرقة الفراق، وروح تحيا بأمل اللقاء، تعبر عن مكنوناتها الروحية العاشقة، نبض قلبها، حرقة و رعشة جسدها الظامئ، ترسم بالكلمات لوحات تشكيلية رائعة بمكر الحرف، و خديعة الخيال الشعري، تغسل الحسرة صدأ الأيام المتراكم من فرط الهجر، تبني جسرا يقرب المسافة بين ضفة الماضي بذكرياته غير يائسة و لا منهزمة…

لأجلك أشعلت قناديل رغبتي
و أنرت دهاليز الكلام
أنا قصيدة شبابك
حلمك الناري
بصيرتك العاصفة
و نبيذ حكمك المعتق
يا وسادة النذر في
يا أريحية الحياة معي

من قصيدة: « نشيد الوفاء» ص: ـ 81 ـ 82

من قطرات المطر، عناقيد عنب تعصرها خمرا، و من نجوم الليل، سبحة تمررها في خشوع من الزهد الشعري، بضفائرها الذهبية اللماعة، تنير ليلها الموحش، قناديل رغبتها المتأججة، تفك أزرار وحدتها، تزرع جسدها القاحل في سرير لذتها الحمقاء، يستنسخ بين أحشائها من بقايا حبر الذاكرة، سر الروح القادم من عبق ترانيم الحياة…

أفك أزرار نيراني المخمدة
أنضرم
أنبجس
كأني وهج اللقاء

من قصيدة: « أشبهك أيتها الريح» ص: ـ 61

أنا حاملة ثمارك
و الريح فاتحة ذراعيها
لخصوبة مدارك

من قصيدة: « نشيد الوفاء» ص: ـ 84

  « هيأت لك»… جسد يانع لظاه، شفاه ظمئة من فرط الاشتعال، سرير موحش، ليل ملؤه الآهات الثكلى، ووسادة خالية… يأكل الحنين زمنها الثلجي، تتراكض خيول الأسئلة الحيارى، في عمق الجسد المحترق…

إزهار مفاجئ
خيول الماء تتراكض في اللحظة البعيدة
و الجسد يكتمل بحواراته
أمنحك صداقتي أيها الريح

من قصيدة: «أريج باذخ» ص: ـ 46

تجد في الكتابة ضالتها، فرصة للبوح و الركض و الصهيل و التمرد، ترسم قحط الجسد، تغرقه في لجج بحر عريها، يبتلع لذتها، تدفن بين عبابه اغترابها…

ما بال الجسد موحشا مني و شاغرا
كظهيرة الأحد؟
مرارات قديمة أطل عليها من
ذرى جروحي المستجدة
أرى النار كفنا للكلمات
الأشياء الصغيرة الماسية الناذرة
أرى عزلتي الدافئة
مثل سد
أضع الوقت حالات للإنجلاء

من قصيدة: « المحارة الحاضنة» ص: ـ 70

تكتب بلغة أنثوية ميتافيزيقية عالية شبقها، افتتانها بالإنسان ككل، و بالرجل خاصة، جسدا و روحا، تعلق فوق كل بيت مكبر صوت، و على كل قصيدة جرسا يوصل صهيل التمرد بداخلها، إلى كل الأذان في غياهب الصمم.

هيئني
أنضحني
روني باللهب الآتي
أنا صاديتك
أجج عطشي
اجعلني حديقتك
و ماءك
أي أفقي وجنة
قلبي
طوقني بالعمق
غمر مرجي
و بحنوك الأبدي
لألئه

من قصيدة: « نشيد الوفاء» ص: ـ 80 ـ 81

تجعل من النار كفنا لعزلتها الليلية ما دام النهار يعتبر موعدا لمغازلة هديل البحر، والتيه الأحمق في قصيد العقلاء…

لي النوارس
لي النهار ممزوجا بغزل البحر
لنا زرقة الهديل

من قصيدة: « ذكراي منه الغياب» ص: ـ 22

 « هيأت لك» … نبض يؤرق الروح، شرود التيه يجتاح العقل، العقل يتراكم، صدا الوحدة القاتلة فوق جرح الأنوثة الموحشة، محارة تحضن في عمقها صوت البحر، دون موج أو عباب…

أتشكل
محارة حاضنة
يطعمني السؤال
                     دم الهاوية
                    لا ضفاف لي

من قصيدة: «المحارة الحاضنة» ص: ـ 66

« هيأت لك»… أفق وردي من الخجل ساعة التيه الأبدي… بحر بلا ضفاف… زورق بلا مجادف… تتقاذفه لعنة الزمن ساعة الاحتضار، احتضار الكلمة على عتبة الصمت المرصود، اشتعال القناديل في دهاليز الحرف، و الحرف نعل من جمر، في رحلة التيه الحافي…

سلاما لصحراء الأبجديات روضتها
بنعل من جمر
سلاما لأجنحة الحب
تلملم تبعثري

من قصيدة: « نعل من جمر» ص: ـ 96

« هيأت لك »… يجمع من الكلمات باقة عشق، و من الأبجديات سنابل قمح ساعة الحصاد الجسدي…

ليأتني الحصاد
سأهيئ له قمحي
أهل و يانع كالحضور غيابه
طافح به الوقت الحواس السريرة

من قصيدة: « هيأت لك» ص: ـ 12 ـ 13

عودة الروح إلى الجسد لحظة الوداع الأخير…عند الرحيل، ينسى الجريح قطرات الدم المتساقطة على أرض العشق، يمضي الجسد المثقل بالكلمات و الأسئلة الحمقاء، نحو التيه و العشق و الوله و الشعر، لتبقى الذاكرة مشرعة على الغياب، مادام هناك انتظار…

نسيت معها عند حافة السفر
                                  جرحي
و حين أورق نزيفي
                                  مضيت
تركت للأرض العاشقة قسماتي
                                  و مضيت
شيدت مملكة الكلمات
                                  و مضيت
أثمرت أشلائي عروشا
من كنوز
               و درى
               و نجوم
          لكنني عشقت المسافة
                             و مضيت
كأني الريح لا تبغى مستقرا
                             مضيت…

من قصيدة: « نعل من جمر» ص: ـ 101 ـ 102

و يستمر الاحتراق في بحر الكلمات الواسع سعة الحب… سعة القلب… مادامت هناك رعشة شعرية تمخر الجسد الطافح..

محمد الكلاف
ناقد وقاص
المغرب
Mohammed_gu@hotmail.fr

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…