الخاص والعام

محمد قاسم

يبدو  هذا العنوان مألوفا في ذاكرتي..لأنها انشغلت به مرات عديدة..
دلالة هذا العنوان مهمة –كما أرى وافهم-
فمعظم المشكلات الذهنية تأتي كنتيجة لاختلاط المعاني..وتداخل المدلولات..!
ولعل هذا هو الدافع للفلاسفة منذ القديم ليبحثوا عن مخرج للأمر..فكانت الخطوة الموفقة –وإن كان البعض لا يزال يعترض عليها – على يد الفيلسوف الإغريقي أرسطو،عندما ابتكر الأدوات المنطقية في التفكير -أو اكتشفها- تحت عنوان “المنطق” هذه الكلمة العربية التي تترجم الكلمة اليونانية الدالة على المعنى “لوغوس”.
اللوغوس يعني المنطق ومدلوله:التعقل والكلام،أمر يعرفه كل المثقفين.
 ولكن العبارات عندما تكتب ينبغي ان تكون واضحة لمن لم يتح له الإطلاع لسبب ما..خدمة لوضوح سياق النص ايضا..

لم هذه المقدمة –المملة ربما-..؟!
قبل ان تظهر الفضائيات أو تنتشر ..كنا نتابع التلفزيونات التركية –وهي عديدة- بخلاف ما كان سائدا في سوريا حيث بالكاد هناك محطتان –كلتاهما مملوكتان للدولة تمثلان اتجاه الدولة في الإعلام..وقد كان اتجاها  مملا وأحيانا مؤلما، لأنه يهدف إلى صهر الذهنية الشعبية وذهنية مختلف الشرائح الاجتماعية ومستوياتها..في بودقة تصوّر  القائمين على الحكم ..وهو الانصهار في الفلسفة الهجينة ما بين الماركسية والابتكار البعثي لمعنى القومية وتطعيمهما ببعضهما بطريقة تعسفية لخدمة تصورهم وربما لخدمة البقاء في الحكم بالدرجة الأولى..
في هذه الظروف كنا نشاهد التلفزيونات التركية المتعددة الاتجاهات والانتماءات الفكرية والحزبية..وكنا نشاهد –الى جانب المسلسلات والأغاني الشجية –بعض البرامج التي يدور فيها الحوار –وهذا مقصدنا –بين شخصيات أكاديمية وخبرات..واختصاصات..الخ.
وكانت هذه البرامج تبدأ منذ الصباح الباكر..وتستمر الى وقت متأخر أحيانا..ولأني لم أكن افهم  اللغة التركية فلم أكن  أستمع إليها إلا لماما بدافع فضولي قد لا يطول..ولكني اكتشفت فيها عمليات حوارية حول مفاهيم مختلفة سياسية او اجتماعية او فنية او غير ذلك..
وكنت أتساءل:ترى لماذا هذه البرامج المملة..هل هناك من يستمع الساعات الطوال الى هذه الموضوعات..؟! ألا يوجد بديل آخر ..؟1
وفيما بعد انعم الغرب علينا –كما دائما – بتكنولوجيا الفضائيات والتي ابتدأت ب”قناة الجزيرة ” و التي لعبت دورا تنويريا هاما جدا في التأثير على الذهنية العربية بشكل أو بآخر..لولا أنها بدأت تتأثر بالأمور الذاتية والموجهة –كما هي عادة النظم والمنظومات ذات الاتجاه الشمولي او العاطفي قومويا.. ما مس مهنيتها ..وانحدر بها عما كانت عليه ،وقبل ان تظهر “قناة العربية” التي استطاعت في فترة وجيزة ان تنافسها..وربما تفوقها في بعض الحالات..وعلى الرغم من أنني لا أبرئ العربية من بعض انحياز –ربما مقصود او غير مقصود-ناتج عن الطبيعة العاطفية  للقائمين عليها..فنحن في هذا الشرق يصعب علينا الفصل بين الحدث وميلنا نحوه –سلبا او إيجابا- وهذا ما يخل دائما بمهنية العمل المؤدى في الشرق..والعرب منه.
مرة أخرى لماذا هذه المقدمة الطويلة وربما المملة أيضا..؟!
لقد أحببت ان أرى الفارق بين  الحواريات في هذه الفضائيات ،وتلك الحوارات التركية التي لم أكن افهمها ..وكنت ابذل جهدا لذلك..واحيانا اسأل العارفين..!
المهم عرفت أنها حوارات حول قضايا مختلفة ،تذاع يوميا لتسهيل فهم الناس للمفاهيم والمصطلحات والمعاني والوسائل والطرق ..والتي جميعا تخدم الوعي الاجتماعي في كل أبعاده..
وعندما جاءت الجزيرة,وجدنا مثلها على شاشتها..وقد استهواني هذه الحوارات بأشكالها المختلفة –الاتجاه المعاكس،بلا حدود،لقاء اليوم..الخ.
وعندما كثرت الفضائيات ” وأصبحت على قفا مين يشيل” كما يقال في الدارجة.. قلدت بعضها بعضا وتبنت هذه البرامج، كل واحدة في الاتجاه الذي يخدمها طبعا..وهذا منطق الأشياء..ولكن الذي أريد الوقوف عنده هو ما يلي:
في البلدان المتقدمة والتي تسمى دولا-عن حق- بكل خصائصها كدول تتكون من :
مؤسسات ديمقراطية..في ممارسة أنشطتها سياسيا واقتصادا حرا وفق قوانين لمصلحة المجتمع ككل –لا مصلحة فئة قومية او طائفية أو دينية..الخ.- وهي مشكلات تجاوزتها جميعا بمقدار مقبول ومعقول..
في هذه البلدان،الإنسان  كائن نما بحرية معقولة..واكتسب خبرة خصوصية ..وله فرديته التي يعتز بها..وتأسست في ذهنيته مساحتان في علاقة متكاملة كالعلاقة التي تعرف في المنطق بالجنس والنوع أو (العام والخاص).
ففي كل ذهن مساحة عامة تتضمن المفاهيم الجمعية و الاجتماعية (المصلحة الوطنية وتشارك مصلحته الشخصية معها، مصلحة المجتمع البشرية، في علاقتها بمصلحة الوطن الجغرافيا،وتشارك مصلحته الشخصية معها…الخ.
وفي كل ذهن –الى جانب ما سبق- مفاهيم المصلحة الخاصة بأشكالها وألوانها المختلفة..ولكنها دوما في سياق المساحة العامة او الاتجاه العام.
المساحة العامة(المصلحة العامة) جنس..والمساحة الخاصة (المصلحة الخاصة) نوع.
والجنس يحوي النوع(دائرة صغيرة ضمن دائرة كبيرة) متكاملتان..
فأصبحت المصلحة العليا تفرض  ذاتها وتفرض على الجميع القبول بها عن وعي ودراية لنتائجها عبر القبول بالقانون…وأصبحت المصلحة الخاصة جزءا من سياق المصلحة العامة..
فمهما حاول بعضهم أن يتجاوز المصلحة العامة خدمة لمصلحته الخاصة فإنه لن يستطيع..لأن الذهنية الشعبية والحكومية مرهونة بها كنتيجة للانتخابات الحرة والنزيهة في العموم.وان وجدت اختراقات فلن تفلح كما حصل لرئيس الولايات المتحدة الأسبق “نيكسون” والذي خلع من الرئاسة عندما كشف عن تجاوزات قانونية منه..كمثال فقط  لا للحصر.
فهل نطمح كشعوب متخلفة –والعربية منها طبعا- إلى إيجاد انسجام -من نوع ما – بين العام والخاص.. في صيغة قانونية تخدم الوطن مع مواطنيه؟!
لنتفاءل..بالرغم من صعوبته..!!

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…