انفلونزا البشر

عبد الستار نورعلي

الحديقةُ
ملأى بسُكارى
يحتسونَ منْ فمِ القنينةِ
آلامَ العشبِ تحتَ مقاعدهمْ الملأى
ببقايا سرير النومِ المليءِ

بالبولْ،
يجلسونَ في فوضى عارمةٍ،
صراخُهمْ
يغيبُ في خريرِ النهرِ المنسابِ
صوبَ السدِّ …….

أمسِ مساءاً
التقيتُ رجلاً يترنحُ،
بصقَ على رصيفِ الشارعِ
دمَ قلبهِ،
ونامَ ….
على العشبِ النديِّ
برطوبةِ الخريفْ،

الحديقةُ إيوانُ القبيلةِ،
حينَ تفتحُ سجِّلَ العابرينَ
يرتفعُ دخانٌ أسودُ،
فتختنقُ النوارسُ
وهي تحلّقُ صوائحَ في الجوِّ المليءِ
بأنفاسِ الخمورِ،
وفيروساتِ انفلونزا الخنازير،

حينَ أصيبتِ الخنازيرُ بالانفلونزا
ما كانتْ تعلمُ أنها ستصبحُ
أشهرَ من الشقيقاتِ برونتي،*

هلْ نفتحُ بابَ السرِّ المغلقِ
على انفلونزا البشرْ؟

السُكارى في الحديقةِ المتراميةِ
على ضفاف النهرِ الخالدِ المتدفقِ
صوبَ السدِّ
في مدينتنا النائمةِ في حضنِ التحالفِ الاشتراكي
لا يدرونَ أنَّ المصيبةَ أعظمُ
منْ فوهةِ علبةِ البيرةِ الفاسدةِ
منْ صنعِ معاملِ يلتسينَ وتشيفرناتزا
وغورباتشوف،

في الظلمةِ الحالكةِ
في الغابةِ المجاورةِ
ترتقي الشياطينُ رأسَ الشجرةِ الكبرى
فتتساقطُ أوراقُ الخريفِ
فوق الرؤوس المائلةِ
على مقاعدِ الزمنْ،

هلْ يُدركُ السُكارى أنَّ النورَ الخافتَ
في عيونهمْ
مثلُهُ مثلُ الظلام الدامسِ
في عيونِ النهارْ؟

صرخَ أحدُهمْ:
أطفئوا الشمسَ!
لا أتحمّلُ حرارتها!
أعيدوني إلى فراشِ الحقيقةِ العاريةِ
في خلايا النومِ!

لم أجدْ مقعداً فارغاً،
فاقتعدتُ رأسي،
وغبْتُ
في دخانِ السيجارْ …….

* الشقيقات برونتي: هن الشقيقات الروائيات الانجليزيات اللواتي عشْنَ في القرن التاسع عشر وفارقْنَ ثلاثتُهن الحياة في سن مبكرة بمرض السُلّ الرئوي، وهن آن برونتي التي عاشت تسعة وعشرين عاماً، وإميلي ثلاثين عاماً، وشارلوت تسعة وثلاثين عاماً. كما أن شقيقهن باتريك أيضاً توفي بنفس المرض وهو في الواحدة والثلاثين من العمر.

عبد الستار نورعلي
صباح السبت 12 سبتمبر 2009
مكتبة مدينة اسكلستونا/ السويد

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

رياض عبد الواحد| العراق

يمكن أن نلج إلى هذه المجموعة من منافذ عديدة، أولها ثريا المجموعة/ أقدحُ شررَ الكلام، تحليل الجملة “أقدح شرر الكلام” يمكن تقسيمه إلى ثلاثة مستويات: فونيمي (صوتي)، ودلالي (معنوي)، ونحوي (تركيبي).

التحليل الفونيمي (الصوتي):

الكلمة: “أقدح”

الأصوات الصامتة: (همزة)، (قاف)، (دال)، (حاء).

الأصوات الصائتة: (فتحة قصيرة).

البنية الصوتية: همزة قطع في البداية، يتبعها صوت قاف انفجاري…

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين