أفين شكاكي (*) والبوح المتواصل

 

قراءة نقدية بقلم: د. محمد أيوب
أن تقرأ قصائد الشاعرة أفين شكاكي يعني أنك تعيش معها حالة من البوح الشفاف والصريح من العناوين إلى جسد كل قصيدة على حدة، ففي أول قصيدة لها بعنوان: “اعتراف” تتوجه بالخطاب إلى الحبيب الذي غادرها دون وداع على ما يبدو، تقول له:
عبثا
تحاول سرقة قصائد شوق
من عيوني
لملمة حنين من جفوني
فقد جعلت من القصائد رسائل شوق تبثها العيون، ولكنها لن تدعه ينالها أو يفرح بنظرة رضا، كما جعلت الحنين يسكن العينين دون أن يستطيع الحبيب الغادر أن يلملم حنينها دموعا تنسكب من عينيها ، وكلمة غادَرَ تشترك مع الغدر في جذر واحد ، لذا فإنها تقابل الهجر بالهجر وعدم المبالاة، تقول:
لم يعد يحرقني وهج الانتظار
لأنني قبل الرحيل بدمعة
نذرت لعينيك
ميزان تعقلي وجنوني
وجعلت من الانتظار جمراً يتوهج ، وبالتالي فإن الشوق للحبيب لم يعد يؤرقها، كما ساوت بين الدمعة واللحظة فأكسبت الدمعة مدلولا زمنيا، كما جعلت من شدة الوجد جنونا ومن مراعاة الكرامة تعقلا، وساوت بينهما حين جعلت منهما كفتي ميزان.
وفي قصيدتها بعنوان : “قوافل مطر” تقول:
أعدك أن أزرع في يديك
بيادر قمح وسكر
وأسكنك ثلاثين شمسا
بل أكثر
فالحبيب في القصيدة يطلب من حبيبته أن تسامحه ويعدها أن يزرع في يديها قمحا وسكرا ، وهما من المصادر الرئيسية للطاقة التي تساعد شعلة الحب على الاستمرار والتوهج ، ويجعل من حبيبته جرما سماويا بسعة العالم كله فيسكنها أكثر من ثلاثين شمسا أي مجموعة أكوان وليس كونا واحدا.
وفي قصيدتها: ” غياب ” تتساءل المحبوبة عما إذا كان الحبيب ما زال يذكرها أو ما زال لديه بقية من حبها، وتعده بأن تلملم الجرح الذي سببته له مع أزهار حنينها حتى يشفى، وتبرر الجرح الذي سببته له بأنه مشى على أضلع قصيدتها، وهنا تجسدت القصيدة في شخص كائن حي، تقول:
سألملم جرحك في إناء الزهر على الطاولة التي أرتب عليها حنيني.
فقد تحول الحنين إلى أزهار ترتبها في مزهريتها مع جراحه لتخرج لون الدم النازف من الجراح من مساحة الألم إلى مساحة أكثر رحابة من الفرح، ثم تعاتبه فتقول:
كنت قاسيا
مشيت على أضلع قصيدتي، حفرت الأرض كثيرا
كان تحت كل حرف قلب يحلم
وتعود إلى الاعتراف مجددا حين تقول:
غيابك مزقني إلى ألف قصيدة
زادني حلما ويقينا
أنك لا تحبني ؟
فالحنين هو وقود الشعر وباعثه ، والشوق يصنع الحلم ولكنها تتساءل :
هل تحبني؟
وإن جاءت العبارة منفية في قولها: إنك لا تحبني ، فالعبارة تحمل من التساؤل أكثر مما تحمله من النفي ليكون الجواب بالإيجاب مصدراً لليقين.
وتكثر أفين من ذكر العينين ، ربما لأن العينين تحملان سحرا خاصا تقول:
عيناك مطر غامض
العيش فيهما ولادة
فقد جعلت من عيني الحبيب سماء تجود بالمطر وجعلت من الحبيبة أرضا تتلقى المطر فتجود بالخير والنماء مما يكثر الحرث والنسل .
أما في قصيدتها: “عيد الحب” فقد أضفت على القصيدة حياة قام الغادرون باغتيالها:
أفرغوا الرصاص في قلب
قصيدتي
ومع ذلك لم تمت القصيدة بل انبعثت حبا وتحول دم القصيدة ورودا حمراء تسقط من بين يديها:
الورود الحمراء سقطت من يديها
الأشياء الجميلة تهاوت
الآن عنوان قصيدتي كان
أحبك …؟
وكأنها تعبر عن استغرابها فتضع بضع نقاط لتدل على كلام مسكوت عنه بعده علامة استفهام، وكأنها تريد الإيحاء لنا بأنهم إنما يغتالون الحب حين يغتالون الشعر والفكر.
ويصل الأمر بشاعرتنا إلى حد جعل الحبيب عنوانا لقصيدتها تقول له بعد أن بحثت عنه بين كلمات قصيدتها:
لكنني أنسى دائما
أنك عنوان قصيدتي
ومن المغادرة إلى الرحيل، حين يرحل الحبيب تختفي الضحكات والابتسامات العذبة، يأخذها معه ويغادر، تقول:
رأيتك تلملم ضحكاتي
من الأزقة المليئة بالوجوه الحزينة وأحلامي المفروشة على طريق
عين ديوار
وفي حمى الشوق إلى الحبيب تتذكره وتتمنى أن تهطل شرفاتها حبا عليه حيث جعلت من الحب مطرا ، تقول:
كم تمنيت أن تنام أصابعي
بين يديه
وتهطل شرفاتي حبا عليه
وكأننا نعيش حالة من الحوار بين حبيبين ، يقول الحبيب:
كوني لغتي
ذاكرتي
قصائدي
وجميع دواويني
ثم دعيني أسكن يديك في لحظات
الجنون
وفي قصيدتها حين أراك تتساءل الشاعرة:
لماذا حين أراك
تنثر على جرحي الحنين
وكان حضور الحبيب يمنح جروحها الشفاء ويعيدها سيرتها الأولى وتنسى ما كان من هجر وبعد، تقدم الشاعرة هنا صورا تفيض بالروعة، فالحنين يصبح مسحوقا من مضاد حيوي ينثر على الجرح فيشفيه ويفيض الصمت أو ملحا يكوي الجرح وسبب الألم، ويصبح التراشق بالعيون سيد الموقف، ولعل كلمة التراشق هنا لا تتناسب مع المقام، وربما أرادت الشاعرة الإشارة إلى سرعة النظرات وتدفقها ويصبح الحوار بواسطة العيون أشبه بتراشق قبلات الحب ، وتقرر الشاعرة التوقف عن الغروب والهروب لتمنح نفسها لمن تحب فيصبح في عمرها تفاصيل جميلة.
أما في قصتها حيرة فيداها حائرتان مثقلتان بالحنين في سفرها نحو يد الحبيب، وكلمة مسافرة توحي ببعد المسافة بين يدها ويد الحبيب ولذا تحملت يدها بالحنين كأجمل هدية للمحبوب، وهي تعشق يدها لأنها الوحيدة التي تكتب حروف اسم من تخاطبه.
بينما تتحدث الشاعرة في قصيدتها التي عنوانها: ” حلبجة” عما جرى فيها ذات يوم ، مدينة الشاعرة واسمها “ديرك” تقف خاشعة لمدة خمس دقائق إحياء لذكرى ضحايا حلبجة ، قالت ذلك تلميحا لا تصريحا ، تشير إلى ذلك بقولها:
كانت أسراب من الفراشات
تحلق في الأفق
تحمل على أكتافها
نعش قصيدة اسمها حلبجة
وفي قصيدتها: “توأم الحبق” تتحدث عن الرحيل الذي يملأ حيزا كبيرا في قصائدها، تقول:
كانت أيامي مليئة بمفردات الرحيل.
وتردف موجهة كلامها إلى الآخر :
أنت توأم الحبق في أناملي
أحلامي في الغياب
وهي ترتجف في تجلياتها حين تمطر السماء حبا، تقول:
وتقيم قصائدي بين رموشها
أعراس الخلود
حين تمطر السماء حبا في عينيك
الصباحات تصبح ندية
وقتها أرتجف
أرتجف
حبا وخوفا عليك
تلجأ الشاعرة إلى استخدام كلمات مستمدة من جذر واحد مثل الصباحات و تصبح، كما تلجأ إلى التكرار لتأكيد مشاعرها، فهي ترتجف حين يسود الحب ربما من شدة خوفها على هذا الحب الذي قد يغتاله من لا يرضيهم انتشار الحب والسلام ربوع الوطن، وحين يأتي الحبيب يمر الربيع على عجل، فالحبيب والربيع صنوان متلازمان، بينما ينسى الصباح أن يمر بالمدينة فيطول الليل حتى يسافر الحبيب في دروب عشقها:
حين تأتي
ينسى الصباح أن يمر بالمدينة
كي تسافر في دروب عشقي
وتلملم ما تساقط من إكليل عمري
والشاعرة تتمتع بقدرة رائعة على بث الصور الجميلة فقلبها يقف على أصابعه وكأنه إنسان يند عنقه ليستطلع أمرا ما، وفي نهاية القصيدة تكتفي بقبلة يرسمها على يدها كي تنبت ألف قصيدة وقصيدة عليها.
قصائد أفين تفيض بالصور الجميلة فالمساءات تلبس ظل الحبيب ربما من شدة خشيتها عليه وخوفها من أن يراه عزول، والحنين سائل يروي الظمأ والقصائد لها ساقين تمارسان المشي على ضلوعها، والحزن له قوافل تسير مع الدم النقي في الشرايين، لكل ذلك توصي بأن تكون عينا الحبيب مثواها الأخير وكأنها تريد إقامة أبدية في عيون من تحب وقلبها في قصيدتها “إعلان” سيعلن هطول المطر ، تقول:
غدا
سيعلن قلبي
هطول المطر
وتعلن أمسياتي “هنا وقع خطأ مطبعي حيث كتبت: أمساتي”
نهاية الضجر
وتتدفق الصور البليغة : تقول :
دعيني يا سيدتي
أحاور جرك
أناقش جرحك
علِّى أقنعه بالرحيل
والأصابع تشهق لديها وكأنها استمدت بعض عادات البشر، وللأصابع عبير، فهي تارة إنسان وتارة أخرى نبات يبعث الروائح الطيبة، ولقصائدها رياح تحمل الشاعرة وتلقي بها في أحضان عيني الحبيب، قدرة فائقة على التصوير بلا أدنى شك ، وفي المحطة الثانية من قصيدتها محطات تقول:
حنينك
يشطر جرحي نصفين
نصف يطيب
ونصف يهيم شوقا إليك
هل هناك تعلق بالحبيب أكثر أو أشد من هذا التعلق، وتسأل في قصيدتها “لو”:
لو أتيتك عاشقة
أتمنحني حنين الياسمين
والزمن عند الشاعرة له جدران، تتكسر هذه الجدران من شدة الوجد وطول فترة الانتظار لتصبح الشاعرة أشلاء امرأة يقفل الفجر في وجهها أبوابه وكأنه يريد أن يمنع النهار من الطلوع، وعلى الرغم من تناثرها تظل تنتظر.
لا يسع المرء إلا أن يندمج مع قصائد الشاعرة التي هي بوح متواصل وإن كانت تفيض بالألم بسبب الغياب والهجر والرحيل وكأنها تعيش غربة لا تريد أن تنهي.
_________________
(*) أفين شكاكي شاعرة من كردستان، ولدت في مدينة /ديرك/ الواقعة في المثلث الحدودي بين سوريا وتركية والعراق تلقت تعليمها الابتدائي والإعدادي والثانوي فيها ثم أكملت دراستها في معهد إعداد المدرسين تكتب الشعر باللغتين الكردية والعربية تنشر في العديد من الصحف الكردية والعربية وتنشر على العديد من مواقع الانترنت الى جانب كتابتها للمقالة والدراسات الأدبية شاركت في العديد من مهرجانات الشعر الكردي في سوريا ومهرجان دهوك للثقافة والفنون الأول في كردستان العراق صدر لها ديوان باللغة العربية بعنوان/قوافل المطر/ وهو من إصدارات دار الزمان للطباعة والنشر وقد ترجم الديوان االى اللغة التركية من قبل الأستاذ /كامل حسن/ وبعض القصائد الى اللغة الانكليزية الى جانب نشاطاتها في مجال حقوق المرأة وتفعيل دورها في المجتمع.

(**) ayoubbo@hotmail.com.

 

الحارس للدراسات والإعلام

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…

فراس حج محمد| فلسطين

-1-

لا تعدّوا الوردْ

فما زالتِ الطريقُ طويلةً

لا نحن تعبنا

ولا هم يسأمون…

-2-

ثمّةَ أُناسٌ طيّبونَ ههنا

يغرّدونَ بما أوتوا من الوحيِ، السذاجةِ، الحبِّ الجميلْ

ويندمجون في المشهدْ

ويقاومون…

ويعترفون: الليلُ أجملُ ما فيه أنّ الجوّ باردْ

-3-

مع التغريدِ في صباحٍ أو مساءْ

عصرنة النداءْ

يقولُ الحرفُ أشياءً

ويُخفي

وتُخْتَصَرُ الحكايةُ كالهواءْ

يظلّ الملعبُ الكرويُّ

مدّاً

تُدَحْرِجُهُ الغِوايَةُ في العراءْ…

-4-

مهاجرٌ؛ لاجئٌ من هناك

التقيته صدفة هنا

مررتُ به عابراً في…