طرائف من عيادتي (4) يا عيبَ الشوم عليكِ يا عيشو !!

د . آلان كيكاني

دخلَتْ ويدها على بطنها في محاولة لتخفيف المغص الذي يعصر أمعاءَها ويلوي أحشاءَها , سلمَتْ عيشو بصوت خافت ثم ارتمت على السرير الطبي وحدثتني بصوت أقرب إلى الأنين عن شكواها , وإمارات الإعياء والإنهاك بادية على وجهها الذي نال منه الإسهال الشديد وجففه منذ أسبوع ولم يفدها في ذلك ما جلبته من الصيدلية من عقاقير , قالت:

الإسهال يا دكتور الإسهال , قتلني , ولم يبقِ في جسمي طاقة , ولا ماء , إنه يسيل مني مثل جريان الماء , كريه الرائحة غزير الكمية ويحدث مرات عدة في اليوم ويقض مضجعي ويحرمني من النوم في الليل .
لم يكن الأمر طارئاً على عيشو وإنما كانت علتها قد دخلت مرحلة الإزمان , مما استوجب طلب تحليل لبرازها لمعرفة السبب الذي جعل عيشو تذوب كل يوم باستهلاك السائل من جسمها .
خرجَتْ عيشو على أن تعود اليوم التالي صباحاً ومعها نتائج التحليل , لكنها لم تعد , وفي فترة المساء لم تعد , وفي اليوم الثاني ما بانت , وفي الثالث اتصلتُ بالمخبر لأسأل عنها ولكن الطبيب المخبري رد على سؤالي عن عيشو , التي يعرفها جيدأً , بمضض وتذمر وكأنه يريد كتمان أمر ما .
يقول الألمان : للخبر السيئ جناحان  .  
فكيف إذا كان هذا الخبر يحمل الطرفة والفكاهة, عدا عن كونه سيئا ؟!
لا بد آنئذ أن يكون له أربعة أجنحة عوضا عن أثنين فيطير ويحط في الآذان القريبة والبعيدة مهما كانت العراقيل قوية, وإذا كان الطبيب المخبري  حاول كتمان الخبر قدر الإمكان , فمن يكتم فم ذلك الشاب , الفني , الذي يعمل في المخبر , ذي اللسان الناطق الطويل والذي يخلق من الحبة قبة كما يقول المثل ؟
أيام عديدة وحل لغز عيشو وعُرِفَ سبب عدم عودتها إلى عيادتي, والآن اسمعوا القصة جيدا :
فمن سوء حظ عيشو أنها كانت , قبل أشهر من زيارتها عيادتي , ترافق أختها المريضة في المستشفى لعدة أيام , طلب خلالها الطبيب المشرف جمع بول أختها كل أربع وعشرين ساعة ليدرس كميته خلال اليوم الواحد لما له من دلالة علمية في بعض الأمراض الكلوية , لذا عندما خرجت عيشو من عيادتي كانت تظن أن تحليل البراز هو أمر مشابه لتحليل البول اليومي الذي كان يُجرى لأختها في المستشفى , فمرت , في طريقها إلى البيت , بمحل بقال . 
وسطلا بلاستيكيا اشترته  
وفي الحمام وضعته .
وعليه طول الليل ترددت حتى ملأته .
وبنايلون أبيض غطته , لتحجبه عن العيون وتحمي الأنوف من رائحته .
ونفسها جهزت صباحا باكرا , وفي الشارع تبخترت تنوس بيدها سطل الخراء .
ثم أدراج مبنى المخبر صعدت .
وأمام باب مكتب الطبيب المفتوح وقفت .  
وتحية عطرة عليه ألقت .
وعن حاله وعياله سألت .
والطبيب المسكين نهض من على كرسيه البرام تحية لعيشو ولهديتها وهو يقول :
يا عيب الشوم عليك يا عيشو , ليش معذبة حالك يا أختي ؟  لسة مبارح كنت في الضيعة وجبت معي كومة لبن للأولاد , شو بدي أساوي بهادا السطل الكبير ؟ مين بدو ياكلو ؟ مين بدو يخلصو ؟
احمرَّ وجه عيشو ثم اصفرَّ ومال إلى الشحوب والطبيب يتقدم منها خطوة خطوة ويعبر لها عن شكره وامتنانه ولكنه سرعان ما لاحظ التغير والارتباك في عيشو التي , مع كل خطوة للطبيب باتجاهها , كان يرتخي جسمها  خجلا لهول ما أحست به ومقبض السطل يتزحلق على سلاميات أصابعها حتى وصل إلى قمة الأنامل وفي هذه اللحظة شم الطبيب الرائحة فنظر إلى محتوى السطل من خلال النايلون الشفاف واكتشف محتواه فزعق زعقة جعلت مقبض السطل يجتاز آخر جزء من أصابع عيشو :
طااااااااااااااااااااااااااااااااااااااخ
ويهوي السطل على الأرض
وينتشر الخراء السائل على البلاط النظيف وتفوح رائحته .
الوضع لا يحسد عليه ولا يتمناه المرء لعدوه :
الزبائن اللذين كانوا جالسين في الصالون ينتظرون دورهم سدوا مناخيرهم  بين أصابعهم وخرجوا واحدا تلو الآخر وهم يحاولون كبح شعور الغثيان الذي انتابهم .
والفني الذي هرع إلى مكتب الطبيب  بعد سماع صوت ارتطام السطل على البلاط شاهد أرض الغرفة وقد فُرِشَ بطبقة من الغائط السائل ذي الرائحة النتنة مما دفعة هو الآخر أن يزمجر ناهرا عيشو الواقفة مثل الصنم وكأنها تحولت إلى قطعة من الخشب أو الإسمنت لا تدري ماذا تفعل , زمجرة الفني من جهة وزعيق الطبيب من الجهة الأخرى جعلا عيشو تميل إلى اليمين ثم إلى اليسار وكأنها غصن يلوي مع رياح هوجاء بلا حول أو قوة , ثم سقطت عيشو في مستنقع خرائها وتمرغت به من رأسها إلى أخمص نعالها وراحت في غيبوبة عميقة وبالكاد كان يسمع صوت شخيرها الواهن وكأنه حشرجة تسبق الوفاة , وهنا ارتعب الطبيب من أن عيشو قد انتهت وأنها بلا شك ستموت .
 الممرضة تبحث عن خرطوم المياه ولا تجده وهي تكتم فمها وأنفها بيديها , والطبيب يرتعد ويبحث عن مكان نظيف من ثياب عيشو يسحبها من خلاله لوضعها على السرير وفحصها والفني يمسك سماعة التلفون معكوسة يريد الاتصال بالإسعاف .
وأخيرا رشت الممرضة الماء على عيشو  ففتحت عينيها وتحدثت فعادت الروح إلى الطبيب الذي خشي من ان يكون السبب في موتها أمام القضاء , وعندما قامت عيشو ومشت تنفس الطبيب الصعداء وهو يقول :
كل هذا يا عيشو ؟!!
ما قلت لي , لماذا كل هذا ؟!
أما كنت تنقعين به لحية أبيك يا عيشو بدلا من هذه الكارثة ؟!
غرام واحد كاف للتحليل , وليس سطلا !
بهدلتينا يا عيشو !
 

وفي الختام , اللهم لا تبلينا بما ابتلى به غيرنا .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…