كمال نجم: الشَّاعر المُبحرُ فـي المجاز والضَّارب في الحزن والنَّدم والإلغاز

تقديم وترجمة: هوشنك أوسي

كمال نجم، الشَّاعرُ الكرديُّ، المولود سنة 1969، في أقصى الشمال الشرقي لسورية، بدأ رحلته كناشط سياسي سنة 1989، واعتزل الحياة السياسيَّة سنة 2003. وفي سنة 1995، بدأ كتابة أولى قصائده باللغة الكرديَّة، وأسهم في عقد نشاطات ثقافيَّة، وأمسيات شعريَّة وأدبيَّة عديدة. في عام 1999 سافر إلى بيروت، فكانت بيروت، نقطة انعطاف، ومحطَّة جد هامَّة في تحديد ملامح حياته، وإثراء تجربته الشعريَّة. سنة 2003، عاد من بيروت ليستنكف عن الحياة السياسيَّة، ويتّجه لتأسيس أسرة صغيرة في مسقط رأسه.
كمال نجم، من المقلِّين جداً في الكتابة الشعريَّة. حيث صدر له في بيروت مجموعته الشعريَّة الأولى «كَزّي زَر» (ذات الشَّعر الأشقر) في 2002، والمجموعة الثانيَّة «لحظة إثم.. حين كان الصيف غضَّاً» سنة 2007. وكمال نجم، من الذين يشتغلون على نصوصهم مراراً، ويثقِّفونها، ويثقِّفونها، حتَّى تشفَّ، وتغدو كزورقٍ ورقيٍّ يشقُّ يمَّ المجاز. زورق، قوامه البساطةُ في التعبير، والرصانة في الإلغاز. ويغلبُ على نصوصه، الطابع الحكائي، القصصي، مع حفاظه على  مسافة فاصلة، بين الشِّعر والسَّرد. في حين، أن أجواء وعوالم كمال نجم الشعريَّة، تبدو مترعة بالوحشة والأسى والانكسار والشَّروخ الداخليَّة، وأصداء النَّدم، ورفض مظاهر الحرب، ومقاضاة الماضي. وثمّة نبرة وجوديَّة في قصائده، تنحاز لحقِّ الإنسان في الحياة. وإن هذا الحقّ، قيمة كونيَّة مقدِّسة، وأسمى من أن تكون حطباً في مهبِّ نيران حريَّة الأوطان. في بعض قصائده، يمكن أن نلمح بأنَّها أشبه بمراجعات وجدانيَّة للذات الفرديَّة والجمعيَّة. واللافت في لغة كمال نجم الشعريَّة، بأنَّها، تجنح للهدوء والهسهسة، وخاوية من التوتُّر والتصعيد والجلجلة والشِّعار، رغم أنه خاض تجربة سياسيَّة ثوريَّة، أخذت من عمره 14 سنة، خلاف الكثير من الشُّعراء الكُرد، ممن كانوا يمقتون السياسة، وتجد القعقعة والتأجيج، والافتخار بالماضي، وتهديد الأعداء بالويل والثبور، تطفوا على لغتهم الشعريَّة.

كلَّ لحظاتٍ عدَّة، أقيس عمري.

أين أنا، وهذه الدُّروبُ الملقاةُ أمام الباب، توشك أن تلقيني في مهبِّ فيضِ هذا اليومِ الكثيف؟!.
أين أنا، وهذه اللحظات الثقيلة، اللامباليَّة، جالسة منذ الصَّباح، كفنجان قهوة بجوار رأسي؟!.
أين أنا، منذ طلوع الفجر، وحتَّى المغيبِ، كلَّما مرَّت بيّ بضع لحظاتٍ، أقيس عمري مرَّة واحدة؟.
***
آخرَ مرَّة، قبل ألف عام، حين كانت قهوتي ساخنة، وآناء تعفُّر إحدى الثَّوراتِ النَّاضجةِ بغبارِ وترابِ اليأس، كانت ثورتي، للتوِّ منهارة.
كان يوماً مبلَّلاً… كنتُ أتضوَّرُ برداً.
كمْ أشعرُ بالبرد…
من شدَّة البردِ النَّاهش في أحشائي، أوشكُ على إضرام نوروز.
أنا خائف.
من خوف وذعر عينيَّ المندهشتين، أوشكُ على ردِّكم عن بابي، عائداً للنوم..
وحيدٌ أنا…
ومن فرط الوحدةِ، أوشك على فتح بابي لكم، ثانيةً، وأدعوكم جميعاً، للمثول أمام فيض هذا اليوم الكثيف المبلل.
هيَّا، تعالوا…
تعالوا، فقهوتي لا زالت ساخنة.
تعالوا، فصورهم لمَّا تزل أمام عينيَّ.
تعالوا، سأعرِّفكم على جميع رفاقي الثوَّار والصَّعاليك.
***
الرّمَّاح، الذي قبلكم، بلحظة، نفض غبارَ الجبالِ عن نفسه، ولا أعلم في أيّ الكتبِ استسلم للنّوم، قد كان آخر فرسان قلعة “دمدم”.
كان رمحه، محفورٌ عليه، ختمُ الأمير ذو الزَّند الذَّهبي.
في سنينِ القمح والسَّلام، كان يعزفُ على التُّراب الأحمر.
في السِّنين التي يذبل فيها النَّرجس، كان يراضي ويهدد تراب «دمدم» البارد، بأغاني الانتفاضات المنهارة، و”الأشجار التي تموت واقفة”.
ومذَّاك، سيرةُ «جار جرا»، وشنقُ «الأشجار التي تموت واقفة»، وتمرُّداتي وانهياراتي، كانت تتقاطر على ذاكرته.
وماذا أقول لكم…
التقينا صدفةً في ذاكرته.
هناك، اندلعت ثورتنا وهناك انهارت.
هو، عاد لجوفِ الكتاب ذاته، متوسِّلاً النَّوم.
أمَّا أنا، فلمَّا أزل هنا، أقيس عمري مرَّةً، كلَّما مرَّت بيَّ بضع لحظات.
***
قهوتي، توشكُ أن تبرد.
ولا زال باكراً على قراءةِ الفنجان…
قبلاً، لم يكن مهدوراً دمه.
ولم تكن تخطر في باله عروس المطر، رضيعيَ     الــ”بن ختي”.
ويوم شاءوا فطامه، رأوا بين حقول القمحِ غيمةً ميّتة.
كان يوماً مبللاً.
رجعُ صدى ثلاثةِ صرخاتِ استغاثة، كان يديرُ فنجانَ الدَّم.
أيُّها الأحياء…
منْ فارسُ التُّرابِ الأحمر؟!.
من هو شاعرُ السُّؤالِ والشَّكّ؟!.
من كان يخطرُ على بالهِ عروسُ المطر؟!.
أيُّها الأحياء..!!…
الذين لبّوا استغاثة التُّراب، من حقول القمح، وحتّى حقول الألغام؟، أحصوا أثر خطى ثلاثة وثلاثين سؤالاً.
والذين لبّوا استغاثة السُّؤال، أحصوا موضع ثلاث وثلاثين رصاصة في ظهر تلك الغيمة القتيلة.
والذي فُطِموا عن الحليب توَّاً، لبّوا نداءَ عرائس المطر، مرددين:
هذهِ وليَّةُ القمح.. القمح.
قمحنا مصابٌ بالحُمَّى.. بالحممممى…
مُذاك اليوم، كلَّما يُصابُ القمحُ بالحمَّى، يقوم شاعري، المهدور الدَّم، ومع حشدٍ من أطفال الـ”بن ختيه”، بتلاوة تعاويذ القمح والمطر على ضريح تلك القتيلة: “عروسنا تشتهي المطر. ونحن، نشتهي القمح الأحمر….”.
لا زال باكراً على قراءة الفنجان.
في بيروت، لا زال الوقت مبكراً، سواء كنتم مهدوري الدَّم ، أو كنت عشاقاً.
في بيروت…
أنا المتأخِّرُ، والمتأخِّرُ هو؛ شاعري المهدورُ الدَّمِ.
***
فِراشي إلى جواري، باردٌ.
شريكةُ فراشي، تأوّهٌ وأنينٌ بريٌّ، آتٍ من سيرة جبل “الكورمينج”.
ها هي، تعتِّقُ جسدي في جرابِ خمائرها، منذُ موسمٍ من الزَّمن.
ها هي، حُبلى، ومضى موسم على وجودها في حضرة ضياءِ الله.
هي تقول:
إنْ كانَ ذكراً، فليكن اسمه “ستير” (نجم).
وأنا أقول: وإنْ كانت أنثى، فليكن اسمها “ستير” (نجمة).
أوشك على الدفع بقصيدتي صوب المغيب.
لكنّ… أين أنا، وذلك اليوم الطّويل اللامبالي، جالس بجوار رأسي كفنجان قهوة….!.

يوميّات

منذ أمد، لم أتزحزح من أمام تلك النافذة…
هناك أصلِّي.. ارتشفُ قهوتي.. أعايد أمّي.. استقبل ضيوفي…
هناك… أعلن ثوراتي.. انتصر.. أنهزم…
وهناك، في الهزيع الأخير من الليل، أضاجع امرأةً.. و.. هناك…
منذ أمد، أودُّ أن أدعو نفسي لأمسية..
لكنّي، غائبٌ!!… منذ أمد.

2
ضجرتِ الجدران منّي وملَّت.
تكادُ أن تجهض!!.

3
هم، لم يكونوا يدرون…
بأنني الآن، أعبرُ الظلام تلبيةً لاستضافة.
في الظلام، حين كنتُ وإيَّاهم سواء، نتبدَّى بلا ألوان…
أمَّا الآن، لستُ مثلهم.
فلا تحرِقوهم بجريرة آثامي!!.

4
سابقاً، قبل هنيهة، أهديتهم شيئاً من زينة أمِّي…
اليوم، قبل هنيهة، حين صادفتُ مجموعتي الشِّعريّة الأولى…
بدتْ لي، جميع قصائدي، خاليةً من أساور وحلقات وخلاخيل أمّي.

5
 أربعةُ أيَّام، يفصلنا عن حلول النوروز.
المسافرون الآتون من الطرف الآخر، يرتدون صور السيانيد، قائلين: إنَّهم، بدأوا الاحتفال منذ الأمس…. هناك.

6
حين كنتُ أتوق للوطن…
كنتُ أعلِّمُ إحدى قصائدي الفروسيَّةَ، وأدجِّجها بالرُّمح والدِّروع، وأطلقها صوب الجبال.
الآن، حين أتوقُ للوطن…
فقط، أشفقُ على قصيدتي الأولى، وأندم.

7
في هاتيك السنة، أودى الوطن برأس أحد شباب قريتنا.

8
وقعت إحدى فتيات قريتنا في هوى الجبال.

9
في هاتيك السنة، كانت الجبال تلتهم عشَّاقها…!!.

10
ليس لأنَّها سقطت من جيبي، أو نسيتها في مكان ما.
وربما يقرأها أحدكم… فأنصتُ أنا أيضاً.. وأتيقَّن بأنَّ ذلك لم يكن حلماً.

11
كلَّما آتيكِ في الحلم، أجدُ إحدى قصائدي نائمةً في حضنكِ…!.

12
متى سيذوب نهداكِ؟.
فهذا الثلج المتراكم على شفتيَّ، أضناه النعاس..!!…

13
منذ أمد، أودُّ الخروج لاصطياد الرِّيح.
وحين أبدأ البحث عن نفسي، كي أُطفئُ سيجارتي، أو أسحب نظراتي من على فنجان القهوة.
حين أبحث عن نفسي، لأدعوها إلى الأزقَّة الشريدة المتهوِّرة، وإلى أمسيات الوحل والمطر.
لا أكون هناك…
لستُ حاضراً، ولا أعلمُ منذ متى غادرت، تاركاً هذا الباب مفتوحاً على مصراعيه!.
ها أنا ذا، لا زلتُ هنا…
لم أنهض من أمام هذه النافذة.
أودُّ العودة لاصطياد الرِّيح، ولو لمرَّة، لكنّنيَ، غائب.

عن فصليَّة “نزوى” العمانيَّة / العدد 59 لسنة 2009

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…